قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

ولاية علي ـ عليه السلام ـ عامل توحد الأمة الإسلامية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *علي الظميري
إتفق المسلمون على رواية الحديث النبوي القائل: (مثل أهل بيتي كسفينة نوح؛ من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)، واتفقوا أيضاً على عشرات من الروايات والأحاديث، الى جانب العشرات من الآيات القرآنية الكريمة الواردة بحق أهل البيت -عليهم السلام- مما تبين وتؤكد مكانتهم العظمى، كما يعترف كثير في قرارة أنفسهم بان لأهل البيت ـ عليهم السلام ـ الشأن الأعظم عندالله عزوجل، وأنهم هم الذين يفترض بالناس التزام نهجهم وسيرتهم في الحياة.
لكن رب سائل يسأل بكثير من الاستغراب عن عدم تطابق هذا الإقرار مع المواقف والاعمال الصادرة من بعض اتباع المذاهب الاخرى لاسيما النخبة فيهم؟ حتى لتبين مواقفهم ازاء أهل البيت والتراث الذي خلفوه والقائم حالياً، متعارضة تماماً مع النصوص الواردة عن الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ والقرآن الكريم والتي لايقوون على انكارها علناً.
وأمامنا العشرات من الكتب التاريخية لاسماء بارزة تؤكد وتقر أحقية أهل البيت –عليهم السلام- في خلافة الرسول الاكرم، وتؤكد مكانتهم الاجتماعية وفضائلهم، ومن ذلك ما جاء في كتاب (الصواعق المحرقة) لان حجر العسقلاني بحق الامام علي -عليه السلام- بانه المقياس الأكبر لإدخال الناس إلى الجنة أو النار يوم القيامة، وأنه لايجوز على الصراط يوم القيامة من ليس بيده صك بولاية علي بن أبيطالب! لكن في نفس الوقت نجد هذا المعترف والمقرّ، يتخذ موقف الموالاة والطاعة لألدّ أعداء أميرالمؤمنين عليه السلام، وكأن الأمر لايعنيه، أو كأنه لايقيم لاعترافه وزناً، أو لم يصدر منه الإقرار بأن من لم يوال علياً ولاية الطاعة والائتمان سيكون مصيره إلى النار.
ولعل نزول آية التبليغ في علي -عليه السلام- يوم الغدير كانت أكبر شاهد من السماء على وجوب طاعة الوصي الأعظم لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ، فقد جاء في قوله تعالى في سورة المائدة: "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس"، ونقلت جميع المذاهب الاسلامية أنها نزلت في بيان فضائل علي عليه السلام حيث أخذ النبي بيد علي وقال هاتفاً في منطقة غدير خم: أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحقّ معه كيف دار.
وأجمع أئمة التفسير والحديث والتاريخ على ان المقصود بـ(المولى) يُراد به الأولى بالتصرف لتقدم كلمة ألستُ ولعدم صلاحية غيره هنا، وكذلك تواتر نزول الآية الكريمة في يوم الغدير وخطبة النبي صلى الله عليه وآله في هذا اليوم بمحضر مائة ألف أو يزيدون.
أما الأحاديث النبوية المتواترة المؤكدة لفضائل أهل البيت وإمامتهم ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فهي أكثر من أن تحصى وقد صنّف علماء المسلمين مشاربهم كافة وها نحن نشير إلى بعض الأحاديث بهذا الصدد بحيث تقيم الحجة على كل ذي لبّ ومسؤولية إزاء الدين والعقيدة، ومن ذلك ما رواه الحمويني في (الفرائد) و(ينابيع المودة) و(أسد الغابة) و(كنز العمال) و(تاريخ بغداد) و(مجمع الزوائد) و(فضائل الخمسة في الصحاح الستة)، وهذه الكتب تُعد من أمّات المصادر لدى المذاهب الاسلامية المختلفة، قال النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ لعمار: (ستكون في أمّتي بعدي هناة واختلاف، حتى يختلف السيف بينهم، حتى يقتل بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، يا عمار تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك، إن علياً لن يثنيك من ردى، ولن يخرجك من هدى، يا عمار، من تقلد سيفاً أعان به علياً على عدوه، قلّده الله يوم القيامة وشاحين من در، ومن تقلد سيفاً أعان به عدوه، قلّده الله وشاحين من نار، فإذا رأيت ذلك، فعليك بهذا الذي عن يميني ـ يعني علياً ـ وإن سلك الناس كلهم وادياً، وسلك علي وادياً، فاسلك وادياً سلكه علي وخلّ الناس طراً، يا عمار إن علياً لايزال على هدى، يا عمار إن طاعة علي من طاعتي وطاعتي من طاعة الله تعالى).
إذن يمكن ان ندرك عمق المأساة التي تعاني منها الامة الاسلامية، ففي بطون الكتب نجد مئات الاحاديث عن أئمة المذاهب المختلفة كلها تقر بأفضلية علي بن أبي طالب وفضائله وايضاً فضائل أهل بيت رسول الله، لكن في التطبيق العملي وعلى صعيد الواقع يشهد المسلمون المذابح المروعة والصراعات الدموية بسبب الجهل والتضليل، والعراق هو اكبر شاهد ودليل بل وعبرة لكل المسلمين لاسيما شريحة العلماء والمثقفين.
