المرأة إنسانٌ قبل أن تكون أنثى
|
*إيمان عبد الأمير
أهمُّ ما يميِّز الإسلام في موقفه من المرأة عن غيره من المبادئ والنُّظم التي عاشَتْ قبله واستجدَّت بعده، هو نظرته الإنسانية إلى المرأة والرجل على السواء في كل تشريعاته ومفاهيمه، ونظرته للمرأة بما هي أنثى إلى جانب نظرته للرجل بما هو ذكر.
فالإسلام حين ينظر إلى الرجل بصفته إنساناً، وينظم شؤونه على هذا الاساس، فانه ينظر إلى المرأة بوصفها إنساناً أيضاً، ويساويها مع الرجل على الصعيد الإنساني في كل تشريعاته وتوجيهاته، لأنهما سواء في التكوين وفي الحق بالكرامة الإنسانية، وفي مرحلة لاحقة تأتي النظرة الى الرجل بوصفه ذكراً، ثم النظرة الى المرأة بوصفها أنثى، حيث يفرض على كل منهما الواجبات، كما يعطي لكل منها الحقوق، بما يتفق مع طبيعته، وفقاً لمبدأ تقسيم العمل بين أفراد المجتمع، وعلى اساس ذلك تنشأ الفروق بين أحكام المرأة وأحكام الرجل.
أما في مجال التنظيم الذي يرتبط بإنسانية الإنسان فلا فرق فيه بين المرأة والرجل، لأنهما في نظر الإسلام إنسان على السواء، فالإسلام وحده هو الذي نظر إلى المرأة نظرة إنسانية على قدم المساواة مع الرجل، بينما لم تنظر الحضارات الأخرى وحتى الحضارة الأوربية الحديثة إلى المرأة إلا بوصفها أنثى، وبما يعبّر عن الإثارة والمتعة.
والموقف الحضاري لكل مجتمع من المرأة ينعكس بدرجة كبيرة، بمقدار تغلغل تلك الحضارة على دور المرأة في تاريخ ذلك المجتمع، وطبيعة موقفها من الأحداث؛ فالمرأة في مجتمع يؤمن بإنسانية المرأة والرجل على السواء، نجد أن المرأة تمارس دورها الاجتماعي بوصفها إنساناً، فتسهم مع الرجل في مختلف الحقول الإنسانية، وتقدم أروع النماذج في تلك الحقول نتيجة للاعتراف بمساواتها مع الرجل على الصعيد الإنساني.
وعلى العكس من ذلك المرأة في مجتمع ينظر إليها بوصفها أنثى، قبل أن ينظر إليها بوصفها إنساناً، فإنها تنكمش وفقاً لهذه النظرة، وتحرم من ممارسة أي دور يقوم على أساس إنساني، بل يرغمها المجتمع على التعويض عن ذلك بمختلف ألوان الظهور على أساس أنوثتها، وما يعبِّر عن الاثارة، على أنه من حق المرأة والفتاة ولايجب ان تُحرم منه.
ونجد خير مصداق لذلك في تاريخ المرأة التي عاشت في كنف الإسلام، فكان دورها ومختلف بطولاتها تتكيَّف وفقاً لطبيعة المبدأ ومفهومه الحضاري؛ فقد عبَّرت في ظِلِّ الإسلام عن إنسانيتها أروع تعبير، وسطرت الملاحم والبطولات على هذا الأساس، بينما لم تعبِّر المرأة في المجتمعات الأخرى غير الإسلامية إلا عن أنوثتها، ولم يتح لها أن تقيم لها مَجداً إلاَّ على أساس هذه الأنوثة؛ فلم يكن ثمة مجال للإبداع والتأثير الايجابي البنّاء في الأسرة والمجتمع، سوى الحيّز الضيق في صالات العرض المختلفة التي يأخذ منها شيئاً واحداً فقط هو إثارة الرجال وإغرائهم.
*بطولات المرأة المسلمة*
اعتمدت المرأة المسلمة في بطولتها على إنسانيتها، لكن هذا لم يلغ أنوثتها وخصوصيتها، وربما تكون، وهي تخوض سوح الوغى والمواجهة بين الحق والباطل، قد تعرفت سلفاً على مكانتها السامية في الإسلام، فهي لم تبق حائرة يكتنف وجودها الغموض، ولكونها في الصعيد العام إنساناً كالرجل؛ فقد برزت شخصيتها لامعة وضَّاءة وسجلت لها في التاريخ ذكراً عطراً كأروع ما يسجله إنسان مستقل لها عقيدتها ورسالتها السماوية.
