قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

واقعة الحرة.. في التاريخ
محمد طاهر محمد
(دخل رجل من جند مسلم بن عقبة على امرأة نفساء من الانصار ومعها صبي لها فقال: هل من مال؟ فقالت: لا والله ما تركوا لنا شيئاً، فقال،: والله لتخرجن الي شيئاً او لاقتلنك وصبيك هنا! فقالت له: ويحك انه ولد ابن ابي كبشة الانصاري صاحب رسول الله (صلى الله عليه آله) فاخذ برجل الصبر والثدي في فمه فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فانثر دماغه على الارض).
هذه الصورة ربما لن يجد القارئ لها مثيلاً حتى عند اشد الاقوام همجية في التاريخ البشري ولكنه يجدها في العصر الاموي وجيشه الاهوج؛ هذه الصورة البشعة التي تقشعر لها الابدان ويندى لها جبين الانسانية هي احدى صور واقعة الحرّة، حيث اقتحم مدينة رسول الله خمسة آلاف رجل من الذين باعوا دينهم وضمائرهم وانسلخوا عن آدميتهم فتحولوا الى وحوش ضارية تتضور جوعاً الى اللحم الآدمي والتلذ بمنظر الدماء يقودها سفاح مجرم تخرج من المدرسة الاموية الاجرامية، فحاقوا بها (ما لم يحقه برو ما عسف نيرون).
تلك هي واقعة الحرة، وصمة عار اخرى تضاف الى تاريخ الامويين المللوء بالمخازي، كانت هذه الحادثة من اشد الحوادث المأساوية التي طعنت صميم الدين الاسلامي وانتهكت اقدس مقدسات الاسلام، جرت هذه الواقعة عام 62 هـ اي بعد مقتل الامام الحسين (عليه السلام) بعام واحد وكأن الامويين قد آلوا على انفسهم ان لا يدعوا عاماً يمر دون ان تكون لهم فيه مثلبة تشين سيرتهم البشعة فقد نكأوا جراح الاسلام والمسلمين وهي لم تندمل من قتل الحسين (عليه السلام) فاوغلوا طعناً في جسد الاسلام بهذه الواقعة.
كان سبب هذه الواقعة هو ردة فعل اهل المدينة نتيجة الظلم الاموي وانتهاك يزيد المحرمات وخروجه من الاسلام فاعلن اهل المدينة خروجهم عن طاعة من خرج عن الاسلام فقد اجمع المؤرخون على ان وفداً من اهل المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) وفدوا على يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين (عليه السلام) فرأوه يشرب الخمر ويلعب بالقرود والكلاب فلما عادوا الى المدينة واظهروا سبه وخلعوه فلما استفهم منهم اهل المدينة قالوا: قدمنا من عند رجل لا دين له يسكر ويدع الصلاة وبايعوا عبد الله بن حنظلة وكان ابن حنظلة يصيح: يا قوم والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا ان نرمى بالحجارة من السماء رجل ينكح الامهات والبنات والاخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة ويقتل اولاد النبيين والله لو يكون عندي احد من الناس لأبلى الله فيه بلاءً حسناً.
وعندما جاء عامل يزيد لحلم ما كان يحمله في كل سنة من الحنطة والشعير من اهل المدينة واجه ممانعة من الناس فجاء الى عامل المدينة من قبل يزيد وهو عثمان بن محمد بن ابي سفيان فارسل الى جماعة منهم فكلمهم بكلام غليظ فوثبوا عليه وعلى من كان معه بالمدينة من بني امية واخرجوهم من المدينة واتبعوهم يرجمونهم بالحجارة فلما انتهى الخبر الى يزيد بن معاوية ارسل الى مسلم بن عقبة المري فاقدمه من فلسطين وهو مريض فادخله منزله ثم قص عليه القصة فقال: وجهني اليهم فوالله لادعنّ اسفلها علاها فوجهه في جيش كثيف الى المدينة وكان جيش مسلم يضم خمسة آلاف رجل كان ألف رجل من فلسطين عليهم روح بن زنباغ الجذامي وألف رجل من الاردن عليهم جيش بن دلجمة القيني والف رجل من دمشق عليهم عبد الله بن مسعدة الفزاري والف رجل من حمص عليهم الحصين بن نمير السكوني والف رجل من اهل قنسرين عليهم زفر بن الحارث الكلابي وكان لكل واحد من هؤلاء الخمسة تاريخ إجرامي طويل وسجل بشع حافل بسفك الدماء.
تحشد اهل المدينة وتخندقوا وقاتلوا جيش مسلم قتالاً شديداً وكان قائدهم عبد الله بن حنظلة بن ابي عامر نصاري فتعذر على جيش مسلم بن عقبة دخول المدينة لاستبسال اهلها واستماتهم في الدفاع عنها، وهنا جاء دور (الوزغ بن الوزغ) مروان بن الحكم بينضم الى قائمة الاجرام في هذه الواقعة فمكان له دور وضيع في فتح ثغرة من الخندق بخدعة وهذا ليس جديداً على بني أمية فالخيانة هي شيمتهم والخسة عنصرهم فدخل مسلم او مسرف بن عقة ومعه مئة فارس فاتبعه الباقون حتى دخلوا المدينة.
