قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

حجم المهمة الرسالية والمكافأة التاريخية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *منير عبد الخالق
لمّا أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السّلام ـ فوقعوا له ساجدين، تساءلت الملائكة عن حكمة السجود لهذا المخلوق الجديد، ولماذا ينبغي لملائكة السماء والأرض بل لهذه الموجودات الروحانية المكلّفة بالطبيعة أن تسجد لهذا المخلوق الضعيف الذي خلق من طين؟ فكان البيان الإلهي "إِنَّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون" بياناً لنا عن الحكمة الربّانية في الأمر بالسجود لآدم الذي قد أوتي علم الأسماء كما جاء في قوله تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا".
ومن هنا راح الإنسان يتساءل عن علّة خلقه على هذه البسيطة وسبب تسخير الطبيعة له بهذه الطريقة الفريدة، والجواب في علم الله ـ تبارك وتعالى ـ، بل هكذا شاءت حكمته. لكن الذي نستوحيه من الآيات القرآنية، بل الذي يتبادر إلينا من استقراء تأريخ الإنسان على وجه هذه البسيطة هو أن هذا الإنسان الضعيف استطاع أن يسبر أغوار المحيطات العميقة وأن ينفذ في أقطار السموات فيحلّق في الفضاء اللاّمتناهي ويفكر في غزو الكواكب، بل أن يفلق الذرّة، ولعلّ المستقبل القريب يكشف عن كثير من القدرات والإمكانات، وكل ذلك بسلطان العلم الذي وهبه الله ـ عزّ وجلّ ـ لهذا الإنسان.
ولا ريب أن الإنسان الأوّل كان في الظاهر ضعيفاً تجاه غيره وأقل قوّة وقدرة من كثير من الكائنات الحيّة التي سبقته في الحياة، لكنّه استطاع بالعلم الذي وهبه الله إيّاه أن يكون بالشكل الذي نراه اليوم ونجده قادراً على كثير من الأمور. فقديماً كانت قدرة الإنسان وقوّته توسم بالضعف إذا ما قورنت بسائر المخلوقات آنذاك، وهذه المقارنة هي التي كانت تحدد الفرق بين الإنسان وسائر الأحياء فيوصف بأنه ضعيف، لأنه – وعلى سبيل المثال – حين تقارن سرعته بسرعة الفرس، فالفرس أسرع منه بكثير، لكن هذه السرعة أصبحت اليوم لا تقاس بسرعة الصواريخ العابرة للقارات والمحيطات والمخترقة لأعماق الفضاء، وذلك كلّه بفضل الهبة الإلهية، بفضل العلم الذي صيّر الفرق واضحاً جلياً بين الإنسان من جهة وبين سائر المخلوقات من جهة أخرى.
لكن ما هي مسؤوليتنا تجاه الخالق الواهب لهذه النعمة الكبرى؟ في مقابل هذا العلم وهذه النعمة يأمرنا الله ـ عزّ وجلّ ـ أن نخلص له العبادة، ويأمرنا بأن نعبده وحده وأن تكون عبادة الإنسان لله ناشئة من إرادته ومن قراره الشخصي بكامل حريته إذ "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين"، لأنّ الدين الذي يأمرنا الله أن نلتزم به هو الدين البعيد عن أي نوع من الإكراه أو الاضطرار، فالصلاة – مثلاً – خوفاً من العقاب الدنيوي، وحتى رغبة في الثواب الدنيوي غير مقبولة عند الله تعالى، إذ هو ـ سبحانه وتعالى ـ غني عن العباد، وفقه الصلاة الصحيحة المقبولة عند الله عزّ وجلّ – كما هو في أقوال الفقهاء – يتمثل في خلوص النيّة لله تعالى. وأمّا التظاهر بالعبادة رياءً ودونما إيمان أو اعتقاد، فهو ليس سوى أفعال بلا محتوى وبلا مضامين.
هنا تتضح لنا سنّة الله تعالى في هذا الكون والفكرة الأساس التي تدور حولها هذه السنّة الإلهيّة، ألا وهي مسؤولية الإنسان تجاه خالقه وتجاه أبناء جنسه، بل وتجاه هذا الوجود بأكمله. وهنا تتجلّى عظمة الإنسان الموهوبة من قبل الله تعالى، وهي الكرامة التي منحها تعالى للإنسان حيث أكرمه بهذه المسؤولية في قبال العلم، ذلك السلطان الذي وهبه إيّاه. ففي مقابل تسخير الطبيعة للإنسان فقد كلّفه الله مسؤولية عبادته وحده، انطلاقاً من الحرّية الذاتية إذ هي الخلوص بالعبادة لله وحده، عبادة غير مشوبة بالرياء أو السمعة أو الطمع أو الخوف أو أية شائبة أخرى.