والحقيقة الأهم من ذلك ما نشهده من نتائج إقصاء أهل البيت ـ عليهم السلام ـ عن مناصبهم ومراتبهم التي رتّبهم الله فيها، وكيف أن الأمة المسلمة كانت ـ ولاتزال ـ تعاني الضياع والضلال والتيه بسبب هذا الإقصاء المروّع الذي تنبأ به نبينا الأكرم حيث اشترط على تجنّبه واتقاء وقوع ضرره بالتمسك بمنهج العترة الطاهرة مما يؤكد على أن الواقع المرير الذي تعانيه البشرية جمعاء فضلاً عما تعانيه الأمة المسلمة من مآسٍ عظيمة وكثيرة إنما سببه الأول والرئيس هو واقع غيبة حجة الله في أرضه والذي كان هو الاخر نتيجة لإقصاء أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وإعلان الحكومات المتعاقبة أبشع أشكال الحرب عليهم وتأليب الناس ضدهم وتغيير وتحريف التعاليم السماوية والاستخفاف بالقيم والأحاديث النبوية التي وردت بحقهم وهي تؤكد جميعاً أن الحق المطلق معهم وأن الباطل ديدن أعدائهم.
من هنا فان من الصعب على الشعوب الاسلامية التخلص من الفجائع التي تحلّ بها والتقدم ولو خطوة واحدة نحو الخلاص ما دامت لاتضع يدها على مكمن العلّة ونقطة الخلاص، وستبقى كذلك حتى تؤوب الى رشدها فتتبرأ من الأدعياء وتتقرب إلى الأولياء الذين جعلهم الله تعالى عماد الدين وأساس اليقين وحبله المتين..
وهناك دلائل أخرى وهي أكثر من أن تحصى تشير بمجموعها إلى أن العديد من الفقهاء والمفسرين والمحدثين ممن هم على غير مدرسة أهل البيت ـ عليهم الصلاة ـ قد صدرت عنهم نصوص اعترافات بأحقية العترة الطاهرة المطهرة وتقدمها على جميع أفراد الأمة من أولهم إلى آخرهم ولكن امام هؤلاء يبقى القارئ المسلم حائراً في اسباب عدم انتمائهم لمدرسة الولاية.
فتراهم يعنى المعترفون عن قصد أو غير قصد بتأويل الآيات والأحاديث وهم الذين قد يصلون إلى حد تكفير الشيعة لأنهم لايكتفون بظاهر النصوص الدينية وإنما يؤمنون بتأويل الآيات القرآنية بناءً على ما وردهم من النبي المصطفى وعترته الطاهرة المطهرة، والحال أن آية قرآنية واحدة أو حديثاً نبوياً واحداً يكفي ظاهرهما لاعتقاد وجوب التمسك بأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ودحض التمسك والإيمان بزعامة غيرهم ممن نصّب نفسه إماماً للأمة بدلاً عنهم مثل قوله تعالى: (وأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ).
إذ اجمع المفسرون على صحة سند الحديث النبوي الشريف الوارد في هذا القول القرآني بأن أولي الأمر بعد النبي هم علي وأولاده المعصومون المطهرون لأن الله تعالى تجلّت ربوبيته عن أن يقرن طاعته وطاعة رسوله بطاعة أشخاص تصدر عنهم الأخطاء صغيرة أو كبيرة بل إنه ـ سبحانه وتعالى ـ حتى حينما أمر بطاعة الوالدين شرط على الأولاد أن لاتمر طاعتهم لآبائهم وأمهاتهم ضمن طرق يُشمّ منها رائحة الشرك والظلم بأنواعه رغم قداسة مكانة الأبوين..
وعليه فلا يبقى مبررٌ ما لإقحام بعض مفسري العامة بغض النظر عن صلاحيتهم من عدمها في التفسير، في تأويل معنى الولاية بأنها مجرد الاعلان النبوي عن أن من أوكلت له الولاية كما في خطبة الغدير هو ناصر للمؤمنين في المواقف الحرجة وهذا الذي يفسر القرآن بهذا الشكل تراه يقرّ ويعترف في مناسبة أخرى بأن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ هم أشرف وأسمى من أن يقاس بهم أحدٌ من الناس، كما ورد ذلك عن الامام أحمد بن حنبل حينما سأله ابنه: من هو أفضل الناس بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فأجابه قائلاً: هو أبوبكر وعمر وعثمان وطلحة وأبوذر فسأله ولده عن سبب تغافله عن ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين فأجابه مُصدعاً بالقول بأنه قد سأله عن أفضل الناس وقد بيّن له، في حين أن العترة الطاهرة غير خاضعة للتقويم الذي يشمل عموم الناس.
ولاتزال الأمة المسلمة تجد نفسها في عسر وحرج مالم توحّد أفكارها واعمالها منطلقة من مصدر الهدى والحق بشهادة القرآن ورسول الاسلام حيث قال: (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، فانطلاقة الأمة ويقظتها من هذا السبات العميق الطويل والغيبوبة المقيتة لن تكون إلا من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وهي بيوت محمد وآل محمد ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ.