هل تملك تفسيراً لمجريات الحياة؟
|
*يونس الموسوي
مسكين ابن آدم؛ تلاحقه المشاكل وتضيق عليه الخناق، فلا يقوى على التخلص منها، كما لا يقوى على السيطرة عليها، وما يزيد الطين بلّة، أن هذه المشاكل والصعوبات باتت مدمجة مع حياة الإنسان، لا يبرح أن يراها أمامه في مختلف نواحي حياته، وعليه فان المسألة المطروحة حالياً هي، كيفية التصرف والتعامل مع هذه المشاكل وليس فقط التخلص منها.
ان الناس يصنفون بإزاء هذه القضية صنفين رئيسين: الصنف الأول: المنكسر والمنهزم الذي يضعف أمام المشكلة ويعجز عن معالجتها بحكمة، أما الصنف الثاني: فهو الذي يواجهها بكل حكمة وصبر ولايسمح لنفسه بالانهزام أمامها.
لكن السؤال لماذا يختلف الناس في مواجهة المشاكل والصعاب ؟
هذا الاختلاف ينبع من اختلاف التصورات الفكرية للناس تجاه الحياة، فالمنهزم أمام المشاكل، هو ذلك الذي يفتقد التصورات الصحيحة عن الحياة، بما تؤهله لمواجهة مثل هذه الأوضاع، وعادةً مايملك هؤلاء الأفراد أفكاراً خاطئة غير صحيحة منحرفة وتقييمات غير سليمة لوقائع الحياة الدنيا، ونتيجة لتلك التقييمات الخاطئة تصبح لديهم مواقف غير سليمة فتتعثر حياتهم ما بين هذه التصورات وما يقوم به من تصرفات وأعمال، فتكون النتيجة حياة صعبة ومتعثرة مليئة بالأخطاء.
بينما الصنف الآخر من الناس، فهم الذين يملكون تفسيرات منطقية لمجريات الحياة، لذا هم لايندهشون ولايستغربون حدوث أي طارئ في حياتهم، لأنهم يملكون الاستعداد النفسي لتقبل مثل تلك الوقائع ويعرفون أنها ستقع في أي وقت من الأوقات، فالذي يؤمن بحقيقة الموت، لا يتفاجأ بنبأ وفاة أحد المقربين إليه، ويكون أكثر استعداداً لتقبل مثل هذه الحقيقة والصبر على المصيبة، بينما لايملك هذه القدرة من انغمس في الحياة المادية ونسي حقيقة الموت.
من هنا فان هناك نوعين من الفكر يسودان الحياة ويتركان تأثيرهما على الإنسان: الأول: الفكر المادي، والثاني: الفكر الديني؛ فالفكر المادي يتعامل مع الحياة بشكل مادي، بمعنى أنه يلحظ ما هو مادي ويقدم اطروحته ومعالجاته للأمور المادية الملموسة، بينما هو لايملك رأياً بالنسبة إلى القضايا المعنوية التي عادةً مايكون الإنسان بحاجة إليها، مثل القيم الاخلاقية والمفاهيم الانسانية، فقد يقول هذا الفكر كيف تتعامل مع الآلة، ولكن عندما تحتاج الى المشاعر والمواقف التي لا علاقة بها بالآلة الصماء والفاقدة للروح، فانه يتوقف عن الكلام، ويعجز عن إيجاد سبيل لسعادة الانسان المعنوية.
والملاحظة المهمة هي أن إنتشار الفكر المادي لم يقتصر على المجتمعات غير الاسلامية بل اتسع ليصل إلينا أيضاً، فالمجتمعات الاسلامية وإن كانت بالاسم دينية، لكنها وقعت في شراك الفكر المادي، فعلاقات الأفراد داخل هذه المجتمعات تحولت إلى علاقات مبنية على القيم المادية، ولهذا أصيبت بنفس الأمراض الروحية والأخلاقية التي أصيبت بها المجتمعات الميكانيكية المادية.
أما الفكر الديني فهو يضع أمامنا تصوراً شاملاً عن الحياة، بل يعطينا تصوراً عن الحياة الأخرى، وهذا هو الأهم لأن الإنسان يقف عاجزاً أمام حقيقة الموت وليس هناك مثل الفكر الديني الذي يعطي التفسير الكامل لهذه الحقيقة وما الذي سيحدث بعدها، بينما يقف الفكر المادي عاجزاً عن تفسيرها، لانه يقدس الآلة ويجعلها محور الحركة الإجتماعية والسياسية، فالإنسان وفق الفكر المادي يكون في خدمة الآلة، لذلك لاضير في إطار هذا الفكر أن تسحق الطبقة العاملة في الفكر الرأسمالي أوالثرية في الفكر الشيوعي.
بينما هذا الإنسان هو أشرف المخلوقات في الفكر الديني، ويجب أن تسخر جميع الإمكانات المادية لخدمة مسيرته التكاملية في الحياة، ومثلما سخر الله (سبحانه وتعالى) لهذا الإنسان الشمس والقمر والنجم والشجر، فإنه يستحق أن يكون الأعلى فوق الآلة وفوق المادة وأن لايكون أسير إفرازاتها السلبية، لكنه بحاجة الى الوسائل لاستيعاب كل الحقائق المادية والمعنوية، كما هو بحاجة أيضاً إلى معنويات عالية تمكنه من مواجهة كل السلبيات التي تحيط به نتيجة الحياة المادية، لكن من أين يحصل على هذه المعنويات التي يستطيع معها مجابهة كل الضغوط؟
يحصل عليها من العقيدة التي يؤمن بها، فهذه العقيدة تعطينا العلم والمعرفة والقيم والتعاليم، فهي تصف الأشياء على حقيقتها فتقول: إن الدنيا معبر للآخرة وأنك خليفة الله في أرضه، وأن الخلافة تتحقق باتباع الدين، وأن الدنيا دار عمل والآخرة دار حساب، وأن الدنيا محل ابتلاء والثواب والعقاب في الآخرة ومعرفة كل هذه الأمور تساعد الإنسان على تقييم الأشياء بشكل سليم حتى يتخذ الموقف المناسب إزاءها، لأن الافراط والتفريط في تقييم الأشياء سيزعزع حياة الإنسان، على سبيل المثال، أن الشخص الذي يعطي للمال قيمة أكبر من قيمته الحقيقية سيتحول هذا الأمر لديه إلى مرض نفسي وهو (البخل)، وهو ما يؤدي الى تخلخل الوضع الاجتماعي وعدم تحقيق التكافل الاجتماعي الذي هو من جملة ما يوصي به الإسلام ضمن القيم الاجتماعية.
فضلاً عن أن الدين يساعد الإنسان على معرفة الأشياء على حقيقتها من دون إفراط وتفريط في نفس الوقت يربي الإنسان على مواجهة الصعاب التي يلاقيها في حياته، فهو بعد أن يبين له أن الدنيا دار بلاء وأن المرض أحد أشكال هذا البلاء، فإن الصبر على هذا المرض له المثوبة الكبرى في الآخرة، ولهذا فأن هذا الإنسان سيكون الأقدر على مواجهة هذا البلاء، وأن يستعد له نفسياً وروحياً.
وبهذا نجد أن الفكر الديني قادر على حلّ المشاكل الانسانية المختلفة مثل مشكلة الفقر والحرية والجنس وغيرها مما يتخبط فيه الفكر البشري حالياً، ويكثر حوله اللغط والكلام غير الدقيق الذي لايزيد الانسان إلا ابتعاداً عن مرامه وهدفه وهو تحقيق الحياة السعيدة.
|
|