قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
حضارة الأخلاق الفاضلة
روعة التفاؤل!
*علي ضميري
خلق الله سبحانه وتعالى الوجود، وجعل بداية الحياة تنطلق من الرحمة، فهي قد وسعت كلّ شيء، وفرض على الإنسان عدم اليأس من هذه الرحمة، وذلك حيث قال تعالى اسمه: "إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"؛ فصار اليأس معادلاً للكفر، والعياذ بالله، وبدلاً من اليأس وانقطاع الأمل، علّمنا الدين في نصوصه القرآنية وروايات أهل البيت سلام الله عليهم، أن نتعلّق برحمة الرحمن الرحيم.
بل إن البارئ عزّ وجلّ علمنا - نحن مخلوقاته- أن نبدأ باسمه الشريف المقدس ونذكر رحمته التي منها خلقنا، قبل أن نبدأ بأي عمل نزمع القيام به، فنطلب به وجهه الكريم ونتقرب إليه، فنقول قبل كل عمل، ولاسيما العبادات: بسم الله الرحمن الرحيم.
*التفاؤل ونبذ اليأس*
التفاؤل، هو نظرة إيجابية إلى الحياة، بغضّ النظر عما قد يصادف ابن آدم من مشاكل وأزمات، بينما اليأس؛ فانه نظرة إلى الحياة وكأنها قد انتهت وانغلقت عنده أبواب الفتح والفرج، حيث ينسى الإنسان الآيس قدرة الله على تغيير الأمور وتبديل الأحوال، ويغفل عن رحمته وإرادته.
نعم... إن التفاؤل يشبه إلى حدٍ كبير النظارة البيضاء التي يرى من خلالها الانسان كلّ شيءٍ على طبيعته؛ في حين اليأس هو بمنزلة النظارة السوداء، حيث يرى من يضعها على عينيه، كلّ شيءٍ أسود على غير طبيعته الحقيقية.
وطبعا، هناك أمور تدفع الإنسان إلى اليأس، كما أن للتفاؤل عوامله وأسبابه، فضلاً عن أن لليأس أضراره الكبيرة، بينما للتفاؤل فوائد جمّة؛ فإذا لم يتعلم المرء من الحياة تجاربها، ولم يستعد أو لم يتوقع المشاكل والصعوبات، أو لنقل: إنه إذا لم يعِ فلسفة وحكمة وجود المشكلة والأزمة في حياته، فإنه قد يصاب باليأس، ومن ثم فإنه سيتخبط ويغرق في مشاكله وأزماته.
ولكنه إذا تعلم وعرف أن الحياة فيها سنّة التغيير والتطور، وأن من الممكن جداً تعرّضه لأنواع المشاكل، التي هي في الحقيقة فتنة وامتحان وبلاء، مثل نقص الأموال والأنفس والمرض والفشل؛ فإن معرفته بهذه الحقائق، ستكون بمنزلة الاستعداد لمواجهة الفتنة والامتحان والبلاء، لتتوفر لديه إمكانية العبور بنجاح وأمل وتفاؤل.
وفي الحقيقة، إن تجارب التاريخ، تخبرنا بوجود الكثير الكثير ممن لم تثنهم مصاعب الحياة، فعاشوا بتفاؤل وأمل بالله كبير.. بينما هناك الكثير أيضاً من سقط صريع المشكلة والأزمة الواحدة، بعد أن استولى عليه اليأس، حتى أصبحت حياته حياة سوداء، خالية من أي معنىً إيجابي، وارتمى في أحضان الكفر والشيطان والانهزامية.
لكن لماذا يصاب الإنسان باليأس أساساً، وهو يعرف بشكل من الأشكال أن له خالقاً يحبّه ويرحمه ويتفضل عليه ويريد به الخير، خصوصاً وأن ربّه الخالق قد أوحى إلى أنبيائه وألهم أوصياءهم، ولاسيما نبينا الأكرم وأئمتنا صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، بان يعلموا عباد الله كيف يحلّون ويتجاوزون أزماتهم ومشاكلهم، لكي لاتصل بهم الأمر إلى طرق مسدودة، إذ الوصول إلى هذا الحد، يعني استيلاء اليأس عليهم، ومن ثم، يجدون أنفسهم يتخبطون في غير صراط الهدى والنور.
*اليأس والحروب*
أن جميع الحروب التي تندلع بين بني البشر، مردّها الخروج والانحراف عن الصراط الحق، وهي بلا أدنى ريب حروب باطلة، أساسها اليأس والابتعاد عن إرادة الرب، وبعضها يراد منه تغليب اليأس على أرواح الآخرين، كرغبة حاكم من الحكام في اختلاق مشاكل للناس، ليضمن استمراره في التسلّط على رقابهم، واقتناص مصالحه السياسية والاقتصادية وغير ذلك، وهو وهم يظنون بعد ذلك، بأن لهم الحق في التصرف كما يشاؤون.
