ربيع الانتظار
|
*كريم الموسوي
عندما يطوي الشتاء غيومه وبرودته؛ فاسحاً المجال للربيع، تدخل الطبيعة فصلاً جديداً يتّسم باليقظة من نوم الشتاء، حيث تنتشر الطيور والعصافير، وتتفتح الازهار وتورق الاشجار وتخضر الروابي والمراعي، وتنساب الروافد بالمياه، فتعمّ الجميع الفرحة والسرور.
وتتناغى الروح مع ابتسامة الربيع ومناظره الخلابة حين تحيا الأرض بعد موتها، وترى آثار الحياة تدّب في الأرض، فتتآلف الناس فيما بينها وتزداد إنسجاماً، لكن بعد مرور فترة من الزمن ينقضي هذا الفصل ويذهب معه كل ذلك الابتهاج، وتزول من القلوب تلك المشاعر الجميلة، كما يغيب عن الأعين ذلك الجمال الخلاب، لذا يتبادر إلى الأذهان سؤالٌ: هل يمكن أن نحظى بربيع دائم وأن تكون كل فصول العام ربيعاً وكل لحظاتنا فرحاً وسروراً دون أن تتساقط الأوراق؟ الأجابة: نعم.
فمن الممكن أن تصبح الفصول كلها بل الزمن كله ربيعاً، وأن تكون لحظاتنا لحظات ربيع نتنعم فيها وتزداد فرحاً وسروراً دائماً لا انقطاع فيه وفرحاً حقيقياً بعيداً عن الخيال والاوهام، وهذا يتحقق عندما يأذن الله لوليه الإمام المنتظر(ع) بالظهور حيث أنه وعدٌ غير مكذوب ويحقق به الله عدله بعد القضاء على كل ما هو زيغ وباطل، فيحلّ ربيع الأيام ويسود العالم الجمال والنظارة، وتصبح الارض عامرةً فيقول الرسول(ص): (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الارض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً).
ويقول(ص): (يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتّبعوه)، وبظهوره يكون الربيع ربيعاً حقيقياً دائماً، فيعم الخير والبركة كل العالم بل حتى ان ذلك يسع السموات والأرضين.
وبظهوره تحيا الأرض الحياة الحقيقية وتعطي ثمارها كل حين بأذن ربها، وجاء في الحديث الشريف: (وتخرج الأرض ثمارها وتتزين لأهل الأرض، ويقول الإمام علي بن موسى الرضا(ع): (هو غيم ماطرة...)، بل وهو عين تتدفق ماءً عذباً تسقي العطاشا وتروي الضمآن فكما أن الربيع يجلب معه الخير والبركة، فان ربيع أهل البيت يكون بظهور القائم عجل الله فرجه، حيث تخرج الأرض كنوزها وتقدم للعالم بركاتها.
وكما نقرأ في المأثور: (أن الله يهب لأهل هذه الأرض رجلاً منّي وأنا منه، بمنّه يجعل البركة في السماء والأرض وترسل السماء أمطارها وتعطي الأرض بذورها وتظهر بركاتها)، ويصبح الناس أغنياء فلايكون هناك فقر وعوز ولا حرمان. وفي بعض الاحاديث: (تخرج الأرض من أكبادها قطع الذهب والفضة).
وتصبح الصحارى والأراضي الميّتة، حيّة والأشجار العقيمة مثمرة، فلا جفاف ولاشحة في الغذاء فترتدي الارض رداءً أخضر وهي تصبح ببركة الإمام المنتظر خضرة مثمرة فترسل السماء بركاتها وتخرج الارض كنوزها.
كل ذلك الفرح والسرور لايقتصر على أهل الأرض، لأن ربيع الظهور سينشر البهجة أهل الارض والسماء، وحتى الحيتان في البحار والطيور في السماء؛ ويقول الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام: (يخرج رجلٌ من أبنائي تتيسر للناس أمورهم وحتى أن الأموات تتزاور فيما بينها ويبشرون بالظهور أحدهم الآخر).
ففي ربيع الطبيعة ترى البعض فرحاً جداً فيما ترى الآخر مغموماً حزيناً، فأصحاب المآتم والمصائب والمحن، لايتمتعون بالربيع بل لايشعرون به أساساً، ولاترى الابتسامة على شفاههم، بينما ربيع الظهور ينشر ظلاله الوارفة على الجميع دون استثناء، لانك لا ترى حينئذٍ أثراً للمرض والمحن لدى الناس.
فهو عجل الله فرجه سيملأ الارض قسطاً وعدلاً ويذيق اعداء الله هواناً وعقاباً، ويقاتل العتاة وجحدة الحق ويقطع دابر المتكبرين ويجتث أصول الظالمين، فالذي يدركه يبرأ إذا كان معتلاً أو مريضاً، ويقوى إن كان ضعيفاً ويبصر إذا كان ضريراً، وتكون الأمم متآلفة فيما بينها وبعيدة عن البغضاء والكراهيّة.
من هنا علينا ان ندعو الناس إلى الإصلاح، ليكونوا مهيئين لاستقبال الربيع الدائم، وليس ربيع الطبيعة المؤقت الذي لايتطلب استقباله كثيراً، ونطلب من الله تعالى أن يعجل ذلك بظهور حجته.
اللهم أرني الطلعة الرشيدة والغرّة الحميدة واكحل ناظري بنظرةٍ منّي إليه وعجل فرجه وسهل مخرجه وأوسع منهجه واسلك بي محجّته وانفذ أمره واشدد ازره واعمر اللهم به بلادك وأحي عبادك..
|
|