قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
حضارة الأخلاق الفاضلة
اليد البيضاء!
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *علي ضميري
جملة من الصفات الحميدة من شأنها ان تسهم بفعالية في صناعة مجتمع أخلاقي فاضل، منها مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم. وهي خصلة من الحري بالإنسان المؤمن أن يعوّد نفسه عليها، ويعي خصوصياتها وأبعادها، وخصوصاً الفرد الشاب، لاسيما وأن العمل بالأخلاق الإسلامية والإنسانية النبيلة، يجنب الفرد من مخاطر التعرض للأضرار والخسائر خلال حياته وبعد مماته.
إن دليل سعة أفق الإنسان وعمق وعيه وطيبة قلبه، هو اهتمامه بمساعدة أمثاله في الإنسانية، سواء كانت هذه المساعدة ما تجود به الأيدي من إنفاق أو قضاء مختلف أنواع الحوائج، أو ما يجري على اللسان من طيب الكلام وواجب النصيحة والإرشاد.
واهتمام الإنسان المبادر إلى المساعدة لاشك يكون نابعاً إما من قصده التقرب إلى الله ونيل مرضاته وثوابه، أو كونه صادراً عن إحساسه بحاجته إلى العيش المشترك مع إخوانه في الدين ونظرائه في الخلق.
لذا بات مطلوباً من كل قادر على تقديم العون، أن يساعد غيره بما يستطيع، بعد أن يربي نفسه ويكرس القناعة فيها على هجر الأنانية وحب الذات، ليتطهر من أدران نفسية عديدة قد تكون عالقةً به.
وبدلاً من أن يختار المرء حالة العزلة لنفسه، وبدلاً من أن يكون شخصاً منفوراً من قبل الناس، له أن يختار الحياة الطيبة، ويعوّد نفسه شيئاً فشيئاً على الايثار والتضحية ومدّ يد العون لأقرانه، ليقوي إرادته على فعل الخير والعمل الصالح.
ويمكن لكل شخص من الأشخاص أن يتعود فعل الخير ولو بأبسط الأشياء، ويساعد غيره دون منّ أو أذى، ليكون مصداقاً صالحاً لقول الإمام علي (عليه السلام): (حب لأخيك ما تحب لنفسك)، فكما يحب الخير لنفسه، وكما يحب أن يساعده الآخرون، عليه أن يتحلى بفضيلة المبادرة إلى مساعدة الآخرين، دون خوف إملاقٍ قد تتسبب له هذه المساعدة.
وإذا ما أمعن الفرد جيداً في هذا الفعل الأخلاقي الرائع، يتأكد له بأن فائدته الكبيرة تعود عليه حتى قبل أن تعود على الآخرين، وإن تم ذلك وفقاً للحسابات المادية الصرفة، ناهيك عن الأجر والمثوبة جراء امتثاله أوامر السماء الواردة في كتاب الله المجيد وعلى لسان العترة النبوية الطاهرة، فقد يتقدم الفرد للمساعدة في بناء مشروع خيري، كمدرسة أو مستشفى أو مسجد أو مركز علمي، وهو من ثم ممن يستفيد من هذا الإسهام أو أحد ذويه، وقد يمد يد العون لشخص بمفرده ولاريب أن هذا العون سيعود عليه بالفائدة، إذ من المتوقع أن يردّ ذلك الشخص الفضل لصاحب الفضل، وحتى إن لم يستفد من الإسهام الخيري، ولم يُردّ له فضل المساعدة، فإنه لاشك سيحظى بالأجر والمثوبة من قبل الله تعالى بعد حصول نية القربة والإخلاص، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (حاجة الناس إليكم من فضل الله عليكم)، فهو إذن مشمول بفضل الله ورحمته، حيث يطلب منه العون والمساعدة، بعد أن اصطفاه الله لخدمة إخوانه ونظرائه من الناس.
