رسومٌ على حواجز كونكريتية..فنّ يتسلق جدران الحرب في البصرة
|
البصرة ـ وكالات:
ما من مقرٍ لحزب سياسي أو مركزٍ لدائرة حكومية في مدينة البصرة، إلاّ وأحيط سياجه الخارجي بطوق من الحواجز الكونكريتية المضادة للتفجيرات وأعمال العنف.
وقد أثارت تلك الحواجز على مدى السنوات التي أعقبت دخول القوات الأجنبية للبلاد زوبعة من الامتعاض الجماهيري الرافض لتقبل وجودها، لما توحي به من سوداوية تعيد إلى الأذهان أجواء الحرب. لكن المفاجئة كانت على خلاف ما يتصور العديد، حين تحولت العشرات من تلك الحواجز إلى لوحات فنية تجسد بيئة المدينة وتحاكي تأريخها وتراثها، بعد ان كانت واجهاتها تعج بفوضى الشعارات.. التي لم تخلُ بعض الاحيان من التحريض على العنف الطائفي، والتشجيع على الكراهية بين سكان المدينة التي تعرف منذ القدم بتماسكها الاجتماعي رغم تنوع الأديان والطوائف فيها.
مدرس الفنون في مديرية تربية البصرة، إبراهيم حسين خليفة، يقول ان هناك حملة تستهدف ما وصفها بـ(الحواجز المُلوَّثة)، في إشارة منه إلى التشويه الذي سببته عشوائية تثبيت الملصقات الإعلانية ولافتات الشعارات السياسية على تلك الحواجز. ويشير خليفة في تحقيق نشرته وكالة " نيوزماتيك"، إلى أن (تلوين الحواجز الكونكريتية بالرسوم الفنية يسهم في إنعاش جمالية المدينة، وإبعاد شبح الكآبة الذي تسببه تلك الحواجز عن نفوس المواطنين)، ويضيف (أنها لتجربة خلاقة في ان تتصدى لقبح الحرب وتداعياتها بالفن والإبداع). ويقول خليفة إن (هذه الحملة تعيد إلى الأذهان جدار برلين الذي كان في ألمانيا والجدار الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، لجهة إقبال الرسامين على تجسيد مهاراتهم الفنية على تلك الحواجز بأسلوب يطغى فيه الأمل على اليأس)، ويستدرك بقوله (أرجو ألا تكون هذه الحملة مجرد سحابة عابرة سرعان ما تختفي وتبقى الحواجز في مكانها، بل أطمح إلى ان أرى جميع الحواجز في المدينة تكسوها رسومات فنية).
المواطن مجتبى رحيم، 47 سنة، والذي يعمل ممرضاً في إحدى مستشفيات المدينة يقول انه يرحب كثيراً بهذه الحملة الفنية التي وصفها بـ"الرائعة"، معربا عن أمله بأن (تشمل الحملة الحواجز الأسمنتية التي تحيط بالسجون ومراكز الشرطة). ويضيف مجتبى أن (المواقع الأمنية على وجه التحديد يجب ان تُحسِّن صورتها الخارجية لأنها بشعة بما فيه الكفاية، بسبب فوضى الحواجز التي تحيط بها والأسلاك الشائكة التي تجعل المارة يتعثّرون بالقرب منها). ويشير المواطن البصري إلى ضرورة ان تكون (الرسوم معبرة عن المكان الذي تحيط به تلك الحواجز، وان لا تكون متناسخة ومتشابهة في جميع المناطق)، كما يدعو إلى تقليد بعض اللوحات العالمية على واجهة تلك الحواجز الكونكريتية، موضحا (أنها فرصة لأن تجعل الفن العالمي قريباً من نفوس المواطنين، وان تطلع عامة الناس على التجارب الفنية للشعوب الأخرى)..
أما المواطن نصير فاضل، 34 سنة، الذي يعمل جزاراً في سوق العشار، فقد بدا غير مبال بهذه الحملة الفنية التي تشهدها مدينة البصرة، ويقول (على الحكومة العراقية إزالة تلك الحواجز بصورة نهائية، لأن مظهرها لا يمكن تجميله بأية رسوم فنية). يعد فاضل تلك الحملة مجرد "مناورة"، الهدف منها (إقناع المواطنين بضرورة تقبل وجود تلك الحواجز الكونكريتية في شوارع مدينة البصرة بإعتبارها واقعَ حال مفروضاً عليهم)، على حد تعبيره.
