التربية ومعرفة تكوين الإنسان
|
*يونس الموسوي
كل علم يستلزم المعرفة بميدانه الخاص، وتُعد تربية الطفل علماً بحد ذاته له مناهج وهو مسؤولية، فالتصدي لها يستلزم الإحاطة بميدانها المتمثل بالطفل؛ وبما ان الطفل إنسان فان تربيته لابد ان تستند الى المعرفة بطبيعة شخصيته، وقبل ذلك الإحاطة بما يتأثر به ويؤثر فيه خلال فترات حياته التكوينية.
ان الإنسان يتكون بمجمله من جسد وروح وما بينهما نفس، وهذه هي المادة الأساس التي يتكون منها الطفل وتمثل الميدان الذي تدور حوله التربية، فالجسد هو مجموع الخلايا التي تتألف منها الأجهزة العاملة المكونة لظاهر تركيب الإنسان، مثل الجهاز الهضي والجهاز العصبي والجهاز التنفسي وغيرها من الخلايا والغدد التي لاتمل من العمل طوال حياة الانسان إلا بحصول طارئ عليها.
أما الروح فهي الجزء الذي يطابق البدن في الشكل ويغايره في التركيب، وبموجب هذا الجزء يتحرك البدن وبه تعيش الأعضاء، وعلى أساسه تعمل الأجهزة، وبواسطته تتم تفاعلات الكيمياء الحيوية في بدنه، وبها ينمو وعلى أساسها يتطور، وبدونها يموت الإنسان، وبفراقها ينتهي دوره في الحياة الدنيا بشكل معنوي. وقد ذكر الله تعالى تلك الروح في كتابه الكريم حين قال: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، بينما تمثل النفس مجمل الصفات السلوكية والنزعات البشرية والميول الإنسانية نحو الخير أو نحو الشر، فتكون النفس عبارة عن الدوافع التي تدفع الحواس من جوارح البدن التي تنشط بفعل الروح، فتدفعها نحو القيام بوظائفها على واحد من الوجهين إما الصحيح او الخطأ؛ إما الحق او الباطل..
فالنفس تقوم تارة بوظيفتها نحو الامتثال لأمر الله تعالى والتي تتجلى في اتباع مناهج التحضر في البناء واحترام الإنسان والاعتزاز بالإنسانية، وذلك بعد إخضاعها للتوجيه الصادق والتربية وفق القيم الفاضلة، فتكون النفس بهذا مطمئنة لا تدفع الجوارح إلاّ إلى الخير والصلاح، وهي التي بارك الله لها بقوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"، وتارة تقوم الجوارح بوظائفها في معصية الله التي تتجلى في التمرد على قيم الخير والصلاح والإصلاح في الحياة، معتمدة مناهج الهدم وثقافة التدمير وأساليب الفساد والتعطش إلى القتل والإفساد، فتكون النفس بهذا شريرة لا تأمر إلا بالسوء كما قال الله تعالى: "إن النفس لأمارة بالسوء". إلا إذا تهذبت على قيم الخير وتربَّّت على موازين الصلاح ونشأت على المحبة للإنسان والألفة معه والتي تتجلى بالطاعة لمناهج الله تعالى في خلقه فقال "إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي".
فالعين المادية في تركيبها – مثلا- تعمل بفعل وجود الروح فتبصر، فإذا اندفعت بدوافع شهوانية نتيجة الاختلال في ميزان ما يجب العمل به وما لا يجب، ونظرت إلى ما يحرم النظر إليه فستكسب إثما، وتلقى تبعاتها في الدنيا من أذى للروح وما يتبعه من جريمة وفساد اجتماعي، ثم عاقبة ذلك في الآخرة هو الخسران، أما إذا عملت في توظيفها لإبصار الأمور المأمور بها أو المباح النظر إليه دون ما نهي عنه، وذلك بموجب تهذيب الدوافع النفسية من خلال الإصغاء إلى توجيه الروح ونشاطها بفضل العمل بحجة العقل وحجة الأنبياء والرسل وأوصيائهم ـ صلوات الله عليهم ـ، فإنها تكسب الإنسان طاعة ورضواناً من الله أكبر، فتثبت عند المزالق وتنجح في المآزق، وهكذا الأمر بالنسبة إلى بقية الجوارح، فإذا استطاع الإنسان تهذيب دوافعه النفسية، أدخل الروح والجسد بما فيها الجوارح في طاعة الله ومن ثم في جنان الخلد بطمأنينة ورضى، أما إذا لم يربِّ نفسه ولم يزكِّها فإنما يزج بروحه وجسده في نار جهنم بعد تعذيبها نفسيا في هذه الدنيا .
وقد حذر ـ سبحانه وتعالى ـ عباده من ظلم الإنسان لنفسه ومجتمعه في ترك تربيته النفس وإطلاق العنان لأزمّتها في الحياة، كي تفعل ما تشاء، وتفكر ما تشتهي، وتصنع ما ترغب من دون قيد أو شرط فتظلم وتتطاول بلا وازع ولا مانع، فقال تعالى في وعيده: "إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا".
