نادي الثقة بالنفس
|
*ايمان عبد الامير
روي أن عيسى -عليه السلام- قال ذات مرة:(ماذا يكسب الإنسان إذا فاز بكل شيء وخسر نفسه)؟
ولئن اختلف الأطباء في كيفية ثبوت موت الإنسان طبيًا، فقال بعضهم: إن موت الإنسان يثبت عند توقف القلب، وقال آخرون: بل يثبت موت الإنسان عند توقف المخ؛ لأنه ثبت أن في بعض الحالات يتوقف القلب ويظل المخ يعمل.. فبعيدًا عن قول الأطباء فإننا نقول: احذر أن تموت وأنت على قيد الحياة بأن تفقد مصدر الطاقة في رحلة حياتك وهو: الثقة بالنفس..
إن الثقة بالنفس هي طريق النجاح في الحياة، فيما تكون بداية الفشل في الاستسلام للشعور بالضعة والدونية وعدم الاطمئنان بالإمكانات المتاحة، وكثير من الطاقات أهدرت وضاعت بسبب عدم إدراك أصحابها لما يتمتعون به من إمكانات أنعم الله بها عليهم اذ لو استغلوها لاستطاعوا أن يفعلوا كثيراً، يقول الجنرال البريطاني (مونتغمري) المشهود له صولاته خلال الحرب العالمية الثانية، في كتابه (الحرب عبر التاريخ): ان أهم مميزات الجيوش الإسلامية انها لم تكن في المعدات أو التسليح أو التنظيم, بل كانت في الروح المعنوية العالية .
ما هي الثقة بالنفس؟
يقول جرودون بايرون في كتابه (أتح لنفسك فرصة): (إن الثقة بالنفس هي الاعتقاد في النفس والركون إليها والإيمان بها. وأوضح من هذا تعريف الدكتور أكرم رضا في كتابه (إدارة الذات): هي إيمان الإنسان بأهدافه وقراراته وبقدراته وإمكاناته بمعنى الإيمان بذاته.
والثقة بالنفس لا تعني الغرور أو الغطرسة، وإنما هي نوع من الاطمئنان المدروس إلى إمكانية تحقيق النجاح والحصول على ما يريده الإنسان من أهداف.
فالمقصد من الثقة بالنفس هو الثقة بوجود الإمكانات والأسباب التي أعطاها الله للإنسان، فهذه ثقة محمودة وينبغي أن يتربى عليها الفرد ليصبح قوي الشخصية، أما عدم تعرفه على ما معه من إمكانات، ومن ثم عدم ثقته في وجودها، فإن ذلك من شأنه أن ينشيء فردًا مهزوز الشخصية لا يقدر على اتخاذ قرار، فشخص حباه الله ذكاءً لكنه لا يثق في وجود هذا الذكاء فلا شك أنه لن يحاول استخدامه، ولكن ينبغي مع ذلك أن يعتقد الواثق بنفسه أن هذه الإمكانات إنما هي من نعم الله تعالى عليه وإن فاعليتها إنما هي مرهونة بعون الله تعالى.
ثمراتها
يؤكد علماء الاجتماع آثاراً تترتب على سلوك الانسان الواثق بنفسه، وايضاً على طريقة حياته ونمط تعامله مع الناس ومع عموم الحياة، ومن تلك الثمرات:
1ـ تعرفك أن حياة كل شخص متميزة عن سواها أي ذات خصائص فردية، وتساعدك على اكتشاف خصائصك.
2ـ تجعلك مدركًا تمامًا لإمكاناتك وقدراتك: وتبين لك نقاط الضعف والقوة، فتدفعك إلى الانطلاق.
3ـ تعطيك الاستعداد أن تتخذ القدوة الصالحة وأن تختار ألانموذج المناسب في الحياة وتقتفي الآثار دون تقليد أعمى، وهي الخطوة الضرورية لتحقيق النجاح والتميز في الحياة.
4ـ تنير الثقة بالنفس الهدف، ويدفعك إلى الوصول إليه، فهي مصدر طاقتك.
5ـ تنتشلك من براثن العجز والسلبية والهزيمة النفسية، والتي هي السبب الأساس في الهزيمة، حتى إن التاريخ ليدلل على أن الهزيمة النفسية كانت السبب الأساس في انهزام الجيوش العسكرية، ومثال ذلك ما أصاب الجيش الإسلامي الذي كان يقوده الامام الحسن المجتبى –عليه السلام- أمام جيش الشام المتمرد على الخلافة بقيادة معاوية بن أبي سفيان، ويروي لنا التاريخ كيف استغل معاوية هذه الثغرة بأسوأ ما يكون، وكانت النتيجة هي انهيار قوة ذلك الجيش الذي قاتل بضراوة وبسالة في عهد الامام علي –عليه السلام- قبل استشهاده بفترة قصيرة.