ويبرر فاضل عدم جدوى بقاء تلك الحواجز في مكانها قائلاً ان (البصرة مدينة آمنة نسبياً، وتكاد تنعدم فيها حوادث التفجيرات الانتحارية)، ويضيف ان (الرسومات الفلكلورية والطبيعية التي اصطبغت بها الحواجز الكونكريتية لا ترتقي إلى منزلة الفن)، ويقول ان (من يهوى الرسم عليه إرتياد المعارض الفنية، وليس التحديق بحواجز كونكريتية، تارةً يجتاحُها الغبار، وأخرى تغسلها الأمطار).
مدير جمعية، المرفأ البعيد للثقافة والفنون، ناصر سماري يقول، ان جمعيته التي تأسست منتصف العام الماضي استعانت بثلاثين فناناً محترفاً بالإضافة إلى أكثر من عشرين طالباً في كلية الفنون الجميلة بالبصرة، (بعضهم تطوع للعمل دون مقابل)، من أجل تنفيذ الحملة التي حظيت بتمويل محدود من، برنامج تنمية المجتمع المدني العراقي، الذي تتبناه مؤسسة التنمية الأميركية بالتعاون مع الحكومة العراقية.
ويضيف سماري أن البرنامج المذكور (لا يقدم المال مقابل الترويج للفن، وإنما لتشغيل العاطلين عن العمل وامتصاص ظاهرة البطالة في المجتمع)، مشيراً إلى انه (جابه صعوبات جمة في إيجاد ممول للحملة التي كان يطمح إلى تنفيذها منذ قرابة عام). ويروي مدير جمعية، المرفأ البعيد للثقافة والفنون، أنه كان قد طرق أبواب الحكومة المحلية، لكنْه لم يلقى استجابة منها أو (حتى ترحيباً بفكرة المشروع)، وأشار إلى انه، وبعد الشروع بتنفيذ الحملة التي مضى على انطلاقها ما يقارب الشهر، قدّم مذكرةً إلى الجهة الممولة على أمل الحصول على موافقتها بتوسيع الحملة، لتشمل الحواجز الكونكرتية المنتشرة في مراكز الأقضية والنواحي التابعة للمحافظة، والرسم على أسجية الخارجية للمدارس الابتدائية ورياض الأطفال في مناطق القرى والأرياف.
ويضيف سماري: (لسنا بمنظمة تجارية، بل جمعية فنية، وهدفنا تسويق الفن بأسلوب يضمن تفاعل المواطنين معه وانجذابهم إليه، وبما ان الناس في الوقت الحاضر يعزفون عن ارتياد المعارض التشكيلية، لذا فإني أعتقد ان تلك الحواجز الكونكريتية سوف توفر لنا الجهد والوقت في تحقيق هدفنا، لأن النظر إليها متاح للجميع وهي منتشرة في كل منطقة). وأختتم مدير جمعية، المرفأ البعيد للثقافة والفنون، حديثه بالقول (في الوقت الذي نحرص فيه على الترويج للفن فأن المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقنا تفرض علينا لعب دور إرشادي يخدم المجتمع، وفي ضوء ذلك أقدمنا على تلوين بعض الحواجز برسومات تحث على التسامح ونبذ العنف، منها مثلاً رسم لطفل مضرج بالدماء لقي حتفه بإطلاقة طائشة عندما كان في طريقه إلى المدرسة، وأسفل الرسم عبارة تدعو إلى عدم إطلاق النار العشوائي).
ومع تواصل هذه الحملة التي حظيت بترحيب أغلبية المواطنين وتحفظ القليل منهم، يخشى الرسامون المشاركون في تنفيذها من ان يذهب جهدهم إدراج الرياح، مع اقتراب موعد إجراء انتخابات مجالس المحافظات، حيث كانت الحملات الدعائية التي رافقت الانتخابات السابقة عام 2005، تسببت بتشويه المظهر الخارجي لجميع أسيجة دوائر ومؤسسات الدولة والعديد من المباني التجارية والدور السكنية، التي اضطر أصحابها إلى إعادة طلائها بسبب فوضوية تثبيت الملصقات واللافتات الدعائية للمرشحين.
|
|