الأمل بالله وحقيقة القدرات الدنيوية الزائفة
|
*طاهر القزويني
أين وضعت أملك؟ أ وضعته في المال أم في الدار أم في الرجال؟
إن الأمل الحقيقي هو الله العزيز الذي أحاطك بلطفه وشملك برعايته فلا ترجُ غيره ولا تأمل أحداً سواه، فقد ضاعت آمال من رجا غيره وأمّل سواه، حيث قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (ضاع من كان له مقصد غير الله)، وقال أيضاً: (من أمّل غير الله سبحانه أكذب آماله).
فلا تضيّع نفسك بآمال واهية، لأن الأمور كلها بيد الله عزوجل فهو يتصرف بالأمور كيف يشاء، ومن تصرفه انه جعل للإنسان مشيئة، فأصبح بخلاف الكائنات كلها صاحب إرادة في تغيير الأشياء والتصرف بها، فأصبح ذا مال يشتري به القصور ويتزوج النساء ويكسب الرجال، فيطغى ويتجبر، حتى يظن الظانون أنه (إله الأرض)! يرزق هذا ويسجن ذاك ويعدم آخر، فيفتتن الناس به ويقولون أنه صاحب مشيئة، وصاحب فضل إن شاء، وصاحب كرامة إن شاء، وصاحب رزق إن شاء.
فينقلب الناس وتنقلب معهم عقولهم وأخلاقهم، فتراهم يركعون ويسبحون بحمده ويشكرون نعماءه، لكنهم لايعلمون أنهم مفتونون به، فقد سلك بهم سبيل الضلالة وأبعدهم عن الطريق السوي.
الصورة التي أمام الناس هي إن كل شيء بيد الحكام والأثرياء والتجار، فهم المتحكمون بمصائر الناس من الرزق والرفعة والكرامة أو حتى السجن والقتل، فمن الذي لايطمع برزقهم وعطائهم؟ ومن الذي لايخاف سطوتهم وجبروتهم وكبريائهم؟
لكن هذه هي الصورة التي يشاهدها الناس ويتأثرون بها، ليست بصورة حقيقية، فليس رزق الناس بيد هؤلاء، ولاموتهم أو حياتهم بأيديهم، والدليل على ذلك أنهم محتاجون في حياتهم أو مماتهم أو حتى في بقاء ملكهم وثرائهم وغير ذلك، إلى قوة أخرى تمنحهم كل تلك الإمكانات والقدرات العالية.
وهم يشعرون بحاجتهم إلى تلك القوة أكثر من أي أحد، لأن الناس يظنون أن الأنهار تجري من تحتهم، ويرفلون في أرغد عيش، لكنهم لايعلمون عن كثير من النواقص وعوامل الضعف والعقد الموجودة فيهم، فهذه الحقيقة هي ليست مهمة بالنسبة إلى أولئك المتجبرين والطغاة، لأنهم يعرفون أنفسهم من ناحية الضعف والضعة، لكن لابد أن تكون معروفة وواضحة أيضاً لدى أولئك الناس الذين انخدعوا بمظاهر أولئك الطغاة.
كان بمقدور الله سبحانه وتعالى أن يزهق روح الطاغية نمرود بأية صورة من الصور التي يشاء، لكنه عزوجل أراد أن يكون موته عبرة لمن بعده، ولكي يعرف الناس ضعف هؤلاء الطغاة والمتجبرين، فأرسل إليه عزوجل حشرة من أصغر مخلوقاته، فكسرت كبرياءه وحطمت عنفوانه وأزهقت روحه.
إن الطاغية لاينتفع بهذا المثل، لأنه يعرف نفسه ويعرف ضعف قدراته، لكن مع ذلك يحاول أن يأخذ موقع الرب ويبدأ يخاطب الناس وكأنه خالقهم أو رازقهم، ويُظهر وجه القوة من ملكه ويكشف لهم عن جبروته وعظمته، لذا كان لزاماً أن يتعرف الناس على حقيقته ويكتشفوا أمره، لينكشف لهم ضعفه، حتى لاينخدعوا بأفكاره الضالة.
لقد أظهر الله سبحانه وتعالى ضعف هؤلاء الجبابرة بأحسن صورة، هذه صورة يشاهدها ويلمسها أغلب الناس، تقابلها صورة أخرى للمقربين إلى الله، وهي صورة تشتمل على معاني الابتلاء والألم والشهادة، ومن بينها قصة الإمام الحسين عليه السلام وهي قصة تقطر ألماً ودماً، فماذا كان تقدير الله بحقه؟ فقد تقطعت أوصاله بسيوف أعداء الله، وكانت كل خلية من خلايا بدنه تصرخ بالألم، وكان كل موقف من مواقف تلك الفجيعة تجرح الحسين عليه السلام، من مقتل الأصحاب وأهل بيته، الأكبر والقاسم والعباس عليهم السلام، فرغم ما تجرعه الحسين عليه السلام من الآلام؛ ماذا كان موقفه في ذلك اليوم؟
انه يقول مخاطباً رب العزة: (لو قطعتني في الحبِّ إرباً لما مال الفؤاد إلى سواكا)، وكان على الحسين أن يختار بين حب الله والقتل بهذه الصورة المفجعة، وبين أن يكون بعيداً عن الله ولا يكون له دور في الحياة! لكنه اختار الله واختار حبه على كل مغريات الدنيا والعيش الرغيد.
