عبرة لمن يعتبر
العمائم تواجه الاستعمار وأذنابه
|
من المعروف ان الجيش الذي يتعرض لهجوم من الجهة المقابلة يضطر للتراجع قليلاً لتدبير خطة محكمة ومتكاملة للرد بالمثل واستعادة ما خسره من مواقع في ساحة المواجهة، وإن لم يفعل أو بقي في حالة صد الهجمات فان مصيره سيؤول الى الهزيمة.
ولطالما تعرضت بلادنا الاسلامية لهجمات واعتداءات باشكال مختلفة، كانت تارة على يد الاستعمار الاجنبي وقواه العسكرية والثقافية في القرون الماضية، وتارة اخرى على يد اذناب الاستعمار وادعياء الوطنية الزائفة واكثر من تعرض لهجوم الاعداء هم علماء الدين والحوزة العلمية، لانها كانت وما تزال الحصن المنيع والسور العالي للامة الاسلامية.
امامنا كثير من القصص والشواهد على التصدي الباسل والشجاع من علماء الدين المجاهدين لقوى الاستعمار عندما كان جاثماً على صدور المسلمين، كما وقفوا بكل صلابة وشجاعة بوجه من خلفوهم في الهيمنة الفكرية والسياسية، ومن اعلام التصدي هذا المرجع الكبير السيد ابو الحسن الاصفهاني الذي تحمل اعباء المرجعية الدينية للشيعة في العالم بدايات القرن الماضي.. في تلك الحقبة من الزمن كانت البلاد الاسلامية تواجه تحديات خطيرة تستهدف علماء الدين، بعد جملة من الهزائم التي الحقتها بالاستعمار وتحديداً الاستعمار البريطاني، واول عمل اقدموا عليه هو تشويه صورة علماء الدين في انظار الناس، فظهر في المدن الاسلامية رجال معممون لكن يرتكبون مختلف انواع الموبقات والاعمال المنافية للدين والاخلاق..
امام هذا التحدي الوقح لم يسمح المرجع الاصفهاني للانفعال والتوتر ان يتغلب عليه، وبدلاً من ذلك شجع أشخاصاً عاديين من غير طلبة الحوزة لارتداء العمامة، وممن كان يرغب في طلب العلم، بل ان المرجع الاصفهاني كان يبادر الى وضع العمائم بيده على رؤوس المتطوعين من فئات مختلفة في المجتمع حتى زاد عدد المعممين اضعافاً كثيرة، ينقل المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي في كتابه (لكيلا تتنازعوا) عن الخطيب المشهور سلطان الواعظي، بان عمل المرجع الاصفهاني اثار موجة انتقادات لان البعض وجد ان المعممين ليسوا باجمعهم جديرين بملابس علماء الدين، ونقل الخطيب هذه الانتقادات الى المرجع الاصفهاني، فاجابه السيد بالابتسامة، وقال: ان كلامك هذا يشبه كلام اصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الذين طلبوا منه التخلص من بعض الاصحاب غير الجديرين غير إن النبي الاكرم لم يتوقف عن استيعاب الجميع..
ثم خاطب السيد المرجع محادثة سلطان الواعظي، بان في مقابل غير الجديرين الذين تحدثت عنهم ممن لبسوا العمامة هناك من لبس العمامة واسدى خدمة للاسلام والمسلمين بملء الفراغ الذي تركه ضحايا التحدي الاستعماري، ثم قال المرجع الاصفهاني: اما ترى البستاني يروي ارضه بالماء فتنمو الازهار والاشواك معاً؟!
ويضيف سماحة المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي في كتابه في سياق اشادته بحكمة المرجع الاصفهاني وداريته في إدراة الحوزة العلمية وايضاً ادارة الصراع بين جبهة الحق وجبهة الباطل، فقد وضع اشخاصاً من ذوي الثقافة والوعي في مواقع هامة، كان منهم السيد هبة الدين الشهرستاني الذي كان يصدر مجلة (العلم) والشيخ محمد رضا المظفر والشيخ محمد جواد البلاغي والشيخ الاميني صاحب موسوعة (الغدير) والشيخ أغابزرك الطهراني صاحب موسوعة (الذريعة في تصانيف الشيعة)؛ وجود اولئك الاعلام وباختصاصات متعددة في الساحة الاسلامية آنذاك كان بفضل المرجع الاصفهاني ـ رحمه الله ـ.
|
|