تحت الضوء
كربلاء.. تأبى ثقافة الموت
|
نقترب شيئاً فشئياً من يوم الخامس عشر من شهر شعبان المعظم حيث يتوافد المؤمنون وباعداد هائلة من داخل وخارج العراق صوب كربلاء لزيارة الامام الحسين ـ عليه السلام ـ في هذا اليوم والمعروفة بالزيارة الشعبانية، وقبل ان يفكر احد باعداد المجاميع الزائرة سيراً على الاقدام او بتحضير مستلزمات السفر الى مدينة التضحية والإباء، كانت السلطات الامنية سباقة في استعاداتها التي تشكل امتداداً للاجراءات الامنية والعسكرية المتبعة منذ الزيارة الشعبانية العام الماضي، وذكرت بعض المصادر ـ والعهدة على الراوي ـ بان سلطات الامن الكربلائية نصبت (200) كاميرا مراقبة ونشرت حوالي سبعة آلاف عنصر أمن ينقسمون الى فئتين: الفئة العسكرية ببزاتهم الرسمية وهم خمسة آلاف فيما تنتشر فئة الامن السري وعددهم ألفي عنصر بملابسهم الخاصة.
وسواء بالغ المصدر في الارقام ام هي قريبة من الواقع، فان النتيجة واحدة لان مركز كربلاء المقدسة مسورة حالياً بابواب حديدية ضخمة اقرب ما تكون من ابواب البيوت الكبيرة او البساتين، وقد نُصبت عندها مقرات تفتيش، فيما تنتشر على اسطح الفنادق والبنايات العالية متاريس للقناصة وعناصر الجيش، وفي الشوارع والطرقات تتجول الدوريات المدججة بالسلاح، والملفت إن من التسميات الجديدة التي وصلتنا خلال السنوات الماضية، تسمية (المدينة القديمة) والصقت بالمدن المقدسة وتحديداً النجف الاشرف وكربلاء المقدسة ويقصدون بها المنطقة المحيطة بالمراقد المقدسة، كما يطلق على المنطقة المحيطة بالمسجد الاقصى في فلسطين المحتلة بالمدينة القديمة، وربما هي الصدفة وحسب.
اعتقد ان فترة الخمس سنوات تكون كافية لان نعي حقيقة كربلاء المقدسة، فهي ليست كمنطقة الجيزة او الأُقصر في مصر والتي تضم الاهرامات والمعابد القديمة ومعالم اثرية تعد ثروة سياحية حيوية لابد من الحفاظ عليها من الايدي العابثة، ولا هي كالمدن الرياضية التي تشهد احداثاً عالمية كبرى فيحتشد فيها الآلاف ويتابع احداثها الملايين في العالم؛ انها بكل بساطة عبارة عن عدة شوارع ضيقة ومساكن ومتاجر كلها تحوم حول مرقدين صغيرين، لكن ابعادهما الحضارية والانسانية تملأ الخافقين.. والى تلك المعاني والابعاد والدلالات يفد الالاف وحتى الملايين الى هذه المدينة الصغيرة مع علم الجميع بانها تخلو من الخدمات السياحية والترفيهية من طعام او نقل او... غير ذلك كثير، انهم يأتون ليتعلموا من الحسين واخيه أبي الفضل العباس كيفية العيش دون ان يُذلوا او يخزوا لا في الحياة الدنيا ولا في الاخرة، فهل يمكن ان نقول ـ بعد هذا ـ للزائرين الوافدين الى كربلاء المقدسة انه لولا قوات الجيش وعناصر المخابرات والقناصة لما تمكن احد من الزيارة ولا استلهم شيئاً من إمامه ومقتداه؟!
إن الزائرين وكل اتباع اهل البيت ـ عليهم السلام ـ لا يخشون الموت الظاهري إذ "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ"، بقدر خشيتهم من الموت المعنوي، وهو ما علمنا اياه إمامنا الحسين ـ عليه السلام ـ واقوى دليل على نقول، الحقبة الماضية حيث وفر نظام صدام الأمن الظاهري للناس، في نفس الوقت لم يتوقف عن تحطيم شخصية الناس وقتلهم معنوياً باساليب وطرق مختلفة، ولذا شهدنا وشهد العالم ان الاصنام تهاوت غير مأسوف عليها لان حقيقة الأمن آنذاك كانت تحوم حول تلك الاصنام وحسب.
واذا كان ثمة غموض في مفهوم الحياة المعنوية او عجز البعض عن ادراك معاني ودلالات نهضة الامام الحسين ـ عليه السلام ـ فما عليه إلا الاستفسار من الشعب الهندي الذي يعبد الكثير منهم البقر! حيث قال قائدهم ومحررهم من الاستعمار البريطاني: (تعلمت من الحسين كيف اكون مظلوماً فانتصر)، فالشعب الهندي كان يرزح تحت سطوة الاستعمار البريطان حوالي خمسة قرون وهي فترة ليست بالقصيرة، ولم يتحرر من قيوده وعبوديته إلا بهذه المقولة التي يرفعها البعض على الجدران في كربلاء المقدسة؛ ومعنى هذا ان الشعب الهندي تعلم كيف يعيش حراً كريماً لا يخشى أية قوة في العالم لكن يعجز الكربلائيون عن ذلك وقد يعّدون انفسهم اليوم اسياداً وحكام بعد سنوات المحنة والتمييز والاضطهاد!
اقول هذا واكرر ما ذكرته في مناسبات مضت ان الاجراءات الامنية والاستحقاقات السياسية لا يجب ان تفرض فاتوراتها على المناسبات الدينية والاوساط الاجتماعية وحتى الحالة المعيشية للناس، فلا يختلف اثنان على اهمية الامن والاستقرار كونها مسألة وحاجة فطرية عند الانسان، لكنها تبقى شأن الحاكم والحكومة في ان تبسط جناح الأمن بشكل يشعر الناس معها بطعم الحياة.
|
|