قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
الخامس والعشرون من ذي القعدة ذكرى مولده.....
محمد بن ابي بكر ربيب الإمامة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة عندما تتدخل الاقدار بنقل ذلك البرعم الطاهر وهو غضّ يانع الى تلك الارض الطاهرة التي تغذيه من عقيدتها وتسقيه من نورها فيتصلب عوده وتترسخ جذوره فانه يكون منها وإن جاء من ارض غير ارضها فالاحاسيس هي التي تولد انطباعاً لدى الانسان بأنه ينتمي الى من يحمل نفس هذه الاحاسيس.
فقطرات الندى عندما تسقط على الأزهار فان صورتها تصبح أكثر توهجاً، وكما يتجسد عمق هذا المعنى بقول أمير المؤمنين عليه السلام (رب أخ لك لم تلده لك امك)، يمكن ان يقال عن علاقة الامام علي عليه السلام بمحمد بن ابي بكر (رض) (رب ابن لك لم تلده).
ولد محمد بن ابي بكر بن ابي قحافة في العام العاشر للهجرة النبوية الشريفة في حجة الوداع بذي الحليفة حين توجه رسول الله (ص) الى الحج، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية (رض) وهي اخت ميمونة زوجة النبي (ص) واخت لبابة ام الفضل وعبد الله وزوجة العباس بن عبد المطلب وهي من المهاجرات الى ارض الحبشة مع زوجها الاول جعفر بن ابي طالب (ع) وقد ولدت له هناك – في الحبشة – محمداً وعبد الله وعوناً ثم هاجرت معه – أي جعفر – الى المدينة ولما استشهد جعفر في معركة مؤتة تزوجها ابو بكر فولدت له محمداً ثم مات عنها فتزوجها علي بن ابي طالب فولدت له يحيى بن علي باجماع المؤرخين سوى ابن عبد البر في الاستيعاب فانه قال: (ان عون بن علي اسم امه اسماء بنت عميس) ولم يقل أحد ذلك غيره.
نشأ محمد في بيت الامام علي عليه السلام وترعرع في حجره فتغذى بعلومه وتخلق بأخلاقه وعندما شب بدأت رحلته معه وكانت رحلة طويلة وشاقة، رحلة جهاد وكفاح وقف فيها محمد مع أمير المؤمنين في صراعه مع الباطل وشهدت له سوح الوغى بمواقف بطولية رائعة فكان كالجبل الاشم لا تهزه الاعاصير عند اشتباك الحرب وتلاحم السيوف والرماح متسلحاً بعقيدته في الدفاع عن الحق بيده ولسانه، فكان أحد المحامدة الذين قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام (ان المحامدة تابى ان يعصى الله) و8هم محمد بن جعفر ومحمد بن ابي بكر ومحمد بن ابي حذيفة ومحمد بن الحنفية.
عرف محمد بصلابة عقيدته ورسوخ ايمانه فلم بفارق الحق منذ اتبعه وظل ملازما للامام حتى استشهاده في مصر على يد عمرو بن العاص وكان امير المؤمنين عليه السلام يعرف منه هذا الاخلاص والطاعة فولاه مصر، ولا يخفى ما لمصر من الاهمية في تلك الفترة وما يجب على من يتولاها من مسؤولية، فكان محمد كفؤا لهذه المسؤولية ويتضح ذلك من كتاب امير المؤمنين عليه السلام له حين ولاه مصر فبعد ان ذكر جملة من المواعظ والحكم والتعاليم في كيفية إدارة هذا المصر قال عليه السلام (واعلم يامحمد بن ابي بكر اني قد وليتك أعظم ادنادي الى نفسي، أهل مصر)، فكان محمد ينظر في هذا الكتاب ويتأدب بأدبه فسار بسيرة صالحة ولكن لحكمة فيها مصلحة الاسلام رأى امير المؤمنين (ع) ان يتولى مصر مالك الاشتر (رض) لأن معاوية قد تجرد بعد واقعة الحكمين للاغارة على أطراف البلاد التي هي تحت سيطرة امير المؤمنين عليه السلام وكان قد جعل مصر – طعمة – لعمرو بن العاص، ان غلب على الامر فكان جل هم عمرو الاستيلاء على مصر فبلغ ذلك امير المؤمنين عليه السلام، وكان محمد واليا عليها من قبله فأراد عليه السلام ان يوليها – مصر – الاشتر لأنه أسن من محمد واكثر خبرة في إدارة امور الحرب، ولم يكن هناك تقصير من جانب محمد كما جاء في كتاب الامام لمحمد لما بلغه توجده وانزعاه من عزله وكتب الى امير المؤمنين بذلك فاجابه الامام بهذا الكتاب (أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر الى عملك واني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد، ولا ازدياداً لك في الجد، ولو نزعت ماتحت يدك من سلطانك لوليتك ماهو أيسر عليك مؤونة واعجب اليك ولاية...) الى آخر الكتاب؛ فأمير المؤمنين يؤذن بجدارته للولاية واسترضائه وتعريفه وجه عذره في تولية الاشتر لعمله وان ذلك لم يكن لموجده عليه ولا تقصير منه.
