الامام الصادق (ع).. مدرسة كبرى ومعين للعلوم لا ينضب
|
جعفر ضياء الدين
لعلنا لن نجد في التاريخ الانساني مدرسة فكرية استطاعت ان توجه الاجيال المتطاولة، وتفرض عليها مبادئها وافكارها، ثم تبني امة حضارية متوحدة لها كيانها وذاتيتها مثلما صنعته مدرسة الامام الصادق (ع).
ان من الخطأ ان نحدد انجازات هذه المدرسة في من درس فيها واخذ منها من معاصريها وان كانوا كثيرين جداً، وانما بما خلفته من افكار، وبما صنعته من رجال غيروا وجه التاريخ ووجهوا امته، بل وكونوا حضارته التي ظلت قروناً مستطيلة.
لقد اثبت التاريخ ان الذين استقوا من افكار هذه المدرسة مباشرة كانوا اربعة الاف طالب، ولكن ذلك لا يهمنا بمقدار ما يهمنا معرفة ما كان لهذه المدرسة من تاثير في تثقيف الامة الاسلامية التي عاصرتها والتي تلتها الى اليوم، وان الثقافة الاسلامية الاصيلة كانت جارية عنها فقط، حيث اثبتت البحوث ان غيرها من الثقافات المنتشرة بين المسلمين انما انحدرت عن الافكار المسيحية واليهودية بسبب الداخلين منهم، او ملونة بصبغة فلاسفة اليونان والهنود الذين ترجمت كتبهم الى العربية، فبنى المسلمون عليها افكارهم وكونوا بها مبادئهم. ولم تبق مدرسة فكرية اسلامية حافظت على ذاتيتها ووحدتها واصالتها في جميع شؤون الحياة كما بقيت مدرسة الامام الصادق (ع)، ذلك لثقة التابعين بها وبافكارها، مما دفعهم الى التحفظ بها وبملامحها الخاصة عبر قرون طويلة، حتى انهم كانوا ينقلون عنها الروايات فماً بفم، واذا كتبوا شيئاً لا ينشرونه الا بعد الاجازة الخاصة ممن رووا الافكار عنه.
واذا عرفنا بان الثقافة الاسلامية ـ الشيعية منها او السنية ـ كانت ولا زالت تعتمد على الائمة من معاصري الامام الصادق كالائمة الاربعة ممن توقف المسلمون على مذاهبهم فقط، ومن ثم عرفنا بان معظم هؤلاء الائمة اخذوا عن هذه المدرسة افكارهم الدينية، حتى ان ابن ابي الحديد اثبت ان علم المذاهب الاربعة راجع الى الامام الصادق في الفقه، وقد قال المؤرخ الشهير ابو نعيم الاصفهاني: (روى عن جعفر عدد من التابعين منهم: يحيى بن سعيد الانصاري، وايوب السختياني، وابان بن تغلب، وابو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبد الله بن هاد، وحدث عنه الائمة الاعلام: مالك بن انس، وشعبة الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جريح، وعبد الله بن عمر، وروح بن القاسم، وسفيان بن عيينه، وسليمان بن بلال، واسماعيل بن جعفر، وحاتم بن اسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وابراهيم بن طهمان، وآخرون، واخرج عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه محتجاً بحديثه، اذا عرفنا ذلك صح لنا القول بان الثقافة الاسلامية الاصيلة ترجع الى الامام الصادق (ع) والى مدرسته فقط.
ومن جانب آخر اذا عرفنا بان تلميذا واحداً من الملتحقين بهذه المدرسة الف زهاء خمسمائة رسالة في الرياضيات كلها من املاء الامام الصادق (ع)، وهو جابر بن حيان المعلم الرياضي الشهير الذي لا يزال العالم يعرف له فضلاً كبيراً على هذه العلوم واياد طويلة على اهلها.
وروى عنه محمد بن مسلم ستة عشر الف حديث في مختلف العلوم، وآخرون من هؤلاء الافذاذ، حتى قال قائلهم رأيت في هذا المسجد ـ اي مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: (قال: جعفر بن محمد). حتى ان ابا حنيفة كان يقول:
(لولا السنتان لهلك النعمان).
واخيراً عرفنا بانه لم يرو عن احد من الائمة الاثني عشر ـ بل عن المعصومين الاربعة عشر وفيهم رسول الله (ص) ـ بقدر ما روي عن الامام الصادق (ع)، ولقد جمع المتاخرون من الشيعة ما روي عنهم في مجلدات ضخمة: فكان البحار للمجلسي يحوي مائة وعشرة مجلدات، وكان جامع الاخبار للنراقي مثيلاً له، وكان مستدرك البحار نظيراً له، وقد احتوت غالبية الكتب ونظائرها على احاديث الامام الصادق (ع) واكثرها في الفقه والحكمة والتفسير وما الى ذلك.
اما في سائر العلوم فلم يصل الى ايدينا الا الشيء القليل، حيث ذهب معظمها ضحية الخلاف السياسي الذي اعقم عصر الامام، فكم من كتب مخطوطة للشيعة احرقتها نيران المنحرفين، وكان نصيب مكاتب الفاطميين بمصر اكثر من ثلاثة ملايين كتابا مخطوطا، وكم من كتب لفتها امواج دجلة والفرات واحرقتها مطامع العباسيين ببغداد والكوفة، وكم من محدث واسع المعرفة جم الثقافة ظلت العلوم هائجة في فؤاده لا يستطيع لها نشراً خوفا من ارهاب العباسيين واجرامهم، فهذا ابن ابي عمير ظل في سجون بني العباس مدة طويلة ـ ومن المؤسف ـ ان ما كتبها هجرت في هذه المدة حتى عفنت واكلها التراب، وراحت احاديث كثيرة منها صحيحة الاعمال، وهذا محمد بن مسلم حفظ ثلاثين الف حديث عن الامام الصادق ولم يرو منها شيئاً.
اذا عرفنا كل ذلك امكننا معرفة مدى شمول ثقافة هذه المدرسة العالم الاسلامي ومدى سعة افقها الرحيب.
والمشهور ان منهاج الامام الصادق كان يوافق احدث مناهج التربية والتعليم في العالم، حيث ضمت حوزته اختصاصيين كهشام بن الحكم الذي تخصص في المباحث النظرية، وتخصص زرارة ومحمد بن مسلم واشباههما في المسائل الدينية، كما تخصص جابر بن حيان في الرياضيات وعلى هذا الترتيب، حتى انه كان يأتيه الرجل فيسأله عما يريد من نوع الثقافة فