في ذكرى وفاة أبي طالب وخديجة الكبرى ـ سلام الله عليهما ـ في عام الحزن
الاختبار الأَول لقوة الرسالة امام فحيح التكفير
|
من أصعب ما يمر الانسان به في الحياة فقدانه المحامي والكفيل بسبب الموت الذي يقطع الصلة الى الابد بالظل والسند فيجد الانسان نفسه وحيداً عليه ان يتدبر شؤون حياته بنفسه،
والصعوبة تكون اشد وطأة اذا تحمّل مسؤولية عظيمة كالتي تحمّلها نبينا الاكرم محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بداية دعوته العظيمة الى الإسلام وسط ظلام الجاهلية في مكة؛ ليس هذا فقط فقد قضى رسول الله طفولته وشبابه يتيمَ الابوين، لذا كان وجود عمه وكافله الحنون ابي طالب والزوجة المؤمنة والمخلصة خديجة بنت خويلد بمنزلة السند الذي يمنحه زخماً من القوة امام اعدائه والناصبين له الحرب.
ولعلنا بهذه المقدمة البسيطة ندرك عظمة شخصية نبينا الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ ورباطة جأشه وهو يفقد عمه وزوجته في عام واحد هو العاشر بعد بعثته نبياً، والعام الثالث قبل الهجرة الى المدينة، وفي ظروف غاية في الخطورة والاستثنائية.. فما هي مكانة ابي طالب وخديجة من النبي والاسلام بشكل عام؟
بدأت علاقة ابي طالب بالنبي الاكرم من الساعات الاخيرة في حياة عبد المطلب فيما كان عمره تسع سنوات، فأوصى الاولاد العشرة بمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذ عز عليه الرحيل وحفيده طفل صغير لا أب ولا ام ولا حتى مال يستعين به في حياته، فوقع اختياره على عبد مناف ـ أبي طالب ـ وهو اخو عبد الله من امه وابيه؛ ونقل اليعقوبي في تاريخه ان عبد المطلب كان عالماً بما سيكون عليه مستقبل حفيده، فخاطبهم في وصيته اليهم باني (قد خلفت لكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب الناس)، وللعلم فانه الى جانب ابي طالب كان للنبي عمّان آخران من ام واحدة ايضا هما: الزبير والمقدم المعروف بعبد الكعبة، ورغم ان ابا طالب كان فقيراً إلا انه ورث من ابيه زعامة العائلة، فكان يهابه القريب والبعيد، وتحتفظ له قريش بمكانة خاصة.
وجاء في بعض السير ان آثار اليتم والضغط النفسي على الفتى اليافع ذي المستقبل المشرق، زالت تماماً بين الحنان والحب والتضحية التي كان يبذلها أبو طالب وزوجته فاطمة بنت أسد، فكانت تطعمه قبل اولادها رغم الظروف الصعبة التي مروا بها.. ومن تلك الدار المضيئة والاحضان الدافئة، شب النبي على الاخلاق الحميدة والفضائل التي تناقلتها الالسن من مواقف عديدة، وما ان دخل ربيعه العشرين حتى كان محمد ذلك الشاب المعروف بسجاياه الكريمة وخلقه العالي، حتى لكان يجسد كل الفضائل والمكارم وهو يمشي في طرقات مكة وشعابها، فجاء اللقب العظيم والوسام الكبير بانه (الصادق الامين) من مجتمع عرف بالقسوة والغلظة والطباع الجاهلية.
والحقيقة انه بامكاننا اختزال سيرة حياة ابي طالب مع ابن اخيه في السنوات التي اعقبت البعثة النبوية الشريفة، لنقف على حقيقة هذا الرجل في ذكراه الاليمة ولنسهم في ازالة الشوائب الى علقت في اذهان المسلمين وما تزال راسخة بشأن أبي طالب وإسلامه وهي بالواقع اكثر إيلاماً لدى المؤمنين والعارفين بحق محمد واهل بيته.. فقد مات ابو طالب ويده ما تزال تظلل رأس ابن اخيه، فكان موعد الفراق بعد رفع حصار المشركين عن شعب أبي طالب، وهو الحصار الذي ضربه مشركو مكة على بني هاشم في حيهم ومنطقتهم ولان ابا طالب كان كبير العائلة فسميت المنطقة او الشعب بـ(شعب ابي طالب)، وقد دام الحصار ثلاث سنوات، واجه خلالها النبي ومعه عدد كبير من النساء والاطفال خطر الموت جوعاً.
