قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
في ذكرى ولادته المباركة..
فلسفة الحكومة ومهامها عند الامام علي عليه السلام
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة نـزار حيدر
للامام علي بن ابي طالب عليه السلام، فلسفة في الحكم، تختلف جذريا عن فلسفة الاخرين، فاذا كانت السلطة، بنظر غيره، وسيلة عامة من اجل تحقيق اهداف خاصة، فانها، برأي الامام، وسيلة عامة لتحقيق اهداف عامة، فالموقع، عنده، مسؤولية برقبة الحاكم لينجز الاهداف الانسانية النبيلة التي تنتهي بالناس الى تحقيق حياة حرة كريمة، والى نهاية ترضي الله تعالى وتكسبهم رضوانه في الاخرة... يقول الامام عليه السلام واصفا امر الخلافة التي جاءته بقوله {والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية اربة، ولكنكم دعوتموني اليها، وحملتموني عليها}. وهو القائل قولته المشهورة عندما جاءه الناس يريدون مبايعته للخلافة {دعوني والتمسوا غيري{. لقد كان الامام على استعداد لان يكون كاحد الرعية، اذا لم يكن حاكما، من دون ان يدفعه ذلك الى التآمر على الحكومة او افشال خططها او عرقلة مشاريعها، بل كان على استعداد لان يكون الاصلح من بين كل المواطنين في الامة، شريطة ان لا يُفرض الحاكم عليها بقوة السلاح او يصل الى سدة الحكم بسرقة مسلحة (انقلاب عسكري) او يرثها عن ابيه، فالمهم عند الامام رضى الرعية عن حاكمها، لانه عليه السلام مع ارادة العامة، بغض النظر عن صحة اختيارها من عدمه، وهو عليه السلام يحاول، بهذا المفهوم، ان يعلم الامة معنى الالتزام وتحمل مسؤولية الرأي والصوت الذي يمنحه المرء الى اي شاء، ليكون حريصا على رأيه، فلا يبيعه او يتاجر به او يساوم عليه، يقول عليه السلام {وان تركتموني فانا كاحدكم، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم، وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا{. ولقد قبل الامام الحكومة، ليس من اجل ان يثرى من المال العام، او ان يتبجح باللقب، او ان يامر وينهي او يستاسد على الرعية، او ان يقرب هذا ويبعد ذاك على اساس القربى والعشيرة والانتماء الحزبي او المناطقي، او ان ينتقم ممن ظلمه واغتصب حقه فيما مضى من الليالي والايام، او ان يظلم ويتجاوز على حقوق الرعية، او ان يتصرف بالمال العام كما لو انه ارث خاص به..يقول عليه السلام {الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه} فلا محاباة ولا اثرة ولا محسوبية ولا رشاوى ولا فساد مالي واداري ولا تمييز بغير عدل وانصاف ابدا. بل انه عليه السلام رفض ان يكتفي من الحكومة بعنوانها من دون ان يشارك الطبقة المستضعفة حياتهم اليومية... ولم يكن الامام عاجزا عن نيل المنى، ولكنها المسؤولية وتقوى الله تعالى التي تحول بينه وبين ان يميز نفسه عن الرعية بغير حق، وعلى الحكومة، من وجهة نظر الامام، تقع اربع مسؤوليات استراتيجية، وهي:
