قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
قصة قصيرة
مدينة العجائب
مهدي الحسناوي
يصورها فوق لوحاته رغم ابتعاده عنها منذ زمن طويل، إنها بالنسبة إليه الأم، الهوية، الارض، تسري في أوردة اللانزف الملتوي حول فرشاته الخضراء، يسير متعباً بين أزقتها من خلال نوافذ رسمومه ذات الالوان المبهمة، يرى شوارعها المزدحمة بصراخ الاطفال، ويطل على أسواقها المسقوفة، بأعمدة خشبية فتبدو إليه الدكاكين كنسق متوازٍ ذات مصابيح ملونة، أما النهر الذي يشق منتصف المدينة فيسير معه يحمل أسرار هذه الارضِ، ويدفن في قرارة قاعه حكايات الناس الغريبة، بينما النخل يشهق شامخاً كشاهد على حضارة هذه البقعة يخر أحيانا ظامئاً متساقطا فوق جداول خطتها يداه، انها لحظات الطفولة وذكرياتها تهرول بين قطيع الاغنام وتتمرغ بجرفان أنهارها كحمامة أرهقها عناء السفر، بعد ما أخذ الحنين المفرط يطرق أحاسيسها.
الليل الطويل، دخان السجائر... مفردات تؤرقه وترسم تجاعيد فوق قسمات وجهه، وتترك لغة رمزية في لوحاته المتعددة وتجعله يخطو مسرعاً خلف حلم طالما يتصوره بنفسجياً وقريباً منه.
يجوب العالم يحاول ان يلملم رسومه المتناثرة كعادته فوق أرصفة المنفى المجهول، حينها لا يعلم اين يرقد حينما تودع الشمس قرصها الاخير، ولكنه يتذكرها بحسرات مؤلمة..، يتذكر شوارعها وزوارقها الجميلة في ليالي الصيف، يتذكر سماءها الزرقاء أوقات الربيع.
ـ هل أراها حقا؟
لا تفتصله عنها الا هذه الخطوط الحمراء المرسومة فوق هذا البياض، يدخن سيجارة.. يراوده ذلك الموقف الجريء بين فترة وأخرى، حينما اجتاز هذه الخطوط بحثاً عن سيدة الهواء، وكيف اختار مسلك اللاصمت بوجه الهرم المتربع، انه لا يستسلم للموت المزروع بين فوارز محطاته، ويجيد لغة الرأي الآخر.
هكذا بدأ الادراك منذ مهده الصغير حينما كان يتسأل..!
ماذا تعني بندقية الشرطي الواقف هناك؟
ومن المقصود بذلك الموجهة اليهم تهم اللاحقيقة المزيفة؟
ومن ذا الذي يجلس وراء هذه المشاهد المرعبة؟
يبتسم من ذلك الواقع وبقهقهات عالية، حينما يتذكر السلطان بنياشينه المختلفة، وصوره الكثيرة التي تملأ الساحات، الحدائق، الشوارع، الصحف، وتراوده أينما يحل، فتبدو وكأنها اشباح تلاحق الصغير والكبير وتنشر القلق والخوف في النفوس.
ظلام المدينة يثير في داخله تساؤلات معقدة عن الحرية المفقودة، الزمن الرديء، وتجعله يقف صامتاً أمام لوحاته الخشبية، الليل والنهار، العتمة والنور، الحرب والسلام، مفردات يجمعها في ألوان متعددة، ترسم في عينيه معالم المدينة الغريبة بترابها وأشجارها وبيوتها.
يشترك في مسابقة عالمية في منفاه بلوحة رسمتها أنامله فوق أرصفة الغربة القاتلة، وبعد انتهاء فترة المسابقة يقرأ في صحف الصباح نتائجها، يحدق في أسماء الفائزين بتعجب وذهول، وكأنها رسالة من هناك، بعد ما تركت ابتسامة عريضة على وجهه، لأنه الفائز الأول بلوحةٍ أسماها (مدينة العجائب).