حضارة الأخلاق الفاضلة
الحلقة الثانية
|
تربية الذات على الخير
*علي ضميري
ذات الإنسان مثل ساحة معركة، فيها جنود الخير وفيها جنود الشر، وفيها قائد للخير، وهو العقل وآخر للشر وهي النفس الأمارة بالسوء.. والله - سبحانه وتعالى - يريد للإنسان أن يغلّب عقله على نفسه حتى يجعلها نفساً مطمئنة.
هنا الجنود تمثل لدى الطرفين قابليات الإنسان ونوازعه الدافعة نحو الخير أو الشر.. ومسؤولية الإنسان النبيل أن يقوّي وينمّي قابليات الخير لديه لتتغلب على قابليات الشر.
فإذا نظر الإنسان لذاته الإنسانية وتطلع إلى ما يسمو بها إلى حيث التقدم والتطور الروحي وقام بما يكفل لها تحقيق هذا الهدف المقدس، يكون قد ضمن لها السلامة والاستقرار والنجاح في الدنيا والآخرة.. أما إذا اهتم بما يظنه النجاح في الدنيا فقط، يكون قد ضيّع وجوده في الدارين، لأن الدنيا ليست بدار الفلاح النهائي، وإنما الله تعالى قد أوجد الحياة الدنيا وجعلها مزرعة للآخرة، ومحطة يتوقّف فيها ابن آدم بعض الوقت، ليتزود منها ما يساعده على مواصلة سفرته إلى حيث الحياة الأبدية في الدار الآخرة، حيث يحلّ فيها نزيه النفس، سليم القلب، كامل العقل..
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله-: (حب الدنيا رأس كل خطيئة)، ولاريب أن حبّ الجنة رأس كل حسنة وفلاح..ولكن أن يكرس كل حبّه للدنيا من أجل الحصول على الدنيا، فذلك الهلاك بعينه لأنه سينسى ربه ولن يفكر أو يقوم بمسؤوليته تجاه الدار التي من أجلها خُلق، وهي الدار الآخرة.
فإذا لم يربّ ابن آدم نفسه على حب الله وحب الخير وحب الصالحين، يكون حبيباً للشيطان الذي سيعلمه حبّ الشر ويبعده عن ذكر الله وحب الصالحين، أما إذا قصد تربية نفسه والارتقاء بها ضمن مدارج الكمال، فعليه أن ينمي ويقوي صفات الخير لديه، الواحدة تلو الاخرى، والتربية كما هو معلوم ليست كلمة تقال أو تقرأ في الكتب بصورة نظرية مجردة، وإنما هي قناعة وسلوك متواصل.
ومن آليات التربية النفسية والتهذيب الأخلاقي، محاسبة النفس في كل يوم على فعل الخطأ وعلى عدم فعل الصحيح. فإذا عمل سوءاً قرّع نفسه وقرر عدم العود إليه ثانيةً، عبر تجنب الدوافع إلى ذلك، كالغيبة التي تكثر ممارستها في مجالس البطالين، والإحجام عن مساعدة المؤمنين، الذي يتكرس مع الأنانية والبخل، وإذا لم يعمل الخير، فلينظر الاسباب التي تمنعه من ذلك، فيحاول جاهداً رفعها، مثل الجهل واصدقاء السوء والبعد عن الله تعالى..
إن إهتمام الفرد بمحاسبة نفسه الأمارة بالسوء يعني أنه ينظر إلى وجوده في الحياة نظرة جدّية ومسؤولة، وهذه الجدّية هي التي تضفي الكرامة على شخصيته، ومن دونها يقضي على نفسه بكونه منخرطاً في سلك الأنعام والبهائم التي لاهمّ لها سوى ما يبقيها على قيد الحياة، ويلبي غريزتها، بل يكون أضلّ سبيلاً لأن الله تعالى قد زوده بقابلية التطور، وحمّله مسؤولية التطور في علمه وايمانه ومعيشته، بينما الحيوانات مغلوبة على أمرها، فهي معذورة ولها تبريرها المنطقي في بقائها على حالتها الأولى، وقد قال عزّ من قائل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ" – الحشر/18-، وقال أميرالمؤمنين -عليه السلام-: (السعيدُ من حاسب نفسه).