اولا؛ المسؤولية الاقتصادية، وما يترتب عليها من ايجاد فرص العمل والقضاء على البطالة، واستصلاح الاراضي، وتنمية الصناعات الغذائية على وجه التحديد، وتأمين الحد المناسب للعيش الحر الكريم، لكل مواطن. ثانيا؛ المسؤولية الامنية، وما يترتب عليها من محاربة جماعات الارهاب والقضاء على الجريمة المنظمة، والدفاء عن البلاد والعباد من مخاطر العدوان الخارجي، لتامين حياة آمنة ومستقرة، للناس، كل الناس. ثالثا؛ المسؤولية التعليمية والتربوية، من خلال مشاريع القضاء على الامية والجهل والتخلف، وتامين فرص التعليم والبحث، وايجاد المناخ المناسب لتطوير مهارات الناس، بما يساهم في تطوير المجتمع وتنميته، وبما يساهم في الاخذ بادوات المدنية والحضارة، مع الاخذ بنظر الاعتبار، تطور الزمن، وحاجات كل جيل. رابعا؛ مسؤولية البناء والاعمار المادي، من خلال اطلاق مشاريع الاستثمار والتطور العمراني، بما يساهم في القضاء على ظاهرة الازمات المادية المستفحلة كالسكن والنقل والتلوث البيئي، وغير ذلك. ولقد لخص الامام عليه السلام هذه المسؤوليات الاستراتيجية الاربع، في بداية عهده الى مالك الاشتر عندما ولاه مصر، موضيا له بــ:{ جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح اهلها، وعمارة بلادها{...ان الهدف الاسمى لأية حكومة، هو تحقيق السعادة للمجتمع، من خلال توفير فرص العيش الحر الكريم لكل شرائحه، من النساء والرجال والكبار والصغار والقادر والعاجز، وكذلك العامل وغير العامل، وان هذا لا يتم الا من خلال العمل على هذه المسؤوليات الاربع بالتوازي وبالتساوي، ليتم انجازها، او العمل على انجازها، دفعة واحدة، لانها تكمل بعضها البعض الاخر. ومن اجل تحقيق هذه المسؤوليات الاستراتيجية الاربع، يرى الامام ما يلي:
اولا؛ ان يكون الحاكم رؤوفا برعيته، يحبهم ليحبونه، ويلطف بهم، فلا يكن سبعا ضاريا يتصيد الفرص لياكل حقوقهم، يقول الامام علي عليه السلام، في عهده الى محمد بن ابي بكر حين قلده مصر {فاخفض لهم جناحك، والن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس لهم في اللحظة والنظرة} ويقول عليه السلام موصيا مالك الاشتر في عهده اليه عندما ولاه مصر {واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان، اما اخ لك في الدين، او نظير لك في الخلق} والعبارة الاخيرة تؤسس لفلسفة المواطنة في حكومة الامام، فلا تمييز ولا طبقية ولا درجات في تصنيف الجنسية (المواطنة) فالكل في حكومة الامام مواطنون من الدرجة الاولى... لا فرق بين المواطنين لا على اساس الدين او المذهب او القومية، ولا على اساس المناطقية او الحزبية او التوجه الفكري والسياسي والثقافي، فلا توجد محاصصة تحرم الكفاءات والطاقات والخبرات من فرص العمل والانتاج والابداع، وتاليا تحرم البلد والمجتمع من طاقات خلاقة تحاول ان تتبوأ مكانها الطبيعي لتنتج وتخدم، كما انه ليس للحزبية الضيقة (العصبية المقيتة) مكانا في حكومة الامام، فلا يفضل شرار قومه على خيار قوم آخرين، فقط لانهم ينتمون الى الجهة او الحزب الذي ينتمي اليه، واولئك لا ينتمون.. ثانيا؛ ان لا يفكر الحاكم بظلم رعيته، ابدا، فالظلم يقصيه عن الموقع، طال الزمان ام قرب، كما ان الظلم يزيل الدول عن مواقعها، ولذلك جاء في الماثور {يدوم الحكم مع الكفر، ولا يدوم مع الظلم} لان المهم عند الناس هو عدل الحاكم وليس دينه، والى هذا المعنى اشار رسول الله (ص) عندما امر المسلمين