في ظل القرآن الكريم
الدعاء؛ مدرسة التربية
|
*أنور عزّ الدين
قال ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة الاعراف: " ولاتفسدوا في الاْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ".
نفهم من مجمل النصوص الدينية، أن الدعاء والتضرع إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ، يُُعد ضرورة إيمانية وتصديقاً بالعقيدة، وتأكيداً للحاجة العقلية للإلتجاء الروحي إلى ما هو أعلى من قدرة الإنسان.
فهو- الدعاء- ليس دلالة عجز ناتج عن الفشل والتكاسل والخطأ في التخطيط. بقدر ما هو سلاح ووسيلة مثلى لنيل البركة والكرامة الإلهية، وتعبير عن الإعتراف لله تعالى بالفقر المطلق من جانب الداعي. نظراً لأن جوهر الإنسان ككائن مخلوق، فقير إلى الواجد الخالق، وبالتالي فإن التجاء ابن آدم إلى استخدام الدعاء وسيلة ونوعاً من التربية الروحية، تطرد عنه كل تكبر وعناد وطغيان.
مدرسة تربوية رائعة
بلى، إن الأذكار والأدعية، كما تصلح وسيلةً ناجعة إلى الله تعالى لنيل المطالب ومطامح الخير، هي ايضاً في مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وسيلة رائعة لصناعة شخصية الإنسان وصياغتها، لأنها تختزل جملة العقائد الحقة والخالية من الأخطاء الفكرية والروحية.
ولذلك، فإن اختيار أهل البيت -عليهم السلام- منهج الدعاء لصناعة الانسان وتكريس الايمان والتقوى في نفسه، لم يكن اعتباطاً أو غير مدروس، وإنما كان اختيارهم بناءً على ما ألهمهم الله تعالى، ليكون انطلاق الإنسان نحو الكمال، وليتحقق التناغم الرائع بين الوسيلة والهدف، فيفر الإنسان بواسطة رحمة الله، من غضب الله.
ومن يقرأ ويتصفح أدعية الأئمة -عليهم السلام- تتجلى هذه الحقائق له، إذ ان في نصوصهم الروحية تكرست معالم المدرسة النبوية والعلوية فعكست كل كلمة منها طبيعة الربوبية والعبودية، ورسمت له أدق التفاصيل لعقيدة التوحيد التي ينادي بها أهل البيت - سلام الله عليهم-.
لقد علّم الله ـ عزوجل ـ الإنسان طرق التقرب إليه، والدعاء أحد هذه الطرق، بل لعله أوضحها وأيسرها. فقال ـ سبحانه ـ "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" فأمره أن يدعوه هو دون غيره ليكون الدعاء تعبيراً سامياً مفاده الإقرار التام بالفضل الأبدي للخالق المتعال على الإنسان؛ وعلى هذا لايكون الدعاء مجرد لقلقة لسان يفتعلها ابن آدم حين احساسه بالحاجة، وإنما هو وسيلة ارتباط بالقوة الربانية اللامتناهية.
ولكي تتوفر في الدعاء شروط الإستجابة، يبقى على الفرد الداعي أن يتقن آداب الدعاء ويلتزم بضوابطه، ثم يفوض الأمر إلى حكمة الرب الكريم في طبيعة الإستجابة وزمنها.
*كيف ندعو الله تعالى؟*
حيث كان الإنسان جاهلاً، فقد أجرى الله ـ سبحانه وتعالى ـ على لسان أهل البيت -عليهم السلام- الذين هم أقرب وسائل التوصل إلى كرم الرب، أجرى على لسانهم طرق تعليم كيفية الدعاء وسبله، فضلاً عن تعليمهم شروطه، ومن أهم الشروط أن يتخذ الداعي أهل البيت وسيلة وشفعاء إلى ربه.. وهذه مشيئة الله وليس لمشيئة الإنسان علاقة بذلك، والأحاديث المتفق عليها تؤكد أن هذه المشيئة كانت سارية حتى على الأنبياء لدى تضرعهم إلى الله والتماس الخلاص من المشاكل، بدءاً بتوسل آدم بآل البيت، ومروراً بنوح وطوفانه الشهير، وكذلك موسى وانفلاق البحر له وانتهاءً برسول الله أيضاً، الذي كان يأمر أهل بيته بالتأمين على دعائه في بعض الموارد.
وشرط آخر هو أن يتحلى الداعي بالإخلاص والعزم على طرد الرذائل عن نفسه فيضعها بين رجاء الإستجابة ورهبة الرد.
وهناك آداب أخرى للتقدم والإنشغال بالدعاء والتوسل، مثل: الإلحاح بالدعاء وطرد اليأس؛ كل اليأس عن القلب والتوكل على الله واعتماد أكل الحلال وتجنب لقمة الحرام، والتخلص مما للآخرين من الحقوق في الذمة، وتطهير الملابس ومكان الدعاء، وغير ذلك من الشروط التي تُبحث في مظانّها بشكل تفصيلي.
*أدعية أهل البيت -عليهم السلام-*
قال تعالى "إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ" والصلاة لغةً تعني الدعاء، واصطلاحاً تعني مجموعة الحركات والأقوال للفرائض اليومية المعروفة، فلنا أن نقول بأن الدعاء وسيلة التخلص من الفحشاء والمنكر، بشرط أن يعي الداعي ما يقول، وبشرط أن يترجم ما يقول إلى حقيقة عملية.
