في ذكرى استشهاده
الإمام الجواد عليه السلام.. العلم والجهاد في عزّ الشباب
|
نبذة
ولد الإمام محمد بن علي الجواد في مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة الجمعة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة 195هـ، أما أمه فهي سبيكة من أهل بيت ماريا القبطية زوجة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وكنيته: أبو جعفر، ويقال: أبو جعفر الثاني تمييزاً له عن الإمام الباقر عليه السلام، وكان من أبرز القابه: الجواد والتقي والنجيب.
تزوج الإمام من جارية اشتراها بستين ديناراً وضمّها الى البيت العلوي لتنهل من العلوم والآداب الاسلامية، وجاء في الروايات أن الامام أوصى أحد اصحابه بشراء الجارية من قافلة لنخّاس قادمة الى المدينة، وقد حدد له مواصفاتها، فكانت كما قال الامام عليه السلام، وهذه الجارية هي التي أولدت له الامام علي الهادي عليه السلام وموسى المعروف بـ(المبرقع) والمدفون في مدينة قم المقدسة، وحكيمة التي عاصرت أربعة أئمة معصومين: الى جانب والدها الجواد، عاصرت أخيها الهادي وابن أخيها الحسن العسكري ثم ابنه الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه، وقصتها معروفة في يوم ولادة الامام المنتظر، ولمنزلتها وكرامتها فانها ترقد الى جوار الامامين العسكريين.
ويقال إن له بنتان أيضاً هما: فاطمة وأمامة.
كما تزوج الامام الجواد عليه السلام من إبنة المأمون العباسي بترغيب منه، وقد لقّبها البعض بـ(أم الفضل) وهو قول لايستند على مصدر موثوق، في حين أكد ابن شهر آشوب في (المناقب) ان امه معروفة بـ(أم الفضل)، كما جاء في (تراجم أعلام النساء) للشيخ محمد حسين الاعلمي: ان أم الامام الهادي سمانة المغربية، وهي أم ولد والمعروفة بـ(أم الفضل)، هذا الى جانب مصادر أخرى كثيرة.
تولّى الإمامة وهو ابن تسع سنين بعد استشهاد أبيه الرضا في خراسان بأمر المأمون، ويروى ان عمّ أبيه علي بن جعفر وكان من خيرة المقربين الى الأئمة المعصومين وهو ابن الامام الصادق، وكان حاضراً في ملجس الامام الرضا وكان الجواد عليه السلام حاضراً أيضاً، فاراد بعض المغرضين تحريض بن جعفر وتذكيره بانه قد الثامنة والتسعين من العمر، وعليه أن يطيع (الغلام) ويقصدون الامام الجواد، فكان جوابه رداً قاطعاً ومفحماً حيث قال: اذا لم يكن الله تعالى مكرماً هذه اللحيّة وأكرم هذا الغلام، فهل لي الاعتراض؟!
أما مدة إمامته عليه السلام فكانت ستة عش سنة.
الهجرة
للإمام الجواد عليه السلام هجرتان من المدينة المنورة إلى بغداد، عاصمة الدولة العباسية، وهم في سنّ الشباب، كانت الهجرة الأولى بعدما استشهد الإمام الرضا عليه السلام بسمّ المأمون في طوس، ويذكر المؤرخون ان المأمون دخل بغداد سنة 204هـ فواجه أصابع الرأي العام تتهمه بانه احتال على الامام الرضا عليه السلام بان استقدمه من المدينة الى خراسان ثم قتله بالسمّ، فاستشار حاشيته لتفادي افرازات جريمته النكراء، فأشاروا عليه بطلب ابن الرضا محمد بن عليّ من المدينة إلى بغداد، فكتب المأمون إليه وأشخصه إلى بغداد.
وكما عُرف عن المأمون العباسي واقعيته وذكائه في التعامل مع المحيطين به وتجنب مصادر الخطر التي تهدد سلطانه، فقد اتخذ خطوة أخرى ابعد من تلك التي اتخذها مع الامام الرضا عليه السلام، ليقنع الشيعة بانه ليس عدواً لهم، فزوج ابنته من الامام الجواد عليه السلام، وعن ذلك يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد): (وكان المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنّه وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان فزوّجه ابنته وحملها معه إلى المدينة وكان متوفّراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره).
أما هجرته الثانية إلى بغداد فكانت بعد وفاة المأمون ووصول المعتصم – أخيه- الى سدة الحكم، وبعد أخذ البيعة من المسلمين توجه الى بغداد، وأخذ يتتبّع أحوال الإمام محمد بن علي الجواد حتى كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيّات أن ينفذه إليه مع زوجته أمّ الفضل بنت المأمون، فأرسل ابن الزيّات علي بن يقطين إليه فتجهّز من المدينة إلى بغداد ووردها ليلة الثامن والعشرين من المحرّم، سنة عشرين ومائتين، ولم يقم بها سوى عشرة أشهر، حتى سمّه المعتصم في آخر ذي القعدة في نفس السنة.