طريق الوصول
ولعلك الآن تريد أن تعرف الطريق الصحيح نحو اكتساب الثقة بالنفس، ونقطة البداية الصحيحة هي أن تبدأ بتقييم نفسك، فكيف تعرف مقدار ثقتك بنفسك؟ إن البداية هي بسد الثغرات التي يتسلل منها الاحباط ومختلف المشاعر السلبية الى نفسك..
بل نسأل هل لديك عقدة نقص؟!
قبل أن تجيب على هذا السؤال استمع أولاً إلى العالم النفسي الشهير (ألفرد إدلر) وهو يعرّف الإحساس بالنقص فيقول: انه شعور يحدو بالمرء للإحساس بأن الناس جميعًا أفضل منه في شيء أو آخر. وليس المقصود بهذا هو أن يشعر المرء بالتواضع أمام الناس فهذا أمر محمود، وإنما المقصود أن يتنامى هذا الشعور في الإنسان إلى الحد الذي يشعره بالدونية والعجز والفشل، ومثل هذا الشعور إذا تمكن من الفرد فإنه يكون نقمة عليه، ويجعله لا ينعم بسكينة النفس التي من حقه أن ينعم بها، فهو يبذل جهدًا متواصلاً للتعويض عن نقصه سواء أكان حقيقياً أم وهمياً.
وكما عرفنا دلالات الثقة بالنفس وعواملها، حريّ بنا معرفة علائم الضِعة في النفس وجذورها.. منها:
أولاً: شحّة الحب والعطف..
مقولة: (إنه لا يحبني) كثيراً ما تعاني منها الزوجات اللاتي يعانين من التعاسة في حياتهن الزوجية، لاسيما اذا كانت مدللة عند أهلها، وكانوا يغدقون عليها بالحب والحنان، ثم تتوقع نفس المعاملة من زوجها، ولكن مع مرور العام الأول من الزواج تشعر أن زوجها قلل من حبه لها، وكانت شكواها من أنه لم يعد يحبها، مع أن زوجها قد يكون شديد الحب لها، ولكن في داخلها تكمن شحة الحبّ، فتبدأ الاستفهامات تلاحقها في هل انها تستحق الحب والاحترام؟!
ثانيًا: البحث عن العظمة..
(.. انا لست عظيمًا بالقدر الكافي)! هكذا يقول لنفسه كلما فعل شيئًا، فلديه شعور مستمر أن أفعاله وأعماله لم تصل للحد الذي يرضى عنه، وإذا بحثت داخل نفسه ستجد أنه يبحث عن (الكمال الوهمي) الذي لايمكن أن يصل إليه البشر بعد الأنبياء والاولياء الصالحين -عليهم الصلاة والسلام- ولن يستعيد هذا الشخص ثقته بنفسه ما لم يعلم أن كل شيء نفعله لابد وأن يعتريه حتمًا بعض النقص.
ثالثاً: التأثر سلباً بنجاح الآخرين..
التقى أحدهم بزميل له في الدراسة بعد أعوام، واستمع منه إلى قصة نجاحه، وكيف امتلك صيدلية وسيارة ومنزلاً في حي راق، وأن أبناءه في المدارس الخاصة، وكان يستمع إليه ويكاد يشعر بالدوار، وكأن غولاً يأكل قلبه، إنه بالقياس إلى صديقه لم يحقق شيئاً يذكر.. نعم لديه مهنة وزوجة وأولاد ولكن ليست حياته في مستوى صديقه، ويا لتلك السيارة المتهالكة التي يركبها بالمقارنة مع سيارة صديقه!، رغم أنه يعلم أن صديقه يدفع لها قسطًا شهريًا بمبلغ عالٍ، وانطلق يندب حظه وهو يقارن بينه وبين الناس، وبذلك تذهب ثقته بنفسه مع تيار الحسرة على وضعه بالمقارنة بأوضاع الآخرين.
رابعاً: الحساسية المفرطة..
(ماذا تقصد بهذا؟..) هكذا يقول عند كل كلمة يوجهها إليه أحد، لو غفل زميله عن توجيه التحية إليه، أو لو دخل على اثنين يتحدثان فسكتا، فيما يشعر بالامتعاض حال سماعه نقداً او ملاحظة على تصرف له ولو بأسلوب لطيف.
خامساً: افتقاد روح الفكاهة..
(هل تسخر مني؟).. سؤال غالباً ما ينطلق به صاحب الشعور بالضعة وبشكل سريع، ثم يتجهم وجهه وهو يقول تلك الكلمة عندما يوجه أحد أصدقائه دعابة او طرفه تدور حول ملبسه او مأكله او ذوقه او ما شابه ذلك.
بمعالجة هذه الثغرات النفسية تكون نفسية الانسان مطمئنة لاتزعزعها العواصف مهما كانت قوية من قبيل الكلام المسموع او الموقف المشهود او الظروف الصعبة، وقبل ان نختم مقالنا لابد من التذكير بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وطلب المدد والعون منه لا من غيره، "ومن يتوكل على الله فهو حسبه".
|
|