لا يستطيع المسلم ان يقرأ او يسمع ما حدث بعد ذلك ولا يتفطر قلبه الماً وحسرة وكيف لا وقد صنع الجيش الاموي بمدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يصنعه البرابرة والمغول في بلاد اعدائهم من قتل وسلب وانتهاك للمحرمات فقد قتل في ذلك اليوم من ابناء المهاجرين والانصار الف وسبعمائة ومن سائر الناس عشرة آلاف وسبعمائة وثمانين ولم يبق بعد هذه الواقعة بدري، وخاض الجيش الاموي في دماء اهل المدينة حتى وصلت الدماء الى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومتلأت الروضة والمسجد والتجأ الناس الى حجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنبره والسيف يعمل فيهم وقتل عبد الله بن حنظلة ومعه اولاده الثمانية كما قضت هذه الواقعة على على البقية القليلة من آل ابي طالب وبني هاشم في المدينة فمن قتل من آل ابي طالب عبد الله بن جعفر بن ابي طالب وجعفر بن ممد بن علي بن ابي طالب ومن بني هاشم من غير آل ابي طالب نوف بن الحرث بن عبد المطلب والعباس بن عتبة بن ابي لهب.
وتذكر المصادر ان نحو الف بكر تم اغتصابها، حملت فيها من النساء اللاتي لا ازواج لهن نحو من ألف امرأة، وكان الجندي يأخذ برجل الرضيع فيجذبه من امه ويضرب به الحائط فينثر دماغه على الارض وامه تنظر اليه ثم امروا بالبيعة ليزيد على انهم خول وعبيد ان شاء استرق وان شاء اعتق فبايعوه على ذلك! واموالهم مسلوبة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة ونساؤهم مهتوكة وبعث مسرف بن عقبة برؤوس اهل المدينة الى يزيد فلما القيت بين يديه قال:
ليت اشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل
لاهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرن من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لست من خندف ان لم انتقم من بني احمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
هذه قصة واقعة الحرة التي ذكرها باختلاف يسير جميع المؤرخين، ولرب سائل يسأل ما هو موقف الامام علي بن الحسين (عليه السلام) زين العابدين من هذه الواقعة وما هو دوره تجاهها كونه يعد سيد بني هاشم وبين عبد المطلب والامام المعين في وقته.
لقد حمل هذا الامام الفذ هموم الامة والرسالة باكملها وراح يصع بتعاليم الدين الحنيف مدافعاً عنه بكل ما اوتي من قوة ويبث بين الناس من روحه الكبيرة ما حملته من اخلاق وعلم وصفات نبوية وكانت كل هذه الاحداث الفضيعة التي ذكرناها اضافة الى ما لم نذكره منها قد شاهدها الامام علي بن الحسين (عليه السلام) فكانت تزيد من جراحه ويه لم تندم وتجددت احزانه فكان يتلقى تلك الجراح بقلب كسير وروح متألمة تلك الروح الكبيرة والرحيمة حتى بمن نصب له ولابيه ولجده العداء، فعندما خرج مروان بن الحكم وبين امية الى الشام تركوا اعيالهم في المدينة فكلم مروان عبد الله بن عمر بان يترك عياله وحرمه عنده فابى عليه فكلم الامام علي بن الحسين (عليه السلام) في ذلك فوافق على ذلك.. فاي روح اعظم من هذه الروح واي قلب اكبر من هذا القلب هذه هي اخلاق الانبياء التي ورثها الامام زين العابدين لقد كفل عوائل بني امية الذين سبوا عماته واخواته ونسائه من كربلاء الى الكوفة ومنها الى الشام وبقيت عائلة مروان في رعايته الى ان انتهت المعركة وسلم علي بن الحسين (عليه السلام) واهل بيته من شر (مسلم) بن عقبة، وسلم كل من التجأ الى بيته من اهل المدينة وقد اشتهر بين الرواة والمؤرخين ان الذين انضموا الى علي بن الحسين (عليه السلام) يزيدون على اربعمئة عائلة وجاء في ربيع الابرار للزمخشري انه لما ارسل يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لقتال اهل المدينة واستباحتها كفل الامام زين العابدين اربعمائة امرأة مع اولادهن وحشمهن وضمهن الى عياله وقام بنفقتهن واطعامهن الى ان خرج جيش ابن عقبة من المدينة.
قال الطبري: ان يزيداً وصى مسلم بن عقبة بعلي بن الحسين (عليه السلام) وان صحت الوصية فانها لم تكن مراعاة لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يكن يزيد بذلك البعيد عن دماء اهل البيت (عليهم السلام) او مراعياً لهم حرمة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يوصي بالامام زين العابدين، بل لأنه احس بوطأة جريمته النكراء التي ارتكبها في كربلاء يحق الامام الحسين (عليه السلام) واهل بيته وصحبه وادرك ان الاخطار قد اصبحت تهدد عرشه من جميع الجهات والاصوات التي تنادي يا لثارات الحسين تتعالى في جميع الارجاء فعمد الى هذه الوصية في هذه واقعة الحرة التي سجلت جريمة اضيعة الى سجل يزيد الاجرامي كما سجلت مأثرة عظيمة اضيفة الى مآثر الامام علي بن الحسين (عليه السلام) الخالدة.
المصادر:
1ـ ربيع الابرار (الزمخشري)
2ـ تاريخ اليعقوبي (احمد بن يعقوب)
3ـ تذكرة الخواص (سبط ابن الجوزي)
4ـ الامامة والسياسية (ابن قتيبة الدينوري)
5ـ تاريخ الخلفاء (السيوطي)
6ـ النصائح الكافية (ابن يحيى العلوي)
7ـ الفصول المهمة (عبد الحسين شرف الدين)
8ـ تاريخ الامم والملوك (الطبري)
9ـ مروج الذهب (المسعودي)
10ـ تاريخ الفخري (ابن الطقطقي)
سيرة الائمة الاثني عشر (هاشم معروف الحسني)