وتنقل بعض كتب السير ان أبا طالب ابتكر اسلوباً امنياً فذاً لحماية ابن اخيه من كيد قريش خلال فترة الحصار، إذ كان هدفهم وضع حد لحياته والتخلص من الرسالة وخطرها على مصالحهم، فكان يأتي بالنبي كل ليلة الى فراش احد ابنائه، ليموه على المشركين فيما اذا كانوا يكيدون له بمؤامرة في جوف الليل، ولم يأبه بأن يفديه باحد ابنائه، وما حادثة المبيت الشهيرة التي وسمت شخصية امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ مع جملة من اوسمة الرسالة المحمدية، إلا امتداد للدروس التي تلقاها الامام من ابيه قبل الهجرة النبوية، فما حصل في ليلة المبيت هو تحقيق لتنبؤ أبي طالب قبل سنوات وفي ايام المحنة والمواجهة مع اعداء الرسالة.
ويقول صاحب كتاب (سيرة المصطفى) السيد هاشم معروف الحسني: إن التاريخ ما ظلم احداً كما ظلم ابا طالب، وما اساء المسلمون إساءة اعظم واكثر فحشاً من اساءتهم لنبيهم في عمه ابي طالب.. فقد جاء في (الطبقات الكبرى لابن سعد) ان ابا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب، وقال لهم: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد واتبعتم امره فاتبعوه واعينوه ترشدوا)، وروى هذه الوصية كل من ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) والنسائي في (الخصائص) وصاحب السيرة الحلبية ومحدثون آخرون..
فاذا كان مشركاً كما يدعي ذلك الامويون ومعهم العباسيون، فما باله يعيش الجفاء والحصار من قريش وقد حاصروا شعبه حتى اضطره ومن معه الى اكل الاعشاب واوراق الشجر كما تنقل المصادر؟ وما كان يمنعه من التكلم ولو بلسان الاستعطاف مع ابن اخيه لتغيير موقفه من عبادة الاصنام؟ بل ما الذي يمنعه على الاقل من ردع اولاده عن الدين الجديد وقد تسابقوا اليه منذ بزوغ فجره؟
وذكرت المصادر العديدة انه لما بُعث محمد نبياً رأه ابو طالب لأول مرة واقفاً يصلي وليس خلفه سوى ابنه علي وخديجة، فذهب مسرعاً الى بيت اخيه العباس حيث ولده جعفر كان في كفالته واخذ بيده الى حيث يصلي النبي وقال له: صل جناح ابن عمك ياولدي؛ ومضى يدعو للنبي ويهيئ الاجواء لانتشار الرسالة، ولم يرد في تاريخه الطويل حتى على لسان اعدائه انه عاتب محمداً على موقفه من عبادة الاصنام او دعاه الى المهادنة او السكوت، وجاء عن النبي الاكرم انه قال ذات مرة: (انا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وهو يشير باصبعيه، ومن الواضح ان اول كافل يتيم في نظر الرسول عمه ابو طالب.
كل ذلك وغيره يعد من الاستدلالات العقلية والمنطقية التي لا تترك لباحث موضوعي وكاتب منصف مجالاً للشك بها، إلا ان الامويين والعباسيين ـ والاغراض واضحة ـ اخذوا بالاحاديث الموضوعة والملفقة ظلماً عن رسول الله كون ابي طالب والد الامام علي ـ عليه السلام ـ الذي عجزوا وعجز معهم التاريخ عن الاساءة إليه او حتى التطلع الى سمو شخصيته لما اشتمل على المفاخر والمكارم والمواقف البطولية من اجل إعلاء كلمة الاسلام في الارض.
لذا لا نستغرب من مؤلفين يعدون من اعلام الثقافة عند اهل السنة مثل الشيخ محمد الغزالي في كتابه (فقه السيرة) عندما يستند في بحثه عن شخصية ابي طالب على آراء المؤرخين والمحدثين من ذيول الحكام الامويين والعباسيين ويؤيد الرأي القائل: ان ابا طالب مات مشركاً، ولعل الشيخ الغزالي وغيره كان يريد ان يكون إسلام ابي طالب مثلما فعل خالد بن الوليد او ابو سفيان والمغيرة ابن شعبة او اشباههم عندما اظهروا اسلامهم امام الملأ لتدون اسماؤهم في عداد الصحابة الابرار!