وهكذا هو الإنسان صاحب الخطيئة مثلاً، إذ تراه يرتكب الخطيئة تلو الخطيئة، لظنه بأن الله لن يغفر له، يائساً من رحمته الواسعة، بدلاً من أن يخشع قلبه لذكرالله، ويعود إلى جادة الهدى والنور والخير..
وهذا الظن القاتل من نتائج وساوس الشيطان، التي تصور للمذنب، بأن ذنبه أكبر من رحمة الله وغفرانه، فيقع في شَرَك بعد شَرَك، حتى أنه في أغلب الأحيان، لايقدم على معروف ولايمتنع عن منكر، بعد أن غمسه الشيطان ونفسه الامارة في الرذائل والموبقات.. واليأس من روح الله وغفرانه
*القرآن وثقافة الأمل*
الإنسان المتفائل والمثقف بثقافة القرآن الكريم وأهل البيت سلام الله عليهم، يقرأ الآيات والروايات بتفكر وتدبّر فهو يعرف جيداً أن الحياة لاتتوقف عندما يخطأ، أو يتعرض لأزمة وخسارة، أو لسقوطه مجرد سقطة واحدة.
كما أنه يعي جيداً بأن الله قد رحم الإنسان رحمة لايمكن تصوّرها. حتى أنه يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهم الذين يخطأون ثم يتنبّهون لأفعالهم وتصوراتهم، فيعكفون على تصحيح أخطائهم، ولا ييأسوا.
لأن أخطاء الإنسان الكبير ومصاعبه، تشبه سقطات الطفل الصغير غير القادر على الوقوف أو المشي.. فهو عاجز عن المشي مالم تتكرر سقطاته وتعثراته، وأروع حالة لأبناء آدم أن يضعوا في حساباتهم، أن الله تبارك وتعالى أرحم بهم من أنفسهم، وأنه لايتركهم أبداً، حتى وإن فشلوا وتأزمت أحوالهم، وأن ينظروا إلى الفشل والخسارة، على أنها مجرد امتحان وتجربة، وأنه لابد من استثمار الفشل والخسارة، وتحويلهما إلى مشروع تفاؤل ونجاح.
*التفاؤل طاقة الحياة*
إن الحديث عن التفاؤل، ممزوج بتصور السعادة والخير والسرور، إذ لايمكن تصور معنى الحياة، مالم يتفاءل الإنسان وينظر إلى المستقبل، نظرة المصرّ على النجاح والطموح إلى نيل رحمة الله جل وعلا، وهو الذي سبقت رحمته غضبه، فلا ينبغي له التعامل مع الحياة وتقلباتها تعاملاً تشاؤمياً، فالانقلاب يؤدي به إلى انقلاب على مجمل عقائده وطبيعة إيمانه، أو يؤدي به إلى الكسل والخمول والكآبة والسوداوية.
إن شأن التفاؤل لمسيرة الإنسان في الحياة، شأن الوقود للسيارة، حيث به يستطيع التغلب على ما يعتريه من ظروف الحياة، لاسيما وأن في المنهج الإسلامي حلولاً لجميع المشاكل، وما يريده المرء لتطوير حياته، وما يضمن له الفلاح في الدار الآخرة.
فحريٌّ بالجميع أن يشمروا عن سواعد الجد، فلا ينهزموا في أول تجربة. ولا آخر تجربة. لأن في الحياة طبيعة حاكمة أسمها: التغيّر والتحول، والمطلوب أن يسعى المرء لمصيره الدنيوي والأخروي بشكل مطلوب، وإلا فإنه سيُسحق في خضم عجلة الحياة، ولن تتوقف عربات الحياة لتشاؤم أحد وكآبته، ولا انقلاب هذا أو ذاك على عقائده الحقّّة.
والمطلوب هو جدّ الإنسان واجتهاده في استغلال فرص الحياة، كما يريد الله، لا كما يريد هو فيستغلها بكل طموح وهدفية، فلا يكتفي بجلد ذاته، والتباكي على خسائر الماضي، فأمامه تجارب غيره وتجارب الآخرين ليتعلم منها، عبر النهوض بمستواه الثقافي والتربوي، ليتعرف إلى قابليات نفسه، وما هو متاح لديه من وسائل النهوض وتحقيق النجاح واستحقاق الموفقية، ليطوي وراءه كل مشكلة وظرف عصيب، بعد مزيد من التوكل على رب الحياة والوجود.