بالهجرة الى الحبشة بعد الظلم والعسف الذي تعرضوا له على يد صناديد قريش والكافرين والمشركين، عندما قال لهم، لان {بها ملكا عظيما لا يظلم عنده احد} من دون ان يشير الى دينه او قوميته او مذهبه.. يقول الامام عليه السلام {انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فانك الا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله ادحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع او يتوب، وليس شئ ادعى من تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم، فان الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد}. ولكم، ايها الحاكمون، في الطاغية الذليل صدام حسين ونظامه الشمولي الديكتاتوري البائد، خير دليل وبرهان على ما يقوله الامام عليه السلام. ثالثا؛ على الحاكم ان يحترم الراي العام، فلا يتجاوزه او يحاول تجاهله، فالراي العام يعني، عادة، الاغلبية من الشعب، وهو يعبر، عادة، عن رأي جمعي يحتاجه الحاكم اذا اراد ان يقيم سلطانه بالعدل وبعيدا عن القهر والقوة وسوط الجلاد. ان الحاكم الصالح لا يحاول ارضاء الاقلية على حساب الاغلبية، كما انه لا يسعى الى اسكات الوسائل التي تعبر او تحاول التعبير عن الرأي العام، ...ان الحاكم الذي يصب كل اهتماماته من اجل ارضاء الخاصة (الاقلية) وان كان على حساب العامة (الاغلبية) سيفشل في اقامة السلطة العادلة، فهو من اجل ارضاء الخاصة سيستعمل السيف لإسكات العامة، ولذلك فان حاكما همه رضى الخاصة سيتعب من دون ان يحقق ما يريد من اهداف الرعية، يقول الامام عليه السلام {وليكن احب الامور اليك اوسطها في الحق، واعمها في العدل، واجمعها لرضى الرعية، فان سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، وليس احد من الرعية اثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، واقل معونة له في البلاء، واكره للانصاف، واسال بالالحاف، واقل شكرا عند الاعطاء، وابطا عذرا عند المنع، واضعف صبرا عند ملمات الدهر من اهل الخاصة، وانما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للاعداء، العامة من الامة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم{. ومن اجل ان يكون الحاكم كذلك، لابد من الشفافية في التعامل مع الرعية، فاذا اشيع عنه ما يطعن في وفائه مثلا، او في امانته واخلاصه، او في نزاهته، او ما الى ذلك، عليه ان يبادر الى توضيح الموقف، علنا ومن دون تدليس او كذب او تلفيق او حتى تضخيم او تهويل،، فلا يتردد في ذلك. فوضوح العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يساهم بشكل فاعل وكبير في بناء الثقة بينهما، وتاليا يساعد الحاكم على النجاح والانجاز وتخطي المشاكل، لان الرعية التي تتفهم حقائق الحاكم، تكون عونا له، اما التي لا تعرف عنه شيئا، فتظل تحوم حوله الدعايات والشائعات، فستكون عونا عليه وليس له، يقول الامام عليه السلام {وان ظنت الرعية بك حيفا فاصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم باصحارك، فان في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك، واعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق{.