حقاً.. إن من عظمة المنهج الإسلامي، أنه يريد الفلاح والسعادة للإنسان، وليس مجرد إرادته في تفعيل إجبار الإنسان على الالتزام به، كما هو الحال في سائر المناهج الوضعية المهتمة بالتسلط على فكر الفرد وفعله.. ثم ان الله تعالى خلق الإنسان في هذه الدنيا ليعيش فيها عيشةً طيبة دونما اضطراب نفسي، فيكون مسؤولاً عن تصرفاته.. بمعنى كونه مخلوقاً ممتحناً، ومطلوباً منه النجاح في هذا الإمتحان.
قال إمامنا محمد الباقر -عليه السلام-: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم وليلة)، أي: ليس من شيعة أهل البيت -عليهم السلام- من لاينظر إلى الحياة نظرة جدية، فهو بذلك مجرد لصيق ومدّعٍ لهذا العنوان المقدس- التشيع -.
قال مولانا أميرالمؤمنين - عليه السلام -: (من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه أفضل من أمسه فهو مرحوم، ومن كان أمسه أفضل من يومه فهو ملعون) والمغبون هو الخاسر، والمرحوم هو القريب من الله، والملعون هو المطرود عن رحمة الله.. وقد سُئل -عليه السلام- عن كيفية محاسبة الإنسان نفسه، فأشار إلى أن يقول في نفسه في كل ليلة: (اليوم قد انقضى ولن يعود ابداً، وسيسألك الله عما عملت فيه، هل في ذكرالله وشكره؟ وهل أدّيت لمؤمن حقاً؟ وكفيته شراً؟ وهل حفظته لدى غيابه بماله وأولاده؟ وهل أديت حقه بعد مماته؟ وهل استغبت مؤمناً؟ وهل أعنت مسلماً؟ فتذكر ما قمت به في ذلك اليوم من عمل، فإن عملت خيراً فاشكر الله عليه، وإن عملت سوءاً، فاطلب من الله التوبة، واعزم على تركه)..
وليس خافياً على أحد –نظرياً على أقل تقدير- أن للموفقية في الحياة بناءً على المفهوم الرباني، عواملها، كما أن للفشل أسبابه. وتقف تربية النفس وتهذيبها ومحاسبتها في مقدمة عوامل الفلاح على الصعيدين؛ الدنيوي والأخروي.
وتربية النفس ليست عملية وقتية، ليقوم بها الإنسان في ظرف زماني أو مكاني خاص، ثم يغفل أو يتغافل عنها، بعد ذلك يطلب الفلاح والموفقية لدنياه وآخرته، وإنما هي عملية ينبغي أن تكون دائمة مادام الإنسان على قيد الحياة، لاسيما وأنه مستهدف من جانب الشيطان المتربص، ولكون ضغوط النفس الأمارة بالسوء تلاحقه حتى نفسه الأخير..
فالتربية النفسية بحاجة إلى مداومة وشدة، لأنها – النفس- كما الحصان الجامح بحاجة إلى فارس خبير بمعرفة أساليب الفروسية، فهو رغم معرفته وخبرته معرض للسقوط أو الهلاك لأدنى غفلة وتماهل.. لأن الغفلة عن القابليات النفسية، تعني الانحراف عن الجادة الموصلة إلى الأهداف المخلوقة من أجلها، ونعني بها التزكية والتهذيب.
ووسيلة ذلك، جعلها طيّعة في خدمة الروح والعقل دائماً وأبداً، خصوصاً وأن عوامل الشر تترقب غفلة الإنسان وتتحيّن به الفرص لتهاجمه بسرعة مذهلة.
|
|