قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

وقفة على حياة العالم العَلَم، الشيخ البهائي
لقد طغى هذا الاسم العَلَم على صفحات التاريخ حتى نال الشهرة الواسعة والرواج اللائق في عالمنا الإسلامي فهو محمد بن عز الدين المسمى (بهاء الدين) فقد كان مولده في بعلبك لبنان من عام (1030) هـ، ونشأ في كنف والده وكهفه آخذاً من تربيته ومهارته وتبحره وأدبه وشعره وثقته فانتقل وهو صغير إلى إيران، وغرس والده فيه حب أهل البيت والقول والمدح والرثاء فيهم، فمضى الولد على خطا كبار شعراء آل الرسول مادحهم والمدافع عنهم بالشعر وتابع أباه أيضا في العلوم الرياضية والفلكية وتابعه أيضا في رحلاته الأدبية والعلمية إلى مدن بلاد فارس ومصر والحجاز والشام وفلسطين والعراق حتى عدوا سفراته ثلث عمره الذي قضاه وكان المرحوم قد توجه بطلب العلم والترويج للدين والتعرف على أهل العلم والمعرفة والأخذ والرواية عنهم، ثم عاد إلى بلاد فارس مستوطناً فيها ومؤلفاً ومصنفاً للعلوم العقلية والنقلية وذكره الشيخ المجلسي هكذا: (هو شيخنا واستاذنا ومن استفدنا منه، جليل القدر عظيم الشأن كثير الحفظ وعالي المرتبة).
وذكره الشيخ الحر العاملي هكذا: (الشيخ الجليل بهاء الدين حالة في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق وجلالة القدر وعظم الشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن اظهر من ان يذكر، وفضائله أكثر من ان تحصر، وكان ماهراً متبحرا جامعا كاملا شاعراً أديباً منشئ، عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضيات وغيرها).
وقد مدحه المحبي وهو أحد علماء أهل السنة هكذا: (كان الشيخ البهائي أمة مستقلة، بارعاً في تأليفه واسع الأفق كثير الاطلاع ذا آراء جديدة، وجديرة ومتميزة بالشجاعة العلمية). وتميز الشيخ البهائي بأصالة الاسلوب وجزالته وبلاغته وجماله، إذ كان أديبا في اللغة وشاعرا بارعا ومن ذوي الألسن البارزين، أما كتبه فكثيرة وجمة مابين أدبية ودينية ولغوية وعلمية وتاريخية وجغرافية وفقهية.
فلقد طرق أبواب المعارف التي يتعطشها الناس وكان يجيد النظم باللغتين العربية والفارسية حتى خلف من بعده ديوانا في مدح النبي محمد وآله الطيبين (ع) واشعاراً في النصح والوعظ والمسائل الاجتماعية والأخلاقية وغيرها.
وأخلاقه ـ رحمه الله ـ هي امتداد لأخلاق أبيه أيضا فقد غذاه والده منذ صغره بالآداب النفسية والروحية العالية والسلوك الإلهي وتلقى منه الفضائل والمحامد وكان يصحبه في رحلاته المليئة بالتجارب والعبر ويلقي عليه فنون العلوم ونوادر الأخبار وينشط نفسه بهذا الاتجاه ومن اخلاقه وكمالاته النفسية ايضا تعلقه بالعبادة والتقوى وحياته البسيطة والمؤثرة على الفقر في طاعة الله على الغنى في معصيته، وكان الشيخ البهائي أيضاً من أهل المعروف والإحسان والبر والعطف على اليتامى والمعوزين، فكان الايتام يلجؤون إليه ويغدون عليه وكان ينفق بكرة وعشيا. واتسم ايضا بالتواضع وسعة الصدر وكثرة الاطلاع والانفتاح على الآخرين ولم يتحفظ أو يتحرج من أخذ الحكمة والمعرفة والمعلومة من أي لسان أو بيان. ولعل الفترة التي عاشها في إيران مع العصر الصفوي كانت تفتقر الى وجود أمثال هذا الرجل ليعمل على توحيد الأفكار وتقريبها وإصلاح الآراء وحسم الصراع الداخلي بين الفرق بوسائل وأسباب سليمة ومتقنة.
هذا وقد رحل هذا العالم والعارف والمروج للقرآن وللعترة النبوية الشريفة في 12 شوال عام 1030 في مدينة أصفهان ونقل جثمانه إلى مدينة خراسان ليجاور إمامه الرضا ـ عليه السلام ـ وصلى خلف جنازته أكثر من خمسين ألف إنسان. وكان يوماً مشهوداً في التاريخ الإسلامي، ورثاه الشيخ إبراهيم العاملي وهو تلميذه بقصيدة شعرية:
شيخ الأنام بهاء الدين لا برحت
سحائب الفضل ينشيها له الباري
كم خر لما قضى للعلم طود علا
ماكنت أحسبه يوما بمنهار
وكم بكته محاريب المساجد اذ
كانت تضيء دجى منه بأنوار
فاق الكرام ولم تبرح سجيته
إطعام ذي سغب مع كسوة العاري
جل الذي إختار في طوس له جدثا
في ظل عام حماها نجل أطهار