رابعا؛ لبطانة الحاكم العادل صفات خاصة، اذا توفرت فيهم نجحت وانجحت الحاكم، والعكس هو الصحيح، فالبطانة الجاهلة ذات الاهواء والمصالح الشخصية التي يتخذها الحاكم لنفسه، ليس على اساس الخبرة والكفاءة والامانة، وانما محاباة واثرة، فانها تهلك (بفتح التاء) وتهلك (بضم التاء) فالحاكم بمستشاريه، فأمثال هولاء لايجب ان يكونوا من بطانة الحاكم، مهما قربوا رحما منه، او كانوا ينتمون الى جماعته، او كانوا ممن ضحوا من اجل تحقيق التغيير، فالملاك ليس كل هذا، وانما الخبرة والدراية والعقل المدبر والتجربة وسعة الافق،والاخطر من المستشارين، وزراء الحاكم، فهؤلاء، كذلك، يجب ان يختارهم الحاكم بمواصفات خاصة، فلا يتخذ من هب ودب وزيرا في حكومته، ولذلك فان المحاصصة تدمر ارادة الحاكم ولا تدعه يختار الافضل من بين الناس لوزاراته، كما ان المداراة والترضيات والرشوة (السياسية) وغير ذلك، كلها لا تمنح الحاكم حرية اختيار الوزراء باحسن صورة ومن افضل الناس والطبقات، يقول الامام عليه السلام {ان شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الاثام، فلا يكونن لك بطانة، فانهم اعوان الاثمة، واخوان الظلمة{. اذا كان في نية الحاكم الصالح ان يستوزر اعوان الظلمة، فماذا بقي من التغيير اذن؟ ولماذا التغيير بالاساس؟ اوليس التغيير يعني استبدال العقول والاراء والمناهج والادوات، ومنها الرجال؟ فلماذا اللجوء الى ذات الادوات لتحقيق المنهجية الجديدة؟ واساسا، هل يمكن تحقيق ذلك، وهل يعقل مثل هذا؟. يتحجج البعض بان التغيير لا يجد بسهولة ادواته الجديدة، الا ان الامام عليه السلام يرد على هذا التصور بقوله عليه السلام {وانت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم واوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على اثمه، اولئك اخف عليك مؤونة، واحسن لك معونة، واحنى عليك عطفا، واقل لغيرك الفا، فاتخذ اولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك{. ان هذا النوع من الرجال موجودون في وسط الامة وفي بحرها المتلاطم، فالامة تزخر بالخبرات والكفاءات والعناصر الامينة، وليس في هذا الحزب الحاكم اوذاك اوهذه الجماعة حصرا او تلك، او عند اقارب السلطان، ابدا، اذ ان الاغلبية من الناس لا ينتمون الى حزب معين وانما يفضلون الاستقلالية في العمل، ولذلك فاذا اراد الحاكم ان يكتشف معادن الرجال فيستوزر الافضل منهم على مبدا (الرجل المناسب في المكان المناسب) ولما كانت الحكومة لكل الامة والسلطة لكل المجتمع، ولذلك يجب ان يبحث الحاكم عن وزرائه من بين صفوف المجتمع، كل المجتمع، فلا ينظر الى شريحة دون اخرى، كمعايير عندما يريد ان يختار رجاله، والا فسيضطر الى تعيين غير الكفوء في المكان غير المناسب.كذلك، فإن اراد الحاكم ان يشكل وزارة قوية ومتماسكة وناجحة، فان عليه ان يتخذ من القول التالي للامام عليه السلام، هاديا ومنارا.يقول عليه السلام {ثم ليكن آثرهم عندك اقولهم بمر الحق لك، واقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع، والصق باهل الورع والصدق، ثم رضهم على ان لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فان كثرة الاطراء تحدث الزهو، وتدني من العزة{. اذن، فالحاكم العادل لا يتخذ من المداحين وزيرا، ولا من الذين شغلهم الاطراء فقط لولي النعمة، اصاب ام اخطا، فهو في نفسه، خادم الملك وليس خادم الباذنجان، كما في تلك القصة المعروفة..ان الحاكم الذي يطرب على الاطراء ويتمتع بالمديح ويغفو على طبطبة الوزير على ظهره، لهو حاكم فاشل من المستحيل عليه ان يكتشف نجاحه من فشلة، وصواب رأيه من خطله، لانه ممدوح من قبل الوزراء على اية حال، وانهم يطرونه بكل الاشكال، وفي كل الاحوال. اما الحاكم الصالح، هو الذي يتسع صدره للنقد، ويستوعب التأشير على الخطا او الفشل، واذا كان يضيق صدره بمر الحق من اقرب وزرائه، فهو من نقد البعيد او الرعية اضيق.هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان الحاكم العادل، هو الذي يتحمل المسؤولية كاملة اذا اخطا وزيرا من وزرائه او قصر، لانه هو المسؤول عنه مباشرة، فلا يتهرب من المسؤولية اويسعى لالقاء اللوم على وزيره اذا سرق او أخطأ او قصر، من دون اظهار المسؤولية. لقد كان الامام يتحمل مسؤولية استيزار وزرائه، فاذا اخطأوا مرة فانه لا يلومهم فقط وانما يتحمل مسؤوليتهم كاملة، ثم يبين ما يجب ان يكون عليه الوزير، ليوضح للرعية بانه لم يامره بمثل هذا الخطا او يطلب منه مثل هذا التقصير، فهو عليه السلام، عندما سمع بان عامله على البصرة، عثمان بن حنيف الانصاري، قد دعي الى وليمة قوم من اهلها فمضى اليها، لم يكتف عليه السلام باقالته، وانما بالغ في توبيخه واسهب في شرح علة الخطا والتقصير الذي وقع فيه، اذ لم يحاول التبرير له خشية على سمعته او سمعة حكومته، كما انه عليه السلام لم يحاول ان يخفي ذلك على العامة خشية ان (تطلع عيونها) فتتجرأ على الحاكم وتتعلم النقد والمراقبة والمحاسبة، وكل ذلك امر خطير على الحكومة، ابدا، بل انه هو الذي بادر الى الكشف عن الخطا ببيان رئاسي واضح وصريح وقوي، ليكون الوزير عبرة لغيره ولنفسه.
خامسا؛ للنجاح شروط جمة، واول هذه الشروط، هو تمييز الحاكم بين الناجح والفاشل من وزرائه، وبين الصادق والكاذب منهم، وبين المتمكن والعاجز، وبين الكفوء عن غيره، اما اذا كان الجميع سواسية عنده، فما الذي يشجع الناجح للاستمرار في نجاحاته؟ وما الذي يحث الكفوء على التميز؟. ان هذا ليس بمحل المساواة، بل انه موقع المكافاة بعد العدل، وان من الظلم والاجحاف ان يساوي الحاكم بين المسؤولين على اساس العمر مثلا او الانتماء او الولاء، ابدا، وانما المطلوب هنا ان يمايز الحاكم بينهم على اساس الانجاز وحسن الاداء والنجاح والتفوق في العمل القائم على اساس الحرص والخبرة والكفاءة والقابلية والنشاط والهمة. يقول الامام عليه السلام {ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فان في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة، والزم كلا منهم ما الزم نفسه{.و في هذا الاطار، يجب ان نستحضر مبدا الاحترام والتكريم للناجح ليعي الفاشل مسؤوليته ويتحسس تقصيره، ولينتبه الناس الى اهمية النجاح فيندفعوا صوبه، ولذلك ابتكرت الامم الناجحة مبدا التكريم للذين يقدمون شيئا ما لهم، فانما هو تكريم للنجاح وللانجاز الى جانب تكريم الشخص.. حتى القران الكريم ذكر هذا المبدا في العديد من الايات والسور، كما ان الرسول الكريم كان يهتم كثيرا بتكريم الصحابة الذين يتميزون على بقية اقرانهم، وان التكريم لا يكون للاموات فحسب، (كما تفعل امتنا للاسف الشديد) فهي لا تكرم الرجل الا بعد وفاته، ولا تتذكره الا بعد رحيله، ففي حياته لا يلبس وساما على صدره، اما اذا مات فيملا صدره بالنياشين. كذلك، فان التكريم يجب ان يكون حقيقيا وللناس الحقيقيين الذين يستحقونه، وليس على اساس الصداقة او صلة القربى او الانتماء الحزبي، او الانتماء الى المحلة او المدينة الواحدة، ابدا. وان من اعظم الاوسمة التي يقدمها الحاكم للناجحين، هو حسن الظن بهم، ولذلك يقول الامام عليه السلام {وان احق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وان احق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده{.هذه هي بعض ملامح الحكومة العادلة التي نتطلع اليها بشغف، والا... فلا، وان تغيرت العناوين وتبدلت الاسباب والالقاب والازياء.