واذا كان التاريخ قد ظلم ابا طالب ـ والحال كذلك ـ فلنا ان نقول بكل ثقة واعتداد بان الثقافة بمجملها ظلمت خديجة في سيرتها العطرة وعطاءاتها الجمّة للاسلام والمسلمين، فقد شحت اقلام الكتاب والمؤرخين من أعلام الثقافة والفكر، لتدوين سيرة هذه السيدة العظيمة في حين كلّت الايدي عن شرح احوال الخنساء وزبيدة زوجة هارون ورابعة العدوية وغيرهن ممن عدهن المؤرخون نماذج لنساء المسلمين دون خديجة وفاطمة الزهراء وزينب بطلة كربلاء ـ سلام الله عليهن ـ.
واقل ما يكون حق السيدة خديجة الكبرى ان تكون المثل الاكمل للزوجة الوفية والصادقة في كل مراحل حياتها، ولا مجال في هذا الحيز للتطرق الى بدايات استبشارها بمستقبلها المشرق الى جانب الشاب محمد بن عبد الله حين كان يعمل معها في التجارة وهو ابن الخمسة والعشرين فيما كانت هي على اعتاب الاربعين، لما كانت ترى منه الامانة والنبل والصدق وكل الصفات الحميدة، لذا كان بيتها بالنسبة للنبي الاكرم بمنزلة المحل الذي تزول فيه كل آلامه وهمومه مما كان يلاقيه من كفار قريش، حيث الابتسامة المشرقة والحنان والمواساة، فوفاها الرسول الاكرم بحديثه المشهور والصادح: (ما قام الاسلام إلا بمال خديجة وسيف علي).
من هنا جاءت تسمية النبي الاكرم لهذا العام بعام الحزن، لان فيه فقدان ابي طالب وخديجة؛ وفي العام العاشر من مبعثه المبارك وبعد ان تخطى العم الحنون والمدافع البطل، الثمانين من العمر، اشتد به المرض وشعر بدنو أجله، لكن آلامه واوجاعه على فراش المرض لم تمنعه من مطالبة قريش بالدخول في الإسلام لعلمه بأن وجوده بالنسبة لابن اخيه بمنزلة الحائل والحاجز الذي يمنع المشركين من توجيه اساءة او اعتداء مباشر إليه، ففي اليوم الاول دعاهم ابو طالب لدى زيارة بعض اعيان قريش لكنهم لم يسمعوا، وفي اليوم الثاني وقد اشتد به المرض، جاء اليه زعماء قريش ثانية وطلبوا منه ان يتوسط بينهم وبين ابن اخيه لما كان لديه من منزلة كبيرة، وكان النبي حاضراً عند عمه فقال لهم: اعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، فقال ابو جهل: نعم وابيك وعشر كلمات لا كلمة واحدة!، قال: تقولون: (لا إله إلا الله) وتخلعون ما تعبدون من دون الله، فتلقى الرفض المعهود منهم.
وبينما رسول الله منصرف في حاجة له خارج الدار حتى سمع الناعي فاقبل مسرعاً وهو يجد عمه كافله وقد فارق الحياة، فاخذ يمسح جبينيه الايسر والايمن كما كان يفعل هو به في صغره، وهو يردد: (رحمك الله يا عم ربيت صغيراً وكفلت يتيماً ونصرت كبيراً، فجزاك الله عني وعن الاسلام خير جزاء العاملين المجاهدين..) ثم بكى وأبكى من كان معه.
وبعد أيام او أشهر على اختلاف الروايات كان نبينا الاكرم يحوم حول فراش خديجة اذ كانت تصارع المرض، وما هي إلا ايام حتى رحلت هذه السيدة العظيمة ملتحقة بالعم المحامي الى الرفيق الاعلى، وهذا يعني أنّ النبي فقد الرجل الكفيل والسد المنيع كما فقد بعد فترة وجيزة المرأة الحنون والزوجة التي ضربت اروع الامثلة في البذل والتضحية والوقوف الى جانب الزوج في مهمته الرسالية والعمل في سبيل الله، فعاد الى البكاء المرّ الى جانب جسد زوجته المسجى على الفراش.
ولنا ان نعرف معنى الحماية في شخصية ابي طالب ان النبي وبعد فترة من وفاة عمه، كان ذات مرة في إحدى الطرقات واذا بأحد رموز الجهل والكفر في مكة يعترضه ويصب على رأسه حفنة من التراب، فما كان منه ـ صلى الله عليه وآله ـ إلا ان واصل طريقه الى داره فدخل على فاطمة ـ عليها السلام ـ ولما رأته ورأسه ملطخ بالتراب بكت من شدة التأثر والصدمة، فكان بكاء فاطمة مؤلماً لقلبه ونفسه، فالتفت اليها ومسح رأسها بكلتا يديه وقال لها: لا تبكي يا بنية فان الله مانع أباك وناصره على اعداء دينه ورسالته.
|
|