إذن نجد أعداء الله والجبابرة المتكبرين يتنعمون بالقصور، بينما أولياء الله والمقربين إليه تقطع أوصالهم في الصحارى والوديان!
وبعد هذا كله: أين أمَلكَ الآن؟
إن الامام الحسين عليه السلام وضع أمله بالله عزوجل، فوصل إلى هذه المرتبة العليا، وفرعون ونمرود وضعوا أملهم بالشيطان فوصلوا إلى ما وصلوا إليه.
ففي الوقت الذي كان فرعون يوطِّد حكمه، ويثبت أمره، ويبسط ملكه بدأت تظهر له المشاكل والعقبات، وبدأت المعارضة ضده تكبر شيئاً فشيئاً حتى بدأ يخاف على ملكه من هؤلاء الحفاة الذين كان في الأمس يسخر من ضعفهم وعجزهم، لكنه بدأ اليوم يشعر بقوتهم المعنوية وتأثيرهم على ملكه وظن أنه قادر على كسر شوكتهم بفضل ما يملك من قدرات هائلة، حتى دخل معهم في نزال أخير وأقحم جيشه في بحر هائج، فغرق هو ومن معه.
لذا وجدنا أن فرعون لم يهنأ بالملذات التي كان يطلبها، لأنه قضى عمره في الصراع والمشاكل والحروب، فهو حتى وإن التذّ ببعض الأيام، فأن لذته تلك لاتحسب شيئاً بحساب الزمن بالنسبة للعذاب الذي سيذوقه في عالم الآخرة، ويصدق هذا الأمر على ما يقابله من عذاب الدنيا، فآلام الدنيا هي أيضاً لاتقاس بآلام الآخرة.
وليس الشوق هو شوق للجنة وانما هو شوق للقاء الله، ففي الأحاديث أن الله عزوجل أوحى الى داود: (يا داود إلى كم تذكر الجنة، ولا تسألني الشوق إليّ؟! قال: يارب من المشتاقون إليك؟ قال: إن المشتاقين إليّ الذين صفيتهم من كل كدر، وأنبهتهم بالحذر وخرقت من قلوبهم إليّ خرقاً ينظرون إليّ) (المحجة البيضاء/ ج8، ص59).
فهؤلاء الأفراد وصلوا إلى الله من أقرب الطرق إليه، وهو الطريق الذي يفتحه عزوجل لخاصة أوليائه، فينظرون إلى عزته وجلاله وأعمالهم ليست كأعمالنا، كما ان عبادتهم ليست كعبادتنا، فهم يرون الله عند كل عمل يقومون به، لذا فأن جميع أعمالهم مُتقبلة، بينما نحن ساهون عن الله وعن ذكره حتى في عبادتنا وصلاتنا، فلا نشعر بتلك اللذة التي يشعرون بها، ولا نلمس حقيقة ذلك العمل الذي نؤديه وجوهره؛ فثمة فرق بين من يأتي إلى الصلاة حباً وشوقاً إلى لقاء الله وبين من يأتي إلى الصلاة لأداء الواجب والخوف من عقاب نار الجحيم، فالأول بلا شك يمتلك شعوراً مختلفاً عن شعور الثاني، فالأول عندما يدخل إلى الصلاة يحس وكأنه في محضر رب العزة والجلالة، لذا فأن صورته وطريقة تفكيره ستكون مختلفة عن الآخر الساهي عن وجود الله عزوجل.
والأحاديث القدسية تذكر خصيصة مهمة لهؤلاء الأفراد وهي شغلوا أنفسهم بالله وفرغوا قلوبهم عما سواه، فلا الدنيا ولا أهلها ولا ملذاتها شغلتهم عن الله، لأنهم أوقفوا نفوسهم في طريق محبته فأكفتهم عن ملاحقة الشهوات والأهواء، وارتووا من عذب هذا الفرات، حتى وجدوا أنه لا شيء يرويهم غير محبته، وجاء إن الله عزوجل أوحى إلى نبيه داود: (يا داود إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني، ونعمتها بنور وجهي، فقال داود: يا رب بم نالوا منك هذا؟ قال: بحسن الظن، والكف عن الدنيا وأهلها، والخلوات بي ومناجاتهم لي، وإنّ هذا منزل لايناله إلاّ من رفض الدنيا وأهلها، ولم يشتغل بشيء من ذكرها وفرّغ قلبه لي واختارني على جميع خلقي، فعند ذلك أعطف عليه فأفرّغ نفسه له، وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه حتى ينظر إليّ نظر الناظر بعينه إلى الشيء..) (المحجة البيضاء/ ج8، ص59).
وما من إنسان في هذا الكون إن كان مؤمناً أو فاسقاً إلا ويتنعم برحمة الله، حتى وإن كان في مرض أو ضيق أو مشكلة، فإن ذلك مما ينفعه إما في عالم الدنيا أو الآخرة وفق حسابات وموازين دقيقة عند الله عزوجل، وسيأتي اليوم الذي سيعرف فيه العالم جميعاً من مؤمنين وكافرين، إن الله عزوجل كان راحمهم في كل لحظة من لحظات أعمارهم، وانه عزوجل ما قدّر عليهم بشيء من الأذى والصعوبة إلا كان ذلك مصلحة لهم، وتخفيفاً لهم من عذابات شديدة ستُمحى عنهم بسبب إبتلاءات الدنيا.
وقال رب العزة لداود: (يا داود لو علم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقاً إليّ وتقطعت أوصالهم من محبتي)! (المحجة البيضاء، ج8، ص62.)
|
|