أسواق المسلمين مالها وما عليها!!
|
*علي عبد الخالق
تشكل الأسواق في البلاد الإسلامية واجهةً لشعوبها، والشخص القادم من بلاد أخرى، سيتعرف على حقيقة أخلاق وسلوكيات هذه الشعوب من خلال الأسواق التي يرتادها، ويتجول بين منحنياتها، وتتكون لديه إنطباعات راسخة عن حقيقة هذه الشعوب، ولأننا شعوب إسلامية؛ إذن يجب أن تظهر أسواقنا بالمظهر الإسلامي اللائق وأن تعبر حقيقة وواقعاً عن القيم الإسلامية العظيمة.
يجري الحديث كثيراً عن ضرورة نشر الإسلام في البلدان التي لم تتعرف عليه، غير انه بإمكاننا أن نقدم صورة رائعة عن الإسلام من خلال أسواقنا التي يرتادها تجار البلدان المختلفة وسيّاحها.
إن التعامل الصحيح والسليم والذي يعبر بصدق عن حقيقة الإسلام، يُعد أفضل وسيلة للدعوة إلى الدين الحنيف، لأن التصرفات الفردية والجماعية تدل بشكل أو بآخر عن مكنونات الإنسان العقائدية، فقد عُرف اليهود –مثلا- بالجشع والطمع بسبب ممارساتهم للربا، وقد وصموا بهذه الصفات السيئة حتى اشتهروا بها لدى الذين يعرفونهم أو لايعرفونهم، ومع أن العمليات الربوية هي ممقوته لدى جميع الأديان والعقائد إلا إنهم يمارسونها بحجة جواز فعل ذلك بحق أتباع الديانات الأخرى.
فالانطباع العام الذي يأخذه الفرد عن الشعوب الأخرى وعن عقائدها ومدى إلتزامها بقيمها ومبادئها هو إنطباع صادق ويترك تأثيره بالنسبة إلى المواقف التي يتبناها الفرد تجاه هذا الموضوع.
إذن؛ أسواقنا تقدم صورة حقيقية عن أخلاقنا ومدى إلتزامنا بقيمنا الدينية، فإذا كان الدين الإسلامي الشريف يدعو الناس إلى الإلتزام بقيمة الأمانة، بينما تقدم هذه الأسواق صورة مغايرة لدعوة الإسلام، فأن الغريب الذي يشاهد مثل هذه الصورة إذا كان يعرف الاسلام وقرأ عن مبادئه سيقول: إن هؤلاء المسلمين لايلتزمون بتعاليم دينهم، وإذا لم يعرف ذلك فإنه سيقول بأن دينهم لايشتمل على هذه المبادئ والقيم النبيلة، وفي كلا الحالتين تكون الانطباعات سلبية، ولن ينتفع هذا الرجل بعشرات الكتب التي سيقرأها عن مبدئية الإسلام وقيمه السامية لأنه رأى بأم عينه أن المسلمين لايكترثون لهذه القيم ولايطبقونها في حياتهم.
لذا قبل أن نحاول إثبات حقيقة إسلامنا لغير المسلمين، نحن بحاجة إلى أن نثبت ذلك لأنفسنا؟ وربما تكون هذه العبارة غريبة، إذ كيف يثبت المسلم لنفسه أو لأسرته وشعبه أنه مسلم؟!
إن شرائح مختلفة تدخل ميدان العمل في أسواقنا الإسلامية، من أطفال صغار ونساء وشيوخ كبار في السن، هذه الاسواق ستكون بالنسبة لهؤلاء الأطفال الذين دفعتهم الحاجة إلى العمل والدخول مبكراً إلى الأسواق الإسلامية، بمنزلة العالم الصغير والمدرسة الكبيرة التي سيتعلم منها كل مبادئ الخير والشر، وهنا أتساءل وأقول ماذا سيتعلم الطفل العراقي ذو العشرة أعوام أو اقل أو أكثر من هذا السوق الذي دخله إضطراراً؟ فهل سيتعلم الدين والأخلاق والاخلاص والأمانة والصدق والوفاء والالتزام بالعهد...؟
نحن بحاجة إلى أن نثبت لأنفسنا بأننا مسلمون، ليس فقط وإنما لتلك المرأة العاملة أيضاً، كما يجب أن نثبت ذلك للزائر القادم الينا من خارج البلد، وهذا الاثبات يتم من خلال تصرفاتنا وسلوكياتنا، لأن ذلك الطفل اليتيم الذي دخل السوق من أجل الكد على أمه وأشقائه لن يتعلم الاسلام إلا ممن سيتعامل معه، فلا يوجد في الشارع والسوق من يعلّمه ماذا يعني الإسلام، ولكن التاجر وصاحب المحل التجاري الذي يتعامل معه بامكانه أن يجسّد له صورة من صور الاسلام، من خلال إلالتزام بالصدق والأمانة، كما يمكن وبسهولة خداع وغش ذلك العامل الصغير من دون ان يكون ذلك المخلوق الضعيف قادراً على المحاسبة والمحاججة، وبهذا العمل فانه سيترسخ في ذهن وعقيدة هذا الطفل الصغير ديناً جديداً وقيمة جديدة هي ليست من قيم الدين الحنيف، لان الطرف المقابل بفعله دعاه إلى عقيدة مضادة لعقيدة السماء، فيكون بذلك سبباً في تغيير عقيدة إنسان من الفطرة والإسلام إلى عقيدة الكذب والخداع؛ ومن هذا الباب نقول بأننا بحاجة إلى أن نتحقق من كون أنفسنا مسلمين.