أما عن الذين تمردوا على مناهج الله تعالى في بناء الحياة وعمارة الأرض قال الله تعالى عن مصيرهم: "الذين كفروا قُطّعتْ لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم اُعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق"، وذلك إما لكفرهم العملي والاعتقادي، أو لكفرهم العملي دون الاعتقادي، وما ذلك إلا بسبب التنكر لتربية النفس على طاعة الله وأوامر القرآن وتعاليم الرسول ومناهج أهل بيته ـ صلى الله عليهم أجمعين ـ.
بينما الذين زكوا أنفسهم وهذبوها، وربوا ذواتهم وطوعوها للحق، فإنهم هم المفلحون الذين اطمأنت قلوبهم في الدنيا وفازوا بنعيم في الآخرة وهم الذين قال عنهم تعالى: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ".
والسؤال هنا؛ كيف يمكن ان تنعكس تربية الإنسان لنفسه على مسيرة تربية الأجيال القادمة؟ للجواب على ذلك يمكن قول الآتي:
أولا: بما ان الإنسان في دار اختبار، فعليه النجاح في الدنيا قبل الآخرة بعمارتها وبنائها وإصلاحها وصلاح أهلها .
ثانيا: الإنسان يحمل صفات وراثية تهيئه لأن يكون من رجال البناء والصلاح أو من دعاة الهدم وعمّال الفساد والإفساد، وأن الله تعالى لا يحاسب الناس على ما حملوا من صفات وراثية سيئة إذا لم يكن بمقدورهم تغييرها، بل يحاسبهم على ما عملوا في الحياة الدنيا بمحض إرادتهم الأمر الذي يستلزم منهم أن يكونوا على درجة عالية من الجهد في تربية النفس وتهذبيها، وهذا هو الذي سماه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالجهاد الأكبر.
ثالثا: على الآباء الالتفات بكثير من الوعي الى مناهج الإسلام الداعية إلى ضرورة الاهتمام بصياغة شخصية الطفل وهو في مراحله التكوينية المختلفة، منذ المراحل الاولى لاكتمال الرجل مرحلة النضج الذهني والبدني ومروراً بمراحل الزواج مثل الخطوبة ثم العقد الشرعي والزفاف، وفي المرحلة اللاحقة خلال نشأة الجنين في بطن أمه، وبعد الولادة ومسار نمو الطفل حتى يكبر ويبلغ أشدّه، عند هذه المرحلة يكون الآباء قد اعذروا في التربية، وصار النشء الجديد مسؤولا عن نفسه وتربيتها، وايضاً عن تربية أبنائه في المستقبل، وهكذا تدور دورة الحياة التربوية.
أما كيف يتمكن الإنسان من تطويع الصفات الوراثية قبل تطبيعها في السلوك والتربية؟ هذا ما قد وضع الإسلام فيه مناهجه واصوله، وهو ليس في مجال بحثنا الآن. لكن الذي ينبغي معرفته على سبيل التربية السليمة هو معرفة مكونات الجسم الإنساني حتى يعرف الانسان كيف يتعامل مع مسألة التربية قبل الولادة، عبر الاهتمام بالقضية الوراثية.
فالإنسان الذي يتكون من خلية واحدة عادة ما تنتخب فيها صفاته البدنية من مجمل صفات آبائه صاعداً إلى آدم -عليه السلام- ومجمل صفات أمهاته إلى حواء، حتى تتكاثر خليته الأولى وتنمو فتصبح إنسانا كاملا تلج فيه الروح وينمو البدن ويخرج إلى الأرض طفلا سوياً، عندها يبدأ بالحركة والتمييز والتفكير، ثم يعمل إما حسب أوامر الذي خلقه وسوّاه ومناهجه، وإما حسب رغبات الشيطان وحبائله حتى يحين أجله ورحيله من دار الدنيا، فيعود الجسد إلى مكوناته الأرضية الأولى وعناصره الترابية السالفة، وتذهب روحه إلى عالم البرزخ، لينعم أو يعذب حسب ما جنت يداه، ريثما يعود إلى الحياة ثانية فتعاد صياغة تركيبة بدنه من ذات الخلية الأولى وبنفس المواصفات التي لا ينكرها أحد، وتلج روحه فيه مرة أخرى، ليقوم مجيبا على أعمال جوارحه المادية المنفعلة بفعل دوافعه النفسية ومقدار هيمنة العقل على تلك النفس الموظفة في طاعة الله، ليدخل الجنة الأبدية بفضل نعمة حياة البدن بالروح وتهذيب النفس على الطاعات، وترويض الجوارح على الخيرات، وحمل النفس على مكارم الأخلاق ومراضي الأفعال .
أو يقوم مجيبا ربه على أعمال جوارحه وتصرفات جوانحه إذا كانت موظفة على غير طاعته بعد أن استبدل مناهجه التي وضعها بمناهج الذي خلقه فسواه فعدله وفي أي صورة ما شاء ركّبه، ليذهب بعدها إلى ما قد حذّره الله منه.
المهم أن الله تعالى خلق الإنسان من خلية واحدة، ليصبح مسؤولا، وليُمتحن في الحياة الدنيا بما ينبغي العمل به وليكون: "أما شاكرا وإما كفورا".
|
|