قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

كل حاجات الإنسان تنتهي الى القوة اللامتناهية
*طاهر القزويني
هل يستطيع الإنسان الاستغناء عن الآخرين؟ وهل لديه القدرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي لوحده؟ وهل شهدت الحياة نماذج لهذا النوع من البشر؟
ربما تنبعث مثل هذه الاستفهامات لدى أشخاص يأنفون عن طلب حاجاتهم إلى الناس خشية المنع، فتنبعث في داخلهم مشاعر الأحباط وتتولد الرغبة لديهم في الاعتماد على الذات وعدم الشعور بالحاجة إلى الآخرين فهل يمكن الاستغناء عن الناس؟
الاستغناء عن الآخرين هو أمر يستحيل تحقيقه، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الحياة وهي متواصلة الأطراف متشابكة الشؤون، والناس فيها يجرون فيها لسد جوانب العجز والنقص في ذاتهم، فالجوع هو شكل من أشكال العجز والضعف، والعطش كذلك والمرض أيضاً، ولذلك نجد هذا الإنسان وهو يصرف أحلى سني عمره في سبيل توفير اللقمة أو الاستشفاء من المرض، أو لسد الحاجة إلى السكن وهكذا..
إذن .. كيف سيصل هذا الإنسان إلى مراتب الكمال وهو منشغل دوماً وأبداً في حاجاته الأساسية؟ وإذا كانت الحياة لاتجد تفسيراً إلا هذا المعنى فلا خير فيها، ولو كانت عسيرة السكنى، إذن ما معنى أن ينشغل المرء بسد النقص والعجز في جسده المادي؟
غير أن الإسلام بمبادئه السمحاء أضفى معنى جديداً على هذه الحياة، وقدم تفسيرات جديدة لكل عناصر الضعف والعجز الإنساني، وعدَّ أن الكد من أجل لقمة الخبز كالجهاد في سبيل الله، وبهذا المعنى يخرج الإنسان من التصور عن الركض وراء لقمة الخبز هو هرولة وراء سد العجز والنقص الإنساني، بل هو من أجل تحقيق هدف أسمى هو كسب رضا الباري عزوجل.
وبهذه النية والمعنى يرتفع الإنسان إلى درجات عالية من السمو والتكامل، بل سيتفوق على عناصر الضعف والعجز في داخله، لذا يقترح علينا الشارع الإسلامي دوماً وأبداً إعلان نية التقُرب الى الله قبل أداء أي عمل حتى وإن كان ذلك العمل بسيطاً مثل الدخول إلى الدار أو فتح الباب فإنه بإمكانك أن تقول (بسم الله الرحمن الرحيم) أو تقول (يا الله).
وهذه الكلمات العظيمة قد لاتكون ذات صلة بالعمل الذي تؤديه ولكنها بلاشك هي ذات تأثير على نفسك وروحك، وهي بلاريب سترفعك إلى أماكن لم تكن تحلم بها من قبل، فأنك تلاحظ أن الناس مختلفون في أداء ما كلفهم به الله ـ عزوجل ـ من الواجبات والمستحبات، وربما ساعدت هذه الكلمات الشريفة المرء لأن يقوم بأفضل الأعمال وأكبرها من دون شدة أو عسر.
فالنية الحميدة والكلمات العظيمة ترفع الإنسان مثلما تنزله الكلمات القبيحة إلى مرحلة واطئة، فإذا كنت من الأشخاص الذين لاتسري على ألسنتهم الكلمات القبيحة مثل كلمات السب والشتيمة، فإذا قدحت منك مثل هذه الألفاظ في يوم من الأيام، ستشعر عندها بالصغر والضآلة بل والاحتقار، وعلى العكس من ذلك عندما تردد كلمات الله الحسنى على لسانك، ستشعر بحالة من السمو إلى الدرجة التي لم تحسب لها أي حساب.
من هنا بامكان الانسان تحويل العمل المادي الذي يقوم به كأعمال الخبازة والزراعة والنجارة والحدادة وغيرها إلى أعمال ذات قيمة ووزن، عندما يربطها بالمفاهيم والقيم المعنوية، فالخباز يقول أنا لاأعمل من أجل سد حاجتي من المال فقط، بل أنا أعمل أيضاً في خدمة الناس وتوفير لقمة الطعام لهم، وأحقق رضا الله من خلال ذلك، والمزارع يقول: أنا أزرع القمح والشعير ليس لكي لا أموت جوعاً بل من أجل كسب رضا الله الذي دعاني لأن أنخرط في أعمال الحلال، وبشكل عام فما الضير أن يضمر الإنسان في قلبه نية التقرّب لله في كل حركاته وسكناته؟
وهذه الأعمال هي في الواقع ليست عديمة الفائدة والجدوى فكل عمل حلال هو عمل شريف ومقدس لأنه يرتبط بحاجات الناس، وأن تلبية ذلك يأتي منسجماً مع الأمور التي حث عليها الإسلام العزيز، فكل إنسان يحتاج إلى الآخر الذي يؤدي دوراً مختلفاً في الحياة، فالمرء بحاجة إلى الخباز لكي يشتري منه أقراص الخبز وهو بحاجة إلى الفلاح الذي يزرع الخضار والرز والقمح والشعير، والخباز هو الآخر بحاجة إلى الفلاح والفلاح بحاجة إلى التاجر الذي يستورد المواد الكيمياوية والسموم والبذور والتاجر بحاجة إلى رجل الحكومة حتى يسهل عليه أمر التنقل عبر البلدان، ورجل الحكومة بحاجة إلى الطبيب كي يعالجه من مرضه وهكذا... لن يبقى إنسان إلا ويكون بحاجة إلى الإنسان الآخر.
فالاستغناء عن الآخرين هو أمر يستحيل تحقيقه، وربما إستطاع الناس تغيير نمط حياتهم واسلوبهم في التعامل والمعاشرة وغير ذلك، إلا إنهم سيبقون عاجزين على أن يستغني أحدهم عن الآخر، لأن كل واحد منهم يؤدي دوراً يعجز الآخرون عن القيام به.
وفي معظم الأحيان يلجأ الأفراد إلى الإستعانة بالآخرين من أجل قضاء حوائجهم دون ان يكون ذلك من صميم مسؤوليتهم او اختصاصهم، كالجار الذي يسهم في نقل جاره المريض إلى المستشفى، فهو انما يقوم بذلك تطوعاً لأداء الواجب الديني والإنساني الذي يحثه على القيام بمثل هذه الأعمال، وربما لم يكن هذا الجار مسلماً وقد يكون مسيحياً أو غيره فإنه سيؤدي ذلك العمل تنفيذاً للواجب الإنساني.
وبشكل عام فأن الناس في مثل هذه الأوضاع يكونون في حالة خشية وحذر من أن يتم رفض طلبهم فيشعرون نتيجة ذلك بالذل وبالعار، وهي هواجس طبيعية ومشروعة ولاسبيل للخلاص منها، غير أن الإنسان بمقدوره أن يتعرف على الشخص المعطاء والكريم من خلال ما ورد من أحاديث وروايات شريفة وهي التي تشرح مواصفات هذا الإنسان والأمور التي يتميز بها.
ومن الحكمة أن يلجأ المرء في حاجته إلى صاحب العطاء الأكبر، ولايتذلل لبني البشر، فأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خير معين وخير كفيل، ونحن نقرأ كل يوم في صلاتنا "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينٍُ" وهذا القول الذي نكرره كل يوم وعند كل صلاة يجب أن يصدق في أعمالنا وفي مسيرتنا الحياتية، بأن نتوجه إليه ـ سبحانه ـ بالطلب والدعاء وأن يوفقنا إلى سبيل الخير لقضاء حاجاتنا.
فخير للإنسان أن يستعين على أموره كلها بقوة الجبار، غير أنه لايجوز أن يدعي الاستعانة وهو ماكث على الذنب، ومصر على الموبقات، فأن هذه الذنوب تقطع الرجاء وتمنع الدعاء وإذا رأى العبد أنه يدعو الله ويستعين به على أموره كلها وهي غير منقادة إليه فليعرف أن هناك حاجزاً يمنع الدعاء من أن يصل إلى السماء وهذا الحاجز هو الذنب وحينما نقرأ في الآيات التي ورد فيها ذكر الإستعانة بالله، نجد أنه يلحقها أو يسبقها مفهومياً العبادة والصبر فنقرأ في القرآن الكريم، مثل الآية المباركة "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، و"وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ"
فكما توضح الآيات الآنفة الذكر أن الفلاح والنجاح وتحقيق الأماني والآمال تأتي بعد الصبر، فلا يظن المرء أنه سيحقق الفلاح والآمال الكبيرة في نفس اللحظة التي يرفع يده بالدعاء بل يجب أن يروض نفسه على الصبر وتحمل جزء يسير من المحنة التي يمر فيها حتى يحين الوقت المناسب لرفع المحنة والشدة.