الحياء؛ مشروع حياة
|
*مصطفى عبد الخالق
(الحياء) من جملة الفضائل الأخلاقية الجليلة التي يفترض بالإنسان المؤمن أن يتحلى بها، لأنها تتجلى أمامه لدى ممارساته وأعماله المختلفة، فهو يصلّي لله تعالى؛ حياءً منه تعالى، ويحبّ المؤمنين حياءً منهم، ولئلا يقع في محذور بغضهم أو الإساءة إليهم. وهو يهذب نفسه حياءً من السقوط في حضيض الذنوب والخطايا، وهكذا يلتزم الإنسان المؤمن فضيلة الحياء والقلب الطاهر السليم في خطواته ولحظات يومه؛ فالحياء من علامات الإيمان وسلامة القلب. وحيث يزداد معدل الحياء، تتناقص نسبة ارتكاب الذنب.
والحياء من الله تعالى، بمعنى حيث يستحي المخلوق من خالقه، في معرض القول والفعل، لعلمه المسبق بأن ربه قد لايرضى بهذا القول أو ذاك، وهذا الفعل أو ذاك، كما ان المؤمن يستحي من النبي والإمام ـ صلوات الله عليهما ـ، حذراً من السقوط في مخاطر سخطهما،لاسيما وأن هذا المؤمن طالما يُعلن لهما أنه يحبهما ويطمع في اكتساب مرضاتهما.
ولهذا وغيره، فقد ورد: أن من لاحياء له؛ لا إيمان له، لأن الحياء حقيقة مهمة من حقائق الورع والتقوى؛ التي تمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي والأخطاء، وكلما ازدادت معرفة الانسان بالله تعالى، وتأكّد له مراقبته له ولما يصدر عنه من الأقوال والأفعال، بل ومراقبته واطلاعه على ما ينوي ويفكّر ويطّلع، كلما تعاظمت حصانته من ارتكاب المعاصي، وتكرس الحياء في نفسه، حيث يزداد حياؤه، ويشتد خوفه من العقوبة.
ولنا في رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أسوة حسنة، إذ تذكر الأحاديث بأنه كان أشدّ الناس حياءً، بل إن أحد الأصحاب وصفه بالقول: كان حياء رسول الله أشد من حياء الشابّة المخدّرة، وكان إذا انزعج من شيء، أو من تصرف أحد من الناس، ظهر أنزعاجه على وجهه، حتى يحمّر، لحيائه منه، حين الإساءة إلى شخصه الكريم، إذ يمتلئ حياءً من رد الإساءة الشخصية.
أنواع الحياء
قبل تحديد أنواع الحياء وأشكاله، لابد لنا من الإشارة إلى أن نقيض الحياء هو الصلافة والغلظة ؛ فمن يوغل في المعاصي، وفي الإساءة للناس وكيل الظلم لهم، إنما لصلافته وتجبره وتكبّره على الله وعلى الآخرين، فلا يعير أهميةً إلا لما يحقق له المكاسب الشخصية والمادية، حتى مع علمه بأن هذه المكاسب لها طرق ووسائل مشروعة، ولكن صلافته تمنعه من التنازل للحق والرضوخ للخير ومصاديقه.
بلى... ثمة حياء من الله ـ عز اسمه ـ، يمنع الإنسان من ارتكاب المعصية بعد علمه بإحاطة الله تعالى به من كل جانب وبأعماله، لذا هو يخافه ويرجو فضله وكرمه بالسر كما يخالفه ويرجوه في العلن، وهذه الحقيقة تعني أن فضيلة الحياء من الله تعالى تؤتي أكلها حين تجنب الإنسان رذيلة الازدواجية ومرضها الذي من طبيعته عرقلة حياته وكبت حريته في اتخاذ القرارات المناسبة التي يفترض بها التطور والتقدم به.
وهناك الحياء من الناس، ونقصد به ما يمنعه دون أذاهم والإساءة إليهم، بمعنى أن من شأن الحياء ملء قلب الإنسان بالعواطف النبيلة والرحمة والودّ لهم، والحياء في هذا المجال يتفاوت مع ضعف الشخصية الذي يمنع الإنسان من المطالبة ونيل حقوقه المشروعة، حتى لقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه قال: (من لم يستح من الناس، لم يستح من الله).