عرف محمد بعبادته وكثرة اجتهاده حتى عدّ من نساك قريش كما عرف بسعة علمه فهو خريج مدرسة الامام علي ولم يكن يعرف له أباً سواه ولا يعتقد فضيلة لغيره حتى قال فيه عليه السلام (محمد ابني ولكن من صلب ابي بكر)، وهناك كثير من المواقف المشرفة شهدت لمحمد تمسكه بأمير المؤمنين ومدى اخلاصه وطاعته له واعترافه بفضله لأنه وجده عليه السلام الصراط المستقيم الذي من تبعه فقد استمسك بالعروة الوثقى ومن زاغ عنه فهو من الهالكين؛ من هذه المواقف كتابه الى معاوية نقتبس منه هذه الباقة (اما بعد فان الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته، خلق خلقاً بلا عبث ولا ضعف في قوته، لا حاجة به الى خلقهم، ولكنه خلقهم عبيداً، وجعل منهم شقياً وسعيداً، وغوياً ورشيداً، ثم اختارهم على علمه، فاصطفى وانتخب منهم محمداً (ص) فاختصه برسالته، واختاره لوحيه، وائتمنه على امره، وبعثه رسولا مصدقاً لما بين يديه من الكتب، ودليلاً على الشرائع فدعا الى سبيل امره بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان اول من أجاب وأناب، وصدّق ووافق فأسلم وسلّم اخوه وابن عمه علي بن ابي طالب عليه السلام فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم ووقاه كل هول، وواساه بنفسه في كل خوف فحارب حربه وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الازل ومقامات الروع حتى برز سابقاً لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تساميه وأنت أنت، وهو هو السابق المبرّز في كل خير، أول الناس اسلاما، واصدق الناس نية، واطيب الناس ذرية، وافضل الناس زوجة وخير الناس ابن عم).
ثم بعد ان يذكر جملة من مخازي معاوية وأبيه وبني امية وعدائهم للإسلام ومحاربتهم لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (... فكيف – يا لك الويل – تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وأبو ولده واول الناس له اتباعاً وآخرهم به عهداً، يخبره بسرّه، ويشركه في امره، وانت عدوه وابن عدوه.....) الى آخر الرسالة.
هذه الكلمات لا تحتاج الى شرح أو تعليق فأنها تسفر عن نور في داخل هذا الرجل وتنطق عن ضمير حي وتشرق عن سجية كريمة وصبغة شريفة ومعدن أصيل، اجل ذلك هو ابو القاسم محمد بن أبي بكر ربيب بيت الرسالة ومعدن الامامة ومهبط الوحي، لقد شاءت الارادة الالهية ان تشرفه في الدنيا والآخرة وترفع قدره بفخر لا بعده فخر بأن يكون له سبباً ونسباً بالائمة الاطهار فهو والد القاسم جد الامام جعفر الصادق لأمه أم فروة وفي ذلك يقول الامام الصادق عليه السلام (لقد ولدني ابو بكر مرتين) كما شرفه الله عز وجل باستشهاده في طاعة سيده امير المؤمنين وسجل في حقه التاريخ كلمات من فم سيد الوصيين فكانت سجلاً مشرقاً وضاء على جبين الدهر، لقد أوجز الامام علي عليه السلام في حقه كلمات دلت على مزاياه الشريفة وجمعت خصائصه الكريمة فقال في حقه (أما بعد، فإن مصر قد أفتتحت، ومحمد بن ابي بكر رحمه الله قد استشهد، فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً، وعاملاً كادحاً، وسيفاً قاطعاً، وركناً دافعاً...)