التحدي
إطمئن الشيعة على وجود إمامهم التاسع من أئمة الهدى، وهو ابن تسع سنوات، حيث إجتمع في دار الامام الصادق عليه السلام في المدينة عدد من وجوه وأعيان الشيعة وطرحوا عدد كبير من الاسئلة، أختلف المؤرخون في عدده، وذهب البعض منهم الى انه عدّ بالآف في جلسة واحدة، وأجاب عليها الامام الجواد عليه السلام بما يبعث في النفوس الفخر والاعتزاز والسكينة.
وبعد هذا التطور المهم على الساحة السياسية، بلغ الأمر العباسيين الذين ما انفكوا يراقبون المسيرة الرسالية وتحديداً تعاقب الأئمة الاطهار المعصومين ودورهم الاجتماعي، وبالرغم من أن المأمون العباسي أبرز الوجه المسالم أمام الشيعة، إلا ان فمشكلة الولاء للسلطة الحاكمة وما هو معروف عند الشيعة عقائدياً بـ(الإمامة)، ظلت الشغل الشاغل بل هي قاتلة الدولة العباسية وكل الدول التي تعاقبت من بعدها.
من هنا عكف المأمون وكان في أواخر أيامه على متابعة أمر الأمامة من بعد الرضا عليه السلام، ولما علِم بأمر الامام الجواد واجتماع الشيعة حوله، قرر استقدامه من المدينة، مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، الى بغداد، ويذكر المؤرخون أنه أرسل إلى محمد بن عبد الملك الزيات يوصيه بحمل الامام أبي جعفر من المدينة إلى بغداد على أحسن محمل، وأن لا يُعجّل بهم السير، ويريحهم في المنازل. فيكلف ابن الزيات الحسن بن علي بن يقطين؛ لمنزلته ومنزلة أبيه من الأئمة عليهم السلام، بأن يرافق أبا جعفر وأهله وعياله في سفرهم.
ومما يظهر من هذه الرواية ان الامام كان متزوجاً من سمانة المغربية (أم الفضل) التي أشرنا اليها في بداية المقال، وقبل أن يعرض عليه المأمون الزواج من ابنته المدللة – كما يصفها المؤرخون- واسمها زينب.
وذكرت مصادر موثوقة ومؤكدة هذه الرواية حيث نقلها ابن شهر آشوب والصباغ المالكي والمحدث الشيخ عباس القمي، أن المأمون خرج في أيام قدوم الامام عليه السلام الى نزهة للصيد، فاجتاز بطريق يعلم أنه أحد منازل الوافدين من المدينة المنورة، حيث كان يفضل اللقاء بالامام بعيداً عن المراسيم الرسمية لاسباب مختلفة أهمها التقليل من شأن الامام وعدم إثارة العباسيين الناقمين عليه أساساً، ففي احدى البلدات حيث نزل الامام عليه السلام وكان فتى صغيراً، مر المأمون ومعه حاشيته والمرافقين وهم بالعشرات، فثارت غبرة في طريق كان يلعب فيه عدد من الصبيان وكان الامام قريباً منهم، لكن لم يكن شريكهم في اللعب واللهو، إذ معروف عن الأئمة بعدهم عن اللهو واللعب... فلما وصل المأمون بجانب الامام هرب جميع الصبيان سواه، وهو لم يكن يعرفه، فسأله: مالك ما هربت في جملة الصبيان؟ فقال عليه السلام: (مالي ذنب فأفرّ، ولا الطريق ضيّق فأوسعه عليك، تمرّ من حيث شئت، فقال: من تكون؟ قال: أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فقال: ما تعرف من العلوم؟ قال: سلني عن أخبار السموات. فودّعه ومضى، وعلى يده باز أشهب يطلب به الصيد. فلما بعُد عنه نهض عن يده الباز فنظر يمينه وشماله لم ير صيداً، والباز يثب عن يده، فأرسله وطار يطلب الأفق حتى غاب عن ناظره ساعة ثم عاد إليه وقد صاد حية، فوضع الحية في بيت الطعم، وقال لأصحابه: قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم على يدي، ثم عاد وابن الرضا في جملة الصبيان، ظناً منه أنه يمتحن الامام عليه السلام بسمألة يعجزه بها.