والمسألة تنسحب أيضاً على المرأة المسلمة التي فقدت زوجها وهي تعمل في السوق من أجل توفير لقمة العيش لأطفالها، فيجب أن تلمس حقيقة الإسلام من تصرفاتنا وسلوكياتنا، ولاتشعر بشيء من الغدر والخيانة، لأنه لو افترضنا أن أسواقنا -لاسمح الله- من هذا النوع من الأسواق التي تعشعش فيها سمات الغدر والخيانة؛ فما الذي سيجبر هذه المرأة المسلمة على التمسك بقيم الدين أو حتى بشرفها وكرامتها إذا كان الجميع هم منفلتين من قيم السماء؟
هنالك خطوات يمكن إتباعها للتحقق من رسوخ الاسلام في نفوسنا ومن سلامة ديننا:
1- صدق الحديث: أن لانكذب بما يخص قيمة السلعة أو عيوبها، أو أي عمل من أعمال البيع والشراء، وقد وجدنا في أسواق بعض البلدان الإسلامية أن البائع لايتمكن من بيع سلعته إلا بالكذب، وذلك أن أكثر من في السوق كانوا يمارسون الكذب، فإذا سألهم المشتري عن بلد الصنع قالوا (انه أجنبي)، بينما هو محلي، وبسبب كثرة الكذب وتعود الناس على ذلك فإذا قال أحدهم صدقاً بأن المنتج محلي أو وطني، لم يشتروا منه سلعته، وينشأ أول سبب من اسباب الكساد والركود في الاوساق، وقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بخصوص هذه الصفة: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) (تفسير الدر المنثور/ ج2، ص144).
2-التساهل في البيع والشراء وعدم تعقيد الأمور على المشتري والسماح له بالمساومة على السعر، وقد وردت في هذا أحاديث حيث قال الإمام الباقر عليه السلام (ماكِس المشتري؛ فأنه أطيب النفس وإن أعطى الجزيل، فإن المغبون في بيعه وشرائه غير محمود ولا مأجور) (وسائل الشيعة/ ج12، ص335)، وقد وردت أحاديث أخرى في إقالة النادم، وهو المشتري الذي يغير رأيه بعد الشراء ويريد استرجاع أمواله نتيجة لحاجة أو مشكلة أصابته وقد جاء في مدح إقالة النادم: (أيما مسلم أقال مسلماً بيع ندامة، أقاله الله عزوجل عثرته يوم القيامة) (وسائل الشيعة، ج12، ص287).
وحتى بخصوص الوزن فإن أئمة الهدى عليهم أفضل الصلاة والسلام يطلبوا إلينا أن نرجح الكفة لصالح المشتري وذكروا بأن في هذا العمل البركة والخير؛ فقد مرّ أميرالمؤمنين عليه السلام على جارية قد اشترت لحماً من قصّاب وهي تقول: زدني، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام: زدها فإنه أعظم للبركة) نقل الرواية الإمام الصادق عليه السلام وهي في كتاب (وسائل الشيعة/ ج12، ص290).
3- التفقه في مسائل التجارة؛ فالمسلم الذي يخاف الله ويطمع في ثوابه ويحفظ دينه هو الذي يتحرى أفضل الطرق وأصوبها في عمله ومعيشته، فهو لايغمض عينيه ويلقي نفسه في مستنقع الربا أو في المعاملات الباطلة ويهرب من الحساب، لأن هناك تشريعات يجب أن يعرفها التجار في السوق، وأن القفز عليها معناه السقوط في الحرام، ومن هذا الباب يجب بناء مسجد وإقامة منبر للوعظ والارشاد عند كل سوق حتى يتعلم التجار أمورهم الفقهية ولايتخبطوا بين الحرام والحلال.
يجب أن نثبت لأنفسنا بأننا مسلمون، وهذا هو شعارنا في كل سوق من أسواق المسلمين، حتى ينزل الله بركاته علينا ويرفع عنا هذا العذاب.
|
|