فكانت الأبنة التي تقف مع أبيها وأخيها في الملّمات والشدائد، وكانت الأخت التي تشدّ من أزر أخيها والزوجة التي ترصّ من موقف زوجها، وكانت فوق كل ذلك الأم التي فتحت قلبها مدرسة للأجيال، ويحفظ لنا التاريخ نماذج رائعة وساطعة من نسوة سجلن مواقف إنسانية قلّ نظيرها في التاريخ البشري، وذلك بفضل القيم والتعاليم الاسلامية، ومن نافلة القول؛ فان البعض يدّعي أن الاسلام ليس في تاريخه رصيداً لإمرأة عالمة أو باحثة كما هو اليوم، وللرد على هذا الإدعاء قد نسترسل في حديث ربما يطول ولايسعه المقام، لكن بجملة واحدة، إن الحضارة الاسلامية التي يشهد الغربيون اليوم بالفضل لها في تقدمهم العلمي، كان وراءها المرأة المسلمة التي حفظت البيت الدافئ والآمن من الآفات الاجتماعية والنفسية، فبرز العلماء والمحدثون والادباء وغيرهم من رموز الاسلام، لذا لم تكن يوماً بحاجة لإن تكون طبيبة – مثلاً- إذ تؤكد المصادر التاريخية بان الطبيب في العهود الاسلامية الاولى كان عمله كاسداً، ولكسب المال كان يلجأ لأعمال أخرى، لقلة وجود الامراض أساساً، فاذا كانت المرأة في الغرب تفتخر بوجودها في ساحات العمل المختلفة، فهو ليس لكونها احد أعمدة العلم والمعرفة، وإنما للحاجة القصوى الى المهن والاختصاصات في مقدمتها الطب، حيث يعد بروز الامراض المختلفة إحدى النقاط السوداء في صفحة الحضارة الغربية الراهنة.
لذا يمكن القول بان المرأة المسلمة في العهود الأولى كانت تقوم بأهم دور على صيعد الثقافة والحضارة والانسانية، وهو الوقوف بوجه الانحراف والضلال المتمثل في الحكام والسلاطين الذين طالما حاولوا أن يذهبوا بالاسلام ومنجزاته وقيمه العظيمة، الى حيث تكمن مصالحهم، وكان في مقدمة هذه القافلة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليه السلام، وجاءت من بعدها العقيلة زينب عليها السلام، ولمن اراد أن يتطلع الى مكانة المرأة في الاسلام، ما عليه إلا ان يتصفح كتاب عاشوراء وما يضمه من مواقف باسلة وشجاعة للأم والأخت والزوجة والبنت، ولعل من عظمة كربلاء أنها قدمت للتاريخ والحضارة أروع صورة للأسرة الحقيقية والبناءة في الاسلام، فالى جانب الدور المميز والتاريخي الخالد للسيدة زينب عليها السلام، تمكن الاشارة الى أم ذلك الغلام الذي أرجعه الامام الحسين عليه السلام بعد استشهاد أبيه في المعركة، والتي شدّت إزاره وشجعته على القتال بين يدي الامام. وأيضاً أم علي الاكبر عليه السلام، ولاننسى موقف طوعة، تلك المرأة الكوفية التي سجلت ذلك الموقف العظيم باجارتها مسلم بن عقيل، بعد أن جفاه وتنكر له الواعدون من رجالات الكوفة وأعيانها.
فكما أن بطولة الرجل المسلم كانت في مجالين وفي اتجاهين: في مجال التضحية والجهاد، وفي مجال الدعوة إلى الله تعالى، كانت بطولة المرأة المسلمة أيضا في نفس المجالين، وفي كلا الصعيدين كانت تعمل كإنسان لا كأنثى.
*المرأة المسلمة في الوقت الحاضر*
والمرأة المسلمة اليوم هي بنت تلك المرأة المسلمة التي عرضت صدرها لحراب الأعداء، وشهدت بعينها قتل الآباء والأبناء، فما الذي يقعد بالمرأة المسلمة البنت عن أن تعيد تاريخ المرأة المسلمة الأم، وأن تقتفي خطواتها في الحياة؟ لا شيء غير أنها افتقدت وبالتدريج ونتيجة لابتعادها عن روح الإسلام الحقيقة إنسانيتها، وعادت مجرد أنثى تتلاعب بها الأهواء والتيارات، وتسخرها ميول الرجال، ويستهويها كُلُّ لمح كاذبٍ أو وميض خادع.
ولهذا فقد وقعت في أحابيل شائكة شوَّهت أنوثتها وأفقدتها شخصيتها كإنسان في الحياة، فهي مَهما سمَتْ أَو حاوَلت السمو لن تتمكن أن تسمو كإنسان مستقل، ما دامت تخضع لأحكام الرجل في اتِّخاذ طريقتها في الحياة، وتتبع ما يمليه عليها من أساليب الإثارة الرخيصة.
فما الذي يمنع المرأة المسلمة اليوم من أن تشقَّ طريقها في الحياة ثقافة وعملاً مع محافظتها على حِجابها الذي يلزمها الإسلام به؟!، لا شيء غير غضب الرجال لذلك، وسخطهم عليه، لأنه سوف يحول دون متعة استجلاء مفاتن المرأة ومحاسنها.
فهل السفور من شروط طلب العلم ؟ أم ان الخلاعة والتهتك من شروط الثقافة والتمدن؟ كلا وألف كلا... ليس للسفور ولا للخلاعة أي دخلٍ من قريب أو بعيد في العلم والثقافة، ويمكن التمييز بينها وبسهولة أيضاً متى ما عادت المرأة المسلمة، وأحست بوجودها كإنسان لا كأداة من أدوات إرضاء الرجل.
ولكن أعداء الإسلام لن يسمحوا بفرز العلم عن السفور والثقافة عن الخلاعة، فهم يحاولون بشتَّى الأساليب المُغرية ربط الاثنين معاً ليحطُّوا من شأن المرأة المسلمة ومن مكانتها في العالم.
|
|