ويزداد الإنسان سمواً ورفعة حيث يتقدم بمساعدة غيره ناوياً الاخلاص لله رب العالمين، بلا منّ أو أذى أو رياء وتحصيل سمعة، لأن المنّ والأذى والرياء من الأعمال القبيحة المحرمة، وكما إن من الجميل بالإنسان أن يتوكل على ربه صباح كل يوم حيث يخرج من بيته، أو يقرأ آيات قرآنية، أو بعض عبارات السلام على النبي وآل بيته السادة المعصومين، كذلك من الحري به أن يدعو الله تعالى ليصطفيه ويوفقه لخدمة الناس وقضاء حوائجهم، ومعلوم أن هذا المنحى من السلوك يعبر عن رغبة قلبية وتربية طيبة وحالة أخلاقية فذة.
فإذا عمّت حالة تبادل العون والمساعدة بين أفراد المجتمع وشرائحه، ستنتشر وتتكرس المحبة بينهم، وإذا ما تم ذلك، يكون المجتمع قد أحرز عاملاً مهماً من عوامل التطور والفلاح، وهو ما يريده الله سبحانه وتعالى لنا، حيث يفيض من قلوب الناس الودّ والمحبة، بدلاً من البغض والكراهية والتنافر، وبوجود هذه المحبة يتفضل الله على عباده بجزيل الأجر والثواب، لأن المحبة شعبة من شعب التقوى، والتقوى هي ما يطلبه منا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ، وهذه الحقيقة هي مصداق القول المأثور: (من يَرحم يُرحم)؛ يقول ـ سبحانه وتعالى ـ: "وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" ومن الإحسان: المبادرة إلى فعل الخيرات ومساعدة المحتاجين، فمن اتصف بهذه الصفة الأخلاقية الرائعة، هو في الحقيقة قاطع لأشواط بعيدة في حيازة صفات أخلاقية عديدة، يرشحه العمل بها ليكون شخصاً مميزاً وله منزلته العظيمة عندالله تعالى وعند الناس، وهو مرشح أيضاً ليزيده الله من فضله وكرمه، لأنه لدى مساعدته للآخرين، إنما يتعامل بما هو خير وبركة، وبركات الله لانفاد لها، "وهَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ" وليس بأولى من الله ـ تبارك وتعالى ـ بالإحسان إلى المحسن لمخلوقاته، ولاسيما الإنسان.
ثم أنه ـ عزوجل ـ لايهمه حجم المساعدة التي يتقدم بها الإنسان للآخرين، بقدر ما تهمه الأرضية التي صدرت عنها المساعدة وتسببت بها، ولذلك فان لمن يساعد الآخرين بنية الإخلاص والقربة أن يطمع بفضل الله وإحسانه، ومن المؤمل أن ينال المرء كرم الله وفيضه، كلما ازداد حبه للخير والمبادرة إلى صالح العمل، أما الذي تسيطر عليه الرغبة في التظاهر بالخير والصلاح ومساعدة الناس، فلن يجد عند الله ـ عزوجل ـ ثواباً ما، ولعله يكون مستحقاً للعقاب الأخروي، لأنه أشرك في نيته، والله تعالى لايحب ولايغفر أن يشرك به أبداً.
ومن الناس، ممن لاثقة لهم بربهم، ولايدركون حكمة الحياة أساساً، يحجم عن تقديم المساعدة لغيره، متذرعاً بأنه غير مسؤول عن إعانتهم، وأن الله أراد لهم أن يكونوا محتاجين، ولو شاء تعالى لساعدهم ورزقهم، غافلاً أو متغافلاً عن أن مشيئة الله عزوجل قضت بأن يمتحن عباده المتفضل عليهم ليفيضوا على غيرهم.. فيرى من ينفق من جهة، ومن يصبر على الإملاق من جهة أخرى، وإلا فإنه عزّ اسمه قادر مطلق القدرة على إلغاء هذه الحالة البشرية وعدم مطالبة الناس بالتكافل الاجتماعي، ولكن الضرورة المنطقية اقتضت أن يتسبب هذا التكافل الاجتماعي بنشر المحبة وتقوية أوامر المجتمع، وبالحظوة عندالله تعالى في الدار الآخرة، حيث جنان الخلد والرضوان الأكبر.