فقال: ما عندك من أخبار السموات؟ فقال: حدثني أبي عن آبائه عن النبي عن جبرائيل عن ربِّ العالمين، أنّه قال: بين السماء والهواء بحر عجاج يتلاطم به الأمواج، فيه حيّات خضر البطون، رقط الظهور، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن بها العلماء!
العلم
ساهم الإمام الجواد عليه السلام طيلة مدة إمامته التي دامت نحو سبعة عشر عاماً في إغناء هذه المدرسة العلمية وحفظ تراثها، والتي امتازت في تلك المرحلة بالاعتماد على النصّ والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى الفهم والاستنباط من الكتاب والسنة، استنباطاً مُلتزِماً دقيقاً، يكشفُ حقيقةَ المحتوى العلمي لهذين المصدرين، ويعبِّر عن الحكم الواقعي فيهما، بالإضافة إلى اهتمامها بالعلوم والمعارف العقلية، التي ساهم الأئمة الهاة من قبله، وتلامذتهم في إنمائها، وإغنائها، وتوسيع مداراتها، حتى غدت صرحاً شامخاً، وحصناً منيعاً للفكر الإسلامي وللشريعة الإسلامية.
وهنا يؤكد الامام الجواد عليه السلام في عهده على الريادة العلمية لدى أهل البيت عليهم السلام، في وقت كانت العلوم والمعارف ضالة البشرية آنذاك، فقد فسح الامام المجال أمام دور العقل والمنطق في الاستنتاج، فتمخض المدارس العلمية لأهل البيت عن خيرة العلماء والباحثين الذين أغنوا الحضارة الاسلامية، وتحولت بهم الى منارة للعالم أجمع، فاذا كان الغربيون اليوم يتحدثون عن أسس العلم والمعرفة المنطلقة من الشرق، وقبل عهد التراجع والهزائم، فانها تعود بالفضل الى عهد الائمة الاطهار والهداة.
ولنا أن نذكر عدة أساليب اتبعها الأئمة المعصومين في إنشاء مدرستهم العلمية – الحضارية:
الأسلوب الأول: التدريس وتعليم التلامذة والعلماء، القادرين على استيعاب علوم الشريعة ومعارفها، وحثهم على الكتابة والتدوين، وحفظ ما يصدر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، أو أمرهم بالتأليف والتصنيف ونشر ما يحفظون لبيان علم الشريعة، وتعليم المسلمين وتفقيههم، أو للرد على الأفكار المنحرفة، والفهم الخاطئ الذي وقع فيه الكثيرون.
وقد مارس الإمام الجواد عليه السلام هذا الدور، كما ممارسه آباؤه. ويذكر علماء الرجال والحديث عدداً من أصحاب الإمام الجواد (عليه السلام) الذين تربّوا على يده، وأخذوا عنه، أو عن آبائه، العلوم والمعارف الإسلامية، فصاروا حلقة وصل بين الأمة والإمام، فقد عدّ الشيخ الطوسي في كتابه الرجالي أصحاب الإمام الجواد عليه السلام ورواته الذين تلقوا عنه ورَوَوْا وتتلمذوا عليه نحو مائة من الرواة الثقاة، منهم امرأتان.
الأسلوب الثاني: نشر العلم والمعرفة، وتوسيع دائرة الدعوة إلى الإسلام، والتعريف بالفكر الإسلامي، وتثبيت أركان العقيدة والشريعة على ضوء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وما أثر وروي وأخذ عنهم.
فقد اعتمد الأئمّة أسلوب تعيين الوكلاء، ونشرهم في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، ليكونوا دعاة إلى الإسلام والعمل به، وتبليغ أحكامه. وكثيراً ما كانوا يمارسون مسؤولياتهم العلمية والسياسية والاجتماعية بشكل سرّي نظراً لرقابة السلطات الحاكمة، وكثيرون هم تلامذة الإمام الجواد عليه السلام وأصحابه الذين تربّوا في مدرسته، وأخذوا عنه. كما امتدت حياة بعضهم فحظي بصحبة آبائه وصحبة ولده وحفيده.
الأسلوب الثالث: المناظرة والحوار العلمي، فقد حفظت لنا كتب الحديث والرواية أنماطاً غنيّة من الاحتجاج والمناظرة والحوار في شتى صنوف العلم والمعرفة، والدفاع عن الإسلام، وتثبيت أركانه في مجال العقائد والفقه والتفسير والرواية وغيرها، فقد وقف الأئمة المعصومون عليهم السلام وأصحابهم بوجه الإلحاد والزندقة، وأصحاب الديانات المحرّفة والأفكار الضالة والفلسفات والنظريات الغريبة على روح الإسلام، ولذلك بالحجة الدامغة والمنطق السليم.
|
|