نوافذ أبي ذر الغفاري 12
|
في احد نهارات المدينة المنورة دخل المسجد الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (جندب بن جنادة) رضوان الله عليه، فلم يجد فيه احداً سوى الرسول الاكرم والى جانبه الإمام علي بن ابي طالب (ع)، فما كان منه إلا ان يغتنم الفرصة، لانه من النادر جداً آنذاك ان يكون الرسول الاكرم وحده وانما بين الناس والصحاب دائماً، فطلب من الرسول الاكرم (ص) ان يوصيه، فرحب به (ص) وقال له: (إني موصيك بوصية فإحفظها فإنها جامفة لطرق الخير وسبله..)
الهلع من الذنب
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ:
(يا أبا ذر، إن المؤمن ليرى ذنبه كأنه تحت صخرة؛ يخاف أن تقع عليه.. وإنّ الكافر ليرى ذنبه كأنه ذباب مر على أنفه).
يكمن الفرق بين المؤمن والكافر في أمور منها: موقف كل منهما إزاء الذنب والخطيئة، فالكافر لا يولي أهمية تذكر لذنوبه، ولا يتحسس او يخاف مما تقترفه يداه، ولكن المؤمن يتوجس خيفة من ذنبه حتى وإن مر زمن على اقترافه إياه، فتراه يتوقع عواقب ذنبه الظاهرية او الباطنية، ويعيش اضطراباً او قلقاً نفسيين لا يستبعد معهما تلقي الإجابة والردّ التكويني على الذنب مطلقاً.
ثم إن إيمان الفرد كلما ارتقى مرتبة، تضاعف هلعه من الذنب مرتبة مثلها، فلو تصورنا شخصاً رأى نفسه فجأة في وسط الصخور ويحتمل تساقط المزيد منها تراه ـ ولو كان الاحتمال ضعيفاً ـ يعاني قلقاً يسلبه راحته وتركيزه، فيا ترى لو وجد المرء نفسه في هذه الحالة، فهل سيكون بمقدوره النوم؟ وهل سيلتذ بطعام؟
فاحتمال سقوط الصخور وإن كان ضعيفاً إلا انه سيسلبه الراحة والاستقرار ويضطره الى معاودة النظر والالتفات، حذراً من تساقط مزيد من الصخور على رأسه، رغم علمه المسبق بان إعادة النظر لا تأثير له في تساقط الصخور او عدمه، والنبي المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ قد ضرب مثلاً في هذا المقطع من وصيته الشريفة لابي ذر الغفاري ـ رضوان الله عليه ـ ليكون مقياساً يمتحن به الإنسان مستوى قدرته على مدى اقترابه من جوهر الإيمان.
مجيء حرف (إنّ) في مطلع عبارة الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ ثم استخدام (اللام) لفعل (يرى) يفيدان تأكيد المعنى، رغم ان الجملة توصل معناها دون الحاجة لـ(إن واللام)، ولكن النبي الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ ونظراً للأهمية التي رآها لهذا المفهوم، فقد استفاد من اداة التأكيد مرتين، ليعلم الشبه الكبير بين المثال الذي تم طرحه وبين مفهوم هذا المقطع من الوصية.
وعليه؛ فإن الفرد المذنب لا يستطيع ايجاد تغيير ما في ذنبه الذي ارتكبه عن طريق الاضطراب، إلا ان هلع المؤمن أقرب إلى التوبة والصلاح من عدم مبالاة الكافر تجاه ذنبه، فكل فرد مدعو الى الرجوع لنفسه ليرى هل خلف ارتكاب الخطيئة في وجوده هلعاً واضطراباً؟ وهل هو نادم عما اقترفت يداه؟
القسم الثاني من العبارة خاص بالحديث عن الكافر وموقفه من الخطيئة والذنب، وهنا ينبغي الالتفات الى حقيقة ان الكافر بدوره يرتكب الذنب، ذلك لان الكافر الواقعي يستقبح بعض الممارسات ولكنه يرتكبها رغم انه يعدها خطيئة، ثم ان للكفر مراتبه كما للإيمان مراتبه، لا سيما ان كثيراً من المسلمين وفي حالات معينة يعدون ـ بناءً على بعض الآيات والروايات الاخلاقية ـ كافرين من حيث التكليف في دائرة الإسلام، بعبارة أخرى: لا يلزم أن نتصور الكافر شخصاً مشركاً منكراً لأصل الوحدانية، او ملحداً منكراً لوجود الله تعالى، فالبارئ ـ سبحانه وتعالى ـ وصف في القرآن المجيد من يتجاهل فريضة الحج كافراً، وقال: "وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"
مع انه قد يكون متشهداً الشهادتين ومقيماً للصلاة ومؤدياً للخمس والزكاة، وجمع في نفسه بقية شرائط الإسلام.
وإذا امعنا النظر في النص النبوي ـ موضوع البحث ـ، وجدنا ان عدم انتشار الخوف والاضطراب في ذات المرتكب للذنب يوجب إطلاق وصف الكافر عليه، لان من توصل الى معرفة الله الواحد الأحد الفرد الصمد بشكل صحيح، واعتقد ذلك في عقله وقلبه، استطاع ان يغير موقفه من الذنب، امكنه انه يستدعي به استيلاء الهلع على نفسه، وان لم يحدث ذلك لشخص ما حين اقترافه للذنب، فعليه التأكد بأنه لم يعرف الله بعد، وبالتالي فهو ـ في حقيقة امره ـ مصداق للكافر.
