قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الأُم والطفل ومهمة مواجهة المؤثرات الخارجية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *ايمان عبد الامير
استطاعت عواصف التضليل الثقافي اجتياح مجتمعاتنا.. ففي كل يوم تواجهنا تقليعة جديدة واسلوب جديد ووسيلة جديدة. فإن كانت محطات التلفزة الموجّهة إلينا مائة محطة في السنة الماضية، فهي اليوم قد تضاعفت. وإذا كان انتشار الانترنت في الأمس بسيطاً، فهو اليوم هائل.
إن استراتيجية تحويل العالم برمّته الى عالم صغير، أو ما يسمّى بين المثقفين بسياسة (العولمة)، حيث تُحذف الحواجز والفوارق، هذه الاستراتيجية لا هدف وراءها سوى إخضاع الشعوب وتحطيم الخصوصيات التي تمتاز بها الأمم المستضعفة، وتهميش دينها وثقافتها الأصلية، وبعبارة أخرى تقويض مناعتها.
وبالفعل فقد نجحت هذه الاستراتيجية الى حدّ كبير في الزحف والسيطرة واستلاب ما تبقى لدينا من قيم روحيّة واهتمامات معنوية.
إنّ الانباء والمشاهدات اليومية في هذا البلد المسلم او ذاك مزعجة للغاية. فقد تمكنت شبكات الأقمار الصناعية الغربية من جذب المشاهدين - وهم عدد كبير جداً- وهي تغزوهم في عقر دارهم بأفلام الرذيلة والانحطاط الفكري والخلقي، وليس من سرِّ اكشفه إذا ما قلت بأن تلك الأفلام والبرامج تعمّ الصغير قبل الكبير، والشاب قبل الكهل، حتى أصبح أطفالنا مدمني غناءٍ وموسيقى، فاستعاضوا بهما عن قراءة القرآن ومطالعة سنّة أهل البيت عليهم السلام...
والآن حيث تلمّسنا شيئاً من واقعنا المرير، فعلى عاتق من تقع مسؤولية هذه الهزيمة الاخلاقية والروحية النكراء؟
الجواب لايعدو عن القول، بأن الجميع مسؤولون ولكن بدرجات متفاوتة؛ فالحكومات في بلادنا الاسلامية مسؤولة، كما الشعوب بكل فئاتها وشرائحها مسؤولة ايضاً، وبين أهم الفئات؛ الأسرة التي تُعد نواة المجتمع او كما يصفها كثيرون بانها المجتمع الصغير، وعندها تكمن مسؤولية كبيرة في هذا المجال.
ولكن لمّا كان إطار بحثنا يختصّ بالتربية، ولمّا كان البيت ونطاق الاسرة ومستوى تأثير الأمّ المتوقّع على اطفالها، آخر ما تبقّى من وسائل في التربية - وإن كان أهمها- فإننا يمكن ان نعد الام المسؤولة أولاً.
ان الواقع المشهود يؤكد انّ اهتمام الأمهات - بصورة عامة- منصبّ على توفير أفضل ما يمكن من طعام للأطفال، وأنهنّ يعانين ما يعانين إذا ما اُصيب احدهم بعلّة او وجع خفيف في جسمه، وهو أمر حسن في حين انّ هذا الأمر يعد أكثر الحاحاً في مجال الاهتمام والعناية بروح الطفل وعقله، إذ من الخطأ الفادح تصور الأطفال دون عاطفة او عقل. فالطفل يؤهله استعداده الى تلقي التربية واستيعاب التعليم منذ احتضان المهد إيّاه، وقد أكدت ذلك روايات أهل البيت (ع) الخاصّة بالتربية وطلب العلم، حتى قال رسول الله (ص): (اطلب العلم من المهد الى اللحد). وهذا القول الشريف ليس إلاّ دعوة صريحة للآباء والأمهات لطلب العلم والتربية للأولاد منذ وقت مبكّر للغاية.
إنّ الخيار الوحيد المتاح لمواجهة تيارات الانحراف هو خيار التربية الأسرية، فمراكز التوجيه الاعلامي والثقافي في الغرب سلبتنا كل شيء، من خلال المدرسة والصحيفة والمحطات المرئية والمسموعة، وانتهاءً بأجهزة التوجيه الحديثة حيث الحاسوب وشبكة (الانترنت) العالمية.. كلّها أخذوها منّا ولم يتبقّ لدينا سوى التربية البيئية، وقد يأتي يوم من الأيام فيسلبوننا حتى هذا المتبقي كما هو حادث في بلدانهم هم، حيث تتدخل تلكم المراكز في كلّ صغيرة وكبيرة في حياة العائلة الغربية لتوجه أطفالها كما يحلو لها، ساعية الى تعميق الهوة ما أمكن بين الطفل ووالديه.