وأكثر ما تتجلى هذه المسؤولية وتصبح واضحة وتثبت على صفحات التأريخ في عهد الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ، حيث تكبر الصراعات بشكل يتناولها التأريخ بمزيد من الحساسية كأحداث شاخصة لها وزنها وأثرها وموقعيتها فتغدو عبر العصور والقرون وتخلد بخلود الزمن، مثالاً على ذلك، حدثان اتفقا في عام واحد: فتح خيبر وعودة جعفر الطيّار من الحبشة بعد أن قاد ثلة من المسلمين بأمر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الحبشة والتقى ملكها حيث كانت الظروف قاسية جداً على المسلمين وكانوا في شدّة ففرّج الله عليهم، وعدّ هذا الحدث فتحاً أيضاً لما حقق من إسلام ملك الحبشة إثر هذه الحادثة التأريخية. هذان الحدثان كانا سبباً لسرور النبي وفرحه، حيث قال حينها: (لا أدري بأيهما أنا أشد سروراً؛ بقدومك يا جعفر، أم بفتح الله على أخيك خيبر)؟
وحقاً كانت محطة للانطلاق من جديد بزخم اكبر في مسيرة الرسالة، أوجدت حينها حالة تستدعي أن يكافأ هذا القائد العائد من الحبشة، فكانت جائزة جعفر أن علّمه النبي صلاة خاصّة، وهي الصلاة المعروفة بـ (صلاة جعفر الطيّار)، وهذه الجائزة الخالدة بخلود التأريخ الباقية بقاء الشمس والقمر، لم تكن مقاطعة من المقاطعات، او حفنة من الدنانير والدراهم، فلو أن الرسول الاكرم ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد منح جعفراً مقاطعة ما لزالت وانتقلت إلى غير جعفر بعد وفاته، لكن صلاة جعفر خلدت بخلود الإسلام.
هذا جعفر وذاك حيدر فاتح خيبر، حيث قال فيه النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في واقعة الخندق الشهيرة: (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين). ترى كم استغرقت ضربة علي منذ أن ارتفع السيف حتى هوى، إن هي إلاّ لحظات من الزمن وقعت في ظرف حساس، لكنها قوبلت بجائزة النبي الكريم بأنها أفضل من عبادة الثقلين.. وقبل ذلك فان الله ـ سبحانه وتعالى ـ يخلّد أحداثاً كهذه ومثل هذه الساعات كما جاء في كتابه الكريم "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى"، لعلّ هذه الحادثة اتفقت في مدينة أنطاكية وهي مدينة عربية تقع في ديار بكر شرق تركيا، حيث كانت آنذاك منطقة حساسة جداً، لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ بعث بنبيين دعواً إلى رسالة النبي عيسى ـ عليه السّلام ـ فآل مصيرهما إلى السجن، لكن الله ـ تبارك وتعالى ـ عززهما بثالث – في قصة طويلة أشارت إليها سورة ياسين المباركة – حيث استطاع هذا النبي الآتي من أقصى المدينة ومن وسط المحرومين والمستضعفين الذين يعيشون عادة في أطراف المدن وفي حاراتها الفقيرة؛ وفي ظروف صعبة ورهيبة؛ جاء وهو يحمل إيماناً برسالة النبي عيسى ـ على نبينا وعليه السّلام ـ إيماناً يكتمه في قلبه، جاء وقد اغتنم اللحظة المناسبة والساعة المؤاتية ليعلن ويبيّن صدق الرسالة وفحواها، جاء ليقول كلمة حق أمام سلطان جائر، كلمة لها وقعها وقيمتها وهي أن تشهد بشهادة الحق وفي الوقت المناسب فتزعزع بها كيان الكفار وتزلزل بها عروش الطغاة.
جاء النبي يسعى من وسط المستضعفين ومن أقصى المدينة ليتحدث للناس بقوة وعزيمة منطلقاً من إيمانه بعقيدته فراح يأمرهم باتباع المرسلين، لأنّ اتّباع الناس للمرسلين هو الحجة البالغة إذ أنهم لا يسألون الناس أجراً "اتّبعُوا مَن لاَ يَسْأَلكُم أَجْراً"، ولأنهم مهتدون فهم يحيون حياة طيبة، وراح يخاطب نفسه فيقول: "وَمَالِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنَ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ"، قال ذلك كلّه ثم حسم مقولته فقال: " إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُم فَاسْمَعُونِ" متحدياً الجميع بإيمانه بالله ـ تبارك وتعالى ـ، هذه الساعات الحاسمة التي انتفض بها هذا النبي ليقاوم الطغاة وكل التيارات الفاسدة، والتي أعلن فيها إيمانه حيث قال: " إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُم فَاسْمَعُونِ" وكانت جديرة بأن يثبتها التأريخ، بل هي جديرة بأن يذكرها القرآن الكريم كمواقف جريئة تنبع عن إيمان بالعقيدة وعن استعداد للدفاع عنها في كل الأحوال والظروف وبغض النظر عن النتائج الآنية الدنيوية. لذا لم يذكر القرآن الكريم المصير الذي آل إليه هذا النبي العظيم في أعقاب إعلانه الرسالة، وإنما يذكر انه دخل الجنّة؛ فالجنّة التي هي جزاء الإنسان الذي يحمل رسالة ويريد نشر ثقافة التوحيد في الأرض.
ان الإنسان كفرد وكمجموعة لابدّ وأن يتحمّل مسؤولياته دونما اكتراث أو اهتمام بما سيواجه من العقبات والمشكلات، لأنه إنما يقوم بواجبه ويؤدي مسؤوليته عن إيمان راسخ غير متزعزع بصحة عقيدته، ولأنّ هناك رباً يحكم هذا الوجود ويديره ويدبره، بل ويهيمن عليه وحده وهو القادر والبصير الذي يقرر مصير العباد حيث إليه المصير، فالإنسان يقوم بدوره في هذا الوجود بوصفه جزءاً لا ينفصل عنه، ولأنه وجد ضمن هذه المنظومة الكونية وبالتالي ضمن سنّة إلهيّة كبرى وما بقي بعد ذلك فإن الله به كفيل.