إن بمستطاع الإنسان ان يربي نفسه بشكل يبقي فيه على الخوف من الخطيئة أو الهلع أو أي شيء من نتائجها في داخله حياً دائماً، كما له القدرة على أن يعيش أيامه مجرداً عن تحمل مسؤولية ذنوبه، بعيداً عن اي تفكير وهلع في نتائج ما اقترفت يداه.
وهذه الحقيقة تشير بوضوح الى ان للنفس البشرية ـ خلافاً للبدن ـ قابليات متضادة ومتفاوتة، فهي ليست محدودة كقابليات الجسد، إذ مهما تكن عين الانسان قوية، تعجز عن قراءة سطر من الكتابة وضع على مبعدة منها ـ اكثر من المتعارف ـ كذلك فان اقوى العيون لا يمكنها ـ عادة ـ قراءة سطر واحد إذا وضع على مسافة سنتمتر واحد، وهذه المحدوديات وامثالها توضح طبيعة التفاوت الكبير بين جسم الإنسان وروحه، إذ لا محدودية لهذه الاخيرة كمحدودية الجسد؛ فهي غير مقيدة بما يحيط بها بشكل كبير أو دائم.
إن قابليات الإنسان في القضايا النفسية والروحية، سوءا على المستوى الايجابي او السلبي غير محدودة في بعض الاحيان، وسواء في أطر السعادة او اطر الشقاء، فهي تمتاز بحرية حركة اكبر ومساحة أوسع، للإنطلاق نحو الرشد والتكامل، او السقوط والانحطاط.
وقد ورد في بعض الروايات ان تحسس الانسان المؤمن تجاه الذنب قد يبلغ حداً في بعض الأحيان بحيث يشعر بوخز الضمير وتفاقم الالم والندم، وإنْ مر عليه عشرون عاماً، فتراه يختار التوبة الى الله تعالى، وآنذاك يتفضل عليه ربه بالمغفرة والعفو، بل لعله يبدل سيئاته حسنات ويكتب له رضواناً وجنة ابديّين.
وروي عن الإمام السجاد ـ سلام الله عليه ـ حكاية جديرة بالتأمل نلخصها على النحو التالي:
سافر عدد من الناس على متن سفينة، وفجأة هبت عليهم عاصفة اغرقت سفينتهم وجميع من كان عليها، إلا امرأة شابة استطاعت النجاة على جذع كان طافياً، فالتجأت الى جزيرة كبيرة، وكان في هذه الجزيرة شاب ماجن، التقته المرأة الشابة على نحو الصدفة، وما إن رآها حتى تحركت شهوته تجاهها ـ إذ كانت جميلة جداً ـ فسألها عما إذا كانت من الإنس أو الجن! فأجابته وهي تعاني الإرهاق الشديد لما تعرضت له ولما رأت من غرق الذين كانوا معها في السفينة، بأنها من الإنس.
فاقترب منها الشاب بقصد الخطيئة، فتفاجأ برؤية المرأة ترتجف بشدة ويهتز بدنها، فسألها عن سبب ذلك، فقالت له بأنها خائفة فقال لها: وممن تخافين وليس من أحدٍ معنا؟! فأشارت بيدها الى السماء وقالت: أخاف الله تعالى...
وهنا احس الشاب بانقلاب في نفسه حيث ترك جواب المرأة اثراً بالغاً فيه ولم يشعر إلا وهو يهم بترك هذه المرأة، ولكنه التفت نحوها قائلاً: انك تشعرين بكل هذا الخوف ولم ترتكبي ذنباً، فالويل لي أنا المذنب وقد اردت حملك على ارتكاب الخطيئة!
لقد انقدحت في نفس هذا الشاب شرارة المعرفة، وهو الذي كان ـ حتى الامس ـ رجلاً فاسقاً لا مبالياً، فقرر التوبة الى الله تعالى...
وفي طريق عودته التقى راهباً، فاتفق لهما ان سارا معاً، وحيث كان الراهب منزعجاً من شدة الحر، فقد قال للشاب: تعال لندعو الله تعالى ليرسل لنا غمامة سوداء نستظل بفيئها ونواصل مسيرنا، ولكن الشاب الذي كان يشعر بشديد الخجل من سلوكه مع تلك المرأة، اجاب الراهب قائلاً: لا اشعر بالطهارة في نفسي كي يكون دعائي ذا فائدة، وإنني لاخجل من سيرتي السابقة حتى أقف بين يدي الله، فقال له الراهب: إذن سادعو انا، وما عليك إلا ان تؤمّن على دعائي.
وفعلاً؛ توجه الراهب بالدعاء طالباً من الله تعالى ان يرسل عليهما غيمة تظلهما ليتخلصا بها من اشعة الشمس الحارقة، فامن الشاب على دعائه، ولم يمضِ عليهما وقت حتى رأيا غيمة تسير فوق رأسيهما وتظللهما الى ان بلغا مفترقاً للطرق، فانفصلا عن بعضهما، كلاً باتجاه مقصده، ولكن المفاجئ في الامر ان الغيمة تبعت الشاب بينما بقي الراهب بلا ظلال!!
|
|