ولكن ماهي الخطوط العريضة التي ينبغي على الأم المسلمة الالتزام بها مبدئياً على صعيد التربية؟
الخط الأول: أن تنهض الأم بمستواها الثقافي هي قبل كلّ شيء. فمادامت جاهلة بالتعاليم والقيم الدينية ستبقى عاجزة عن التربية والعطاء، إذ (انّ فاقد الشيء لايعطيه)، فايجاد مراكز علمية متخصصة بهذا الشأن له الدور الكبير في انجاز هذه المهمة، وأمّا الأمهات اللاّتي لا يستطعن الحضور في مثل هذه المراكز، فبامكانهن الإطلاع ودراسة العلوم الدينية والتربوية عبر أشرطة الكاسيت او عبر شبكة (الانترنت) وهنّ في منازلهن، وهكذا تسعى عبر التثقيف الذاتي والوسائل العصرية المتاحة.
الخط الثاني: الاهتمام بتعليم الأبناء وتوجيههم عبر تخصيص أوقات مخصصة لذلك. ولا يقتصر التعليم على التكاليف العبادية فيشمل المعارف والتاريخ والأخلاق.
إن حضور الأطفال مع أمهاتهم أوآبائهم في مجالس الوعظ الديني أو المحافل الثقافية، هو الآخر له أثر كبير في صياغة شخصية الطفل وترسيخ مفاهيم الخير في ذهنه، حتى تكون رصيداً غنيّاً ينعكس على سلوكياته ومعتقداته في المستقبل.
وهذا يعني - فيما يعني- أنّ التربية والتوجيه لايشترط فيهما ألاّ يكونا إلاّ بالقول، فممارسات الأبوين لها الأثر الأكبر في تكريس قناعات الإنسان واعتقاداته وسلوكياته. وهذا بدوره يمثل خطّاً ثانياً من خطوط التربية.
والخط الثالث: تطهير الجو المنزلي واضفاء القدسية عليه، وتجنيب الأطفال كلّ ما من شأنه تدنيس أرواحهم وعواطفهم الشفافة. فالبيت يجب ان يتحول الى محطٍّ للملائكة، بدل ان يكون وكراً للشياطين.
ان من الجدير بمكان أن تكون جلسات العلم وقراءة القرآن المحور الذي تدور حوله العائلة، لا الانسياق مع التلفزيون وبرامجـه التي تعود بالضـرر - في أغلب الأحيان-. وما أروع ان يخصص الآباء والأمهات من اوقاتهم قسماً كبيراً لنقل قصص الأنبياء وأهل البيت والصالحين من أولياء الله على مسامع الأطفال. وذلك ضمن برنامج توجيهي متقن يتفاعل مع قابلية واستعداد الأطفال الذهني والروحي. وما أروع ان نستعيض عن صور الممثلين والممثلات وصور لاعبي كرة القدم بصور العلماء الأفاضل. بل ماذا يربط الطفل المسلم بلاعب لكرة القدم يربح الملايين ويتنعم في حياته بمختلف الأشكال، وهذا الطفل يئنّ فقراً روحياً ومادياً ومستقبلياً؟
إن الرحمة والبركة إنما تتنزّل على بيت مفعم بروح الايمان والقرآن والمحبّة والعواطف النبيلة، لا على بيت يعلو فيه صوت الغناء والموسيقى والكلمات النابية، ولقد صدق الله العلي العظيم حيث قال: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً"
ويغفل كثير من الناس عن السبب الحقيقي وراء قلقهم النفسي الدائم وتعب أجسادهم، إذ ما ان تسأل الواحد منهم عن علة عدم اهتمامـه بأولاده، حتى يجيبك بأنه لا مجال لديه، أو أنّه متعب نفسياً وجسدياً، ولكنّ الحقيقة تؤكد بأنّ انشراح نفسية الإنسان المسلم لا تكون إلاّ بالاتصـال مع القـرآن الكريم والالتزام بتعاليم الديـن والايمـان.
أما الخط الرابـع؛ فهو تربيـة الأطفال على حب الآخرين والرغبة في فعل الخير لهم. فالطفل حيث يكون كائناً انانياً او يكره الآخريـن، لن يكـون إلاّ إنموذجـاً للطغـاة الذيـن تربّـوا في احضان التكبّر والبغـض والظلم. فالأخلاق تنمو في ذات الإنسان، حتى تصبح جزءاً لايتجزأ منـه.
هنا تحدد مهمة الأم ودورها ازاء تربية طفلها، فهي مع بلوغها هذا المقام المقدّس والرفيع، مطالبة من الدين الحنيف بالعمل لان يكون طفلها ذخراً صالحاً يوم المعاد.