كيف نبني بيوتنا؟!
|
*يونس الموسوي
البيت ليس في بنائه وأعمدته وطوابقه الشاهقة، ولا بطلائه وجماله، ولا بسعته وطوله وعرضه، إنما البيت هو في بناء الإيمان الذي تشع منه الأنوار، ويفيض بالروحانية والخير والعطاء، وهو البيت الذي يدوم، والذي لاتهزه العواصف ولاتدمره الزلازل.
وفي القرآن الكريم نجد نماذج كثيرة من البيوت التي تبنى على يد الكائنات الحية ولكن الذي لفت نظرنا أنموذجان ذكرهما القرآن الكريم، والظريف في الأمر أن الأنموذجين بنيا في الجبال، فالأنموذج الأول بني على يد الإنسان، أما الثاني فعلى يد النحل، لكن الفارق أن البنيان الأول لم يصمد أمام حقائق الكون والطبيعة، فبرغم ما يملكه الإنسان من القدرات العقلية والذهنية إلا إنه لم يستطع أن يكون بأفضل من النحل، ونقرأ في القرآن الكريم عن النموذج الأول: "وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ"(الحجر،82).
وأما بالنسبة إلى الأنموذج الثاني فنقرأ الآية الكريمة: "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا" (النحل،68)، هنا نلاحظ التماثل، حيث يوحي الله سبحانه وتعالى إلى النحل كما يوحي إلى أنبيائه - مع الفارق- بأن يسكنوا الجبال، وهذه الحشرة الصغيرة تطيع الله ولاتعصي له أمراً، فتلتزم بأمر الوحي وتطبقه بشكل كامل .
وفي بعض المناطق الجبلية التي تشهد عمليات إنتاج العسل، تجري طقوس خاصة لجمع العسل، ومن أهم تلك الطقوس، قراءة الدعاء والإكثار من ذكر الله والشكر له على ما أنعم، وعندما سُئل أحدهم عن مغزى ذلك؟ أجاب: إنه إذا لم يفعل ذلك فإن اللعنة ستصيبه ويسقط من أعلى الجبل!
عرض هذا الفيلم على شاشات التلفزة، لكنه يذكرنا بالوحي والإيمان والشكر، فهنا تختلط هذه الأمور وتتشابك بحيث لايمكن فصلها، فالنحل يتبع الوحي، والعسل الذي ينتجه هو خلاصة جهد عظيم، والإنسان يذكر الله حين يجمع العسل، وإذا لم يفعل فإنه ستصيبه اللعنة.
كل هذه الأمور تقودنا إلى وجود حلقة تربط هذه القضايا كلها ولكننا لانعلم سر هذه الحلقة؟
النحل يبني بيوته في قمم الجبال الوعرة، والإنسان أيضاً يحاول أن ينحت بيوته في الجبال، وهو يفعل ذلك لتحقيق الأمن والسلام، فهو يبني في الأعالي لكي لاتصله السيول الهادرة، ولاتهاجمه الوحوش ولاتصل اليه نيران الحروب، ولكن هل حقاً استطاع الانسان أن يحقق الأمن والسلام لنفسه؟
سنقرأ التاريخ من خلال القرآن الكريم وننظر إلى مصير تلك الأقوام التي كانت تنحت الجبال ومن بينها كان قوم صالح وقد ذكرهم القرآن الكريم "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ* قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ* قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ* فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ" (الأعراف،73-78)، ومثل هؤلاء كان أصحاب الحجر الذين أيضاً كانوا ينحتون الجبال لكنهم كفروا فأخذتهم الصيحة مصبحين.
من كان يمر على تلك البيوت ما كان يظن أنها ستبيد، وذلك لقوتها وصلابتها لكنها لم تصمد أمام حقائق الكون، وتلاشت كما تتلاشى أوراق الخريف، إذن.. نعود إلى المقدمة ونقول أن البيوت ليست في بنائها الشامخ وأعمدتها الصلبة إنما بالإيمان الذي يسكن فيها.