ويبقى نوع آخر من الحياء، وهو حياء الإنسان من نفسه، حيث يكرّس في ذاته صفة العفة التي تميزه عن المنافق، وفي هذا قال أميرالمؤمنين (عليه السلام): (حياء الإنسان من نفسه نتيجة الإيمان) وقال (عليه السلام) ايضاً: (أفضل الحياء؛ الحياء من النفس)، فمن يستحي من الله ومن الناس ومن نفسه، فإنه يزيح عن عقله وعاطفته حالة خطيرة، وهي حالة التناقض، ومن ثم، فإنه يتخلص من مرض خطير للغاية، وأعني به مرض الصراع الداخلي والعقد الروحية، فيكون إيمانه إيماناً راسخاً.
وقد ورد في الحديث القدسي عن الله سبحانه وتعالى: (عبدي! إذا استحيت منّي، جعلت الناس والأرض ينسون ذنوبك، وأمحو سيئاتك من كتابك، ولا أحاسبك في يوم القيامة).
وهذه المثوبة العظمى التي وعد الله الإنسان إنما هي ثمرة تخلصه من كثير من الأخطاء والموبقات، ونيله كل فضيلة وخير.
ولننظر إلى الشخص الحييّ، ونقرن بينه وبين الشخص الصلف والقاسي، نتأكد بأن الأول شخص محبوب بين الناس، حيث نال رضا القريب والبعيد، بينما الثاني: كائن منبوذ مذموم يتحاشى الناس ردود أفعاله السيئة، لأنه لايعوقه عائق عن الإساءة لهم، وليس له دون المساوئ وازع من ضمير.
حياءٌ مرفوض
يبقى العديد من الأفراد قابعين في قوقعة من التردّد والاستسلام للواقع الذي يصادف أن يكون واقعاً مروعاً، وذلك تحت مسميات الحياء السلبي المرفوض من الناحية الدينية والأخلاقية، ومن ذلك؛ ما ورد عن المعصوم (عليه السلام) أنه: (لاحياء في الدين) أي في تعلّم أحكام الدين، كما أنه على كل مسلم ومسلمة أن يتحلّيا بصفة الشجاعة وأن ينفضا عن كاهليهما داء العناد والتكبر، فيقولان الحق ولو على نفسيهما، فلا يختلط عليهما الأمر تحت طائلة الحياء والخجل، إذ الإنسان لن يرى للتطور والخير نوراً مادام يخجل من قول الحق، ثم إن الإسلام وهو دين الحياة والتطور لايريد لأتباعه ومريديه أن يستحوا في طلب الرزق والمعيشة، ماداموا لايرتكبون حراماً ولايعتدون على غيرهم.
وكما أن الرياء أمر شيطاني مذموم، فإن الحياء المانع دون القيام بالعمل الصالح، مذموم ايضاً، بمعنى أن المطلوب من الفرد المؤمن أن يتحلّى بقوة الشخصية، لأن (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)، فلا يخور ويحجم عن ممارسة النشاط والعمل الإيجابي حذراً من احتمال اتهام الآخرين إياه بالرياء وطلب السمعة. وقال الإمام المعصوم (عليه السلام) في ذلك: (لاتعمل العمل رياءً ولاتدعه حياءً).
وهذا التوجه الإيماني في حقيقة الأمر، هو نوع تربيةٍ صالحة يفضي إلى تشخيص الإنسان خارطة سلوكه في الحياة، ليكون في مأمنٍ من التناقض الذاتي والتعرض للصراع الاجتماعي، في حين أن التقيد بصفة الحياء، التي هي في الحقيقة تعتقه وتطلق سراحه من كثير من الموبقات والاخطاء، يجعله في حلٍّ من أكثر المشاكل والأزمات النفسية تعقيداً، لأنه – التقيد بصفة الحياء- يدفع الآخرين الى احترامه ويصنع لذاته كياناً وصرحاً مصوناً عن كل ما ينخرط تحت مسميات الظلم والتجاوز والهمجية كما أنه يسمو بذات الإنسان المؤمن إلى حيث الصفات الأخلاقية الحميدة.
|
|