الضيف في ضيافة الشعر
|
عبد الكريم حسين العامري
في كل أمة من الامم قيم وتقاليد تؤشر سمتها الحضارية، وللعرب ـ كأمة ـ تقاليدهم وأعرافهم التي كانت تعكس أصالتهم ومن تلك الأعراف الخالدة، ذلك الحب الذي عرفوا به للضيف وولعهم الشديد بإكرامه، فالمثل العربيه تلزم الفرد أن يراعي اصول الضيافة والكرم سواء كان غنياً أو فقيراً.
ان فكرة الكرم في الإسلام، في النفس او المال فكرة محبذة حض الإسلام عليها وقد أشارت الآيات القرآنية الى ذلك: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً). الانسان 8-9.
وقد نقلت مصادر الادب والتاريخ ان الرجل العربي الكريم ظل في حالة التأمل والقلق منتظراً أن يطرق بابه ضيف ليؤدي له طقوس الإكرام، لا سيما ان هذا الكريم لا يريد ان يأكل زاده لوحده لأنه طالما خاطب زوجته بقوله:
إذا ما عملت الزاد فالتمسي له أكيلاً فأني لست آكله وحدي
بعيداً قصيا أو قريباً فإنني أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
ومن دخول هذا الضيف تبدأ مراسيم الترحيب والحفاوة والاستقبال بعبارات جميلة تحمل بلاغة العربي وظرافته وان احدهم ليقول لضيفه:
فقلت له اهلاً وسهلاً ومرحباً فهذا مبيت صالح وصديق
ومن جهة الضيف فانه ليس ثمة ما يدعوه للشعور بأنه في دار غير داره أو بين اهل هم ليسوا بأهله لانهم سينشدونه:
يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل
لقد اثبتت تعاليم الدين الإسلامي وأئمة اهل البيت (ع) موقفها من الضيافة واوضحت ان اي مسلم ضافه قوم فأصبح الضيف محروماً من القرى كان له على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله لان الإكرام في هذه الحالة حق للضيف لا يمكن إغفاله او تجاوزه وهي ترى أيضاً انه ليس في الطعام إسراف أو تبذير وتقضي كذلك بأن يمشي الرجل المضيف مع ضيفه الى باب داره زيادة في الاحترام.
ومن مظاهر الحفاوة بالضيف والتي نقلها لنا الشعر ووثقها .. ان يبدو البشر والفرح على وجه المضيف وعندهم ان تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وسوف يأنس الضيف وتزول من نفسه الإحراجات .. كذلك ان .. يحادثه على الطعام بشكل خاص ليرفع ما بينهما من الاشياء التي تسبب التكلف والانقباض وكذلك إطالة الحديث عند المؤاكلة.. ولهذا قال حاتم الطائي:
سلي الجائع الغرثان يا أم منذر
اذا ما أتاني بين ناري ومجزري
أبسّط وجهي أنه اول القرى
وأبذل معروفي له دون منكري
ومن عادات العرب أن الرجل المضياف منهم يوقد ناره في الليل على مرتفع وكلما كان موضع النار أشد ارتفاعا كان صاحبها أجود لكثرة من يراها من البعد. وحين رثت الخنساء أخاها صخراً فأنها شبهته بالنار التي توقد للهداة وهم الذين يهتدون بالنار وصولاً إلى من اشعلها وذلك في قولها:
وإنّ صخراً لتأتمُّ الهداةُ به
كأنه علمٌ في رأسه نارُ
والنار التي كانوا يوقدونها للأضياف يسمونها (نار القرى) وهي مشهورة في اشعارهم يوقدونها ليلاً ليزداد ضياؤها ويستدل بها من يراها ويقصدها .. واحياناً يوقدون هذه النيران بحطب طيب الرائحة ليهتدي بها من فقد البصر.
وعرف قوم من العرب سمّوا (مطاعيم الريح) لانهم كانوا ينحرون ويطعمون ضيوفهم حين تهب ريح الصبا وهذا ممتدح عندهم لان هذه الريح لا تهب الا في البرد حيث يكون الجدب.
ويبنغي الإشارة هنا الى ان العادة المتبعة عند العرب هي ان الرجل منهم اذا أضل طريقه حمل بعيره على الرغاء لتجيبه الابل برغائها او لتنبح الكلاب لرغاء بعيره وهو يستدل بذلك ليصل على منزل في الحي وسيقومون له بواجب الضيافة، وكانوا يسمون الرجل الذي يفعل هذا (المستنبح).. وقد أشارت الأشعار الى هؤلاء المستنبحين قول بعضهم:
ومستبنح اهل الثرى يطلب القرى
إلينا ومسماه من الارض نازح
وقول الشاعر:
وعى وعوى والليل مستحلس الندى
وقد ضجعت للفور تالية النجم
ومن خلال هذا العواء يتبين الرجل الكريم ويتميز عن غيره، وربما أبرز الكريم كلبه ليجيب ذلك الصوت القادم، ان الكريم لكثرة من يأتيه من الضيوف فان كلابه لا تهر ولا تنبح لانها اعتادت ذلك، وهذا ما أوضحه حسان بن ثابت ببيته:
يفشون حتى ما تهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
والمتبع أن الشاعر إذا نزل بقوم فلم يكرموه ولم يؤدوا له حقوق الضيافة هجاهم بأقذع الهجاء كما فعل جرير:
يا مالك بن طريف ان بيعتكم
رفد القرى مفسد للدين والحسب
ومن تقاليدهم الاجتماعية المستحسنة أنهم كانوا يتحرمون بالطعام، ذلك إنك اذا نزلت على رجل فأكرمك واطعمك من طعامه صارت بينك وبينه حرمة لا يغدرك ولا يخونك كأنما أوجبها هذا الطعام.
ومن حكمة مالك بن نويرة حين أبصر أخاه مقيداً وجاء ليفتديه ولم يعرفه القوم وحين حضر الغذاء قال لهم: انه لقبيح بنا أن نأكل ورجل ملقى بين أيدينا لا يأكل معنا فما كان من القوم الا ان فكوا قيده وأكل معهم ولما انتهوا قال مالك أما ترون تحرّم هذا معنا إنه لقبيح بكم ان تردوه الى القيد فخلوا سبيله.؟
ولا يمكن الحديث عن الكرم والضيافة من دون الحديث عن حاتم الطائي الذي ارتبط اسمه بهاتين الصفتين، ومما يحكى عن حاتم الطائي انه إذا جن الليل أوعز إلى غلام له أن يوقد النار في مرتفع من الارض ليجيء اليها من اضل الطريق وهو يقول لغلامة:
أوقد فإن الليل ليلٌ قرُّ
والريح ياموقد ريحٌ صرُّ
عسى يرى نارك من يمرُ
فإن اتى ضيفٌ فأنت حرُّ
وهناك كثير من القصص والحكايات التي رويت في فضله وسماته وكرمه وقد بلغت بعضها مستوى الاسطورة لكثرة كرمه وقد ذاع صيته بين العرب في الكرم وحب الضيف حتى صار مضرب أمثالهم.
|
|