أنت أيضاً تستطيع أن تبني بيتاً، وليس المقصود هو بناء الطابوق، إنما البناء الروحي الذي هو قاعدة وأساس كل بيت، وثمة بيت بقي مجيداً وسامقاً حتى بعد مرور السنين والأيام ذلك أن اصحابه بنوه على قاعدة الإيمان بالله، فكانت أعمدتها الأخلاق الحسنة، وأبوابها الخير والعطاء، وهذه الأمور هي التي أبقت على هذا البيت وأسهمت في تجذيره في الأرض والتاريخ، وهو يواصل اتساعه حتى اصبح الآن يضم عشرات الملايين من البشر، وذلك هو بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فبعد مضي أربعة عشر قرناً، مازال هذا البيت شامخاً وسامقاً ويزداد نسله يوماً بعد يوم على الرغم من كل أعمال القتل والتصفية التي تعرضوا لها على مر الزمان والأيام.
والسؤال المهم: ما الذي أبقى هذا البيت إلى هذا اليوم؟ بينما بيوت أعدائهم إنهارت وتلاشت ولم يبق لها أثر، بعد ان كانوا ملوكاً وسلاطين وبيدهم الأموال والسطوة والسلطة للمحافظة على بيوتهم ونسلهم؟
القرآن الكريم هو الذي يجيب على هذا السؤال، يقول عزوجل: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ" (النور،36)، إن المسلم المنصف الفطن لو تأمل للحظة، لن يجد على طول التاريخ الإسلامي وعرضه بيتاً مرفوعاً سوى بيت الرسول وآله عليهم صلوات الله، منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا وإلى قيام يوم الساعة.
إذن.. الله سبحانه وتعالى هو الذي رفع هذا البيت وأبقاه بهذا الشموخ، وهذه نتيجة طبيعية، لأن ذلك البيت كان يشع نوراً ويلهج بذكر الله، وكل بيت كانت هذه صفته فإن سمته ستكون الديمومة والبقاء.
وأنت...! أيضاً باستطاعتك أن تبني لك بيتاً يشع منه مثل هذا النور، وتستطيع أن ترفع اسم عائلتك وعشيرتك، وتستطيع أن تخلد اسم أسرتك، بحيث يذكرك الناس حتى بعد قرون من انقضاء حياتك.
يجب أن نتعلم من النحل كيف نبني بيوتنا، يجب أن نتعلم منها كيف نستمع إلى الوحي، كما يجب أن نتعلم منها كيف نطيع أمر الوحي .
إن الذين بنوا بيوتهم في الجبال لتحقيق الأمن والسلامة ما كانوا يعلمون بأن الجبال لن تحقق لهم السلامة، لكن الإنسان لايستطيع أن ينظر إلى حقائق الأشياء، لأن العينين تنتبه إلى ما يبهرها، مثل قوم قارون الذين تطلعوا إلى قصر ملكهم وإلى عزه وملكه فقالوا باستحالة إبادتها، فكانوا ينظرون إليه وإلى أمواله بحسرة شديدة، وكانوا يطمعون بأن يكونوا مكانه ويحصلوا على هذا العز الهائل، وما هي إلاّ ليلة واحدة حتى خسف الله عزوجل به الأرض وجعله عبرة لأولئك الطامعين، فتعجبوا أمر الله وأمر الحياة الدنيا، كيف دارت الدنيا بهذا الرجل الثري الذي أمسى قوياً ثرياً متمكناً ثم أصبح عدماً؛ فأين ذلك القصر الذي بناه؟ وأين تلك الكنوز التي ادخرها؟ وأين ذلك العز؟ وأين ذلك الشموخ؟
يبدو أن هناك من بين الناس من يخرب بيته بيده، فهل يُعقل ذلك ؟! الاجابة: نعم... لأن الله سبحانه وتعالى يقول ذلك: "يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ" (الحشر،2).
فهؤلاء الذين ينشرون الإلحاد، والذين يتناولون المسكر في بيوتهم، والذين يأكلون مال اليتيم ومال الفقير ومال الحرام، والذين يرتكبون الزنى ويغتصبون حقوق الناس، والذين يظلمون زوجاتهم وأبناءهم، والذين لايقيمون الصلاة في بيوتهم، هؤلاء يدمرون بيوتهم بأيديهم، وسرعان ما سيجد المرء نفسه مثل قارون، حيث لامعين ولامغيث ولا له ذكر حسن بين الناس، فالبيت الذي يُبنى على اساس ذكر الله هو الذي لاينهدم على رؤوس أصحابه.
|
|