وإن أفضل ما يمكن له أن يساعد الإنسان الداعي في تحقيق هذه المهمة التربوية، هو النصوص الواردة عن أهل البيت -عليهم السلام-، لأنها تحوي ماقد يطلبه العبد من ربه، أو لنقل: إنها تعلم الإنسان كيف يدعو ربّه، وذلك حين التزامه بالنص المعصوم أثناء القراءة بلا زيادة أو نقصان، إذ المعصوم لم يضع دعاءً أو ذكراً إلاّ وقد صنعه بدقة متناهية دون عيب أو نقص، وليس خافياً أن التوسل لمقام الربوبية يستوجب اختيار النص المعصوم، كلماتٍ ومعاني.
*أهداف تشريع الدعاء*
إن من فضل الله على الإنسان، أن أكرمه بالسماح له بمخاطبته مباشرةً ولذلك يتأتى لنا القول: ان من يتعود قراءة الأدعية والاذكار وحتى نصوص زيارات المعصومين رغبة في نيل ثواب ربه ورجاءً لتحصيل رحمته وتسليماً لأمره عز اسمه، فإن من الطبيعي، وما هو معروف من فضل الله أن يستجاب له وينال مبتغاه، عاجلاً أو آجلاً.. لكن هل هذا هو كل الهدف من الدعاء؟
لاريب أن هذا ليس هو الهدف الوحيد. لأن الأدعية الواردة في القرآن الكريم أو التي جرت على لسان المعصومين -عليهم السلام-، تشكل موسوعة عقائدية وتربوية وعرفانية شاملة مهمتها رسم الصورة الكاملة والبعيدة عن الخيال والشعوذة، وفتح عقلية الإنسان في فهم معنى إرادة الله في الخلق وموقفه في الحياة.
لنأخذ مثالاً بارزاً هو دعاء الامام الحسين –عليه السلام- في يوم عرفة، حيث يضم منهجاً عقائدياً كاملاً، بينما دعاء الإفتتاح، يحوى دروساً أخلاقية فذة، أما دعاء أبي حمزة الثمالي ودعاء الجوشن، فيكرس الزخم الروحي والعرفاني لدى الفرد الداعي، فيما أدعية الشهور والأيام تحدد ملامح الفرصة الزمنية المتاحة للإنسان، لكونها نعمة ربانية جديرة باقتناصها وكلماتها تنتقل بالداعي ضمن مساحات الوعي وتكامل الشخصية.
*تقصير واضح!*
إذا عرفنا كل هذه الميزات للأدعية، وكل هذا الدور العظيم، فلنا أن نتساءل عن سر الهجر الكبير والمروّع لقراءة الأدعية على صعيد الفرد والمجتمع في خلواتنا ومجالسنا؟ وحتى عن هذه الشحة المؤسفة في إعداد البحوث والدراسات في هذا المجال، وعدم توجيه العلماء والخطباء الناس؟ رغم كل الاحساس بالحاجة الماسّة إليه في عصرنا الراهن على الأقل.
ولفرط الاستهانة بثقافة الدعاء الصحيحة، نجد كثيراً من المتصيّدين بالماء العكر والمستخفين بمشاعر الناس وعقولهم، يستغلون مشاكل الناس ليفتحوا متجراً دينياً - إن صحّ التعبير- فيملؤوا جيوبهم بعد أن يكتبوا صكوك الأدعية والأذكار التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم ترد على لسان نبيٍّ أو إمام معصوم، شأنهم في ذلك شأن أولئك القساوسة الذين كانوا يصدرون صكوك الجنة، فيبيعون للناس بمن فيهم أعتى المجرمين أراضي الدار الآخرة بحورها وولدانها المخلّدين، تحت طائلة أن السيد المسيح سيتحمل اوزارهم في يوم القيامة فيغفر لهم الله خطاياهم!
فنقرأ في الديانة المسيحية الحالية ان الناس يعيشون الجهل من ناحية، والرغبة في التهرب من مسؤولياتهم الدينية والإجتماعية من ناحية أخرى، فترى الواحد منهم يرتكب ما شاء له من الخطايا والجرائم والموبقات ثم يقدم شيئاً من المال للقسيس البعيد كلّ البعد عن التعاليم الحقيقية للسيد المسيح -عليه السلام- ليسامحه ويعفو عنه، ثم ليبشّره بمكانه في الجنة! وأضحى الأمر نفسه أوشبيهاً به في مجتمعاتنا المسلمة تحت مطرقة الجهل واستغلال ذوي الطباع الذئبية، الذين لايعلم سوى الله تعالى حقائقهم ودوافعهم الخفية، وبغياب ثقافة الدين الأصيل، راح واضعو الأذكار من ذوي التوجهات الصوفية او غيرها التي ما أنزل الله بها من سلطان ومدعو استخدام الجن وتسخير البر والبحر والماء والهواء والكواكب والنجوم! يعبثون بأرواح الناس وعقولهم فساداً، ولجيوبهم نهباً، والأدهى من ذلك أن بعض وسائل الاعلام والقنوات الفضائية التي يفترض بها تنوير العقول ونشر المعلومات، عكفت على الترويج لثقافة الإستهتار بالعقول وهي تسلك في خطيئتها الخطيرة هذه مسلك الإرادة الحاكمة على مقدّرات الناس ومصائرهم في المجتمعات المسلمة التي لاهمّ لها إلا البقاء والتشبث بالسلطة والسيطرة والتفنن والإبداع في التبعية للأجنبي الغريب.
بينما الثقافة القرآنية، ومنهج أهل البيت ـ عليهم السلام ـ يعارض مطلقاً هذه الثقافة التي تسلب من الإنسان والمجتمع شعورهما بالمسؤولية ونعني بها المسؤولية القائلة بضرورة التقدم والتطور ضمن دائرة التقرب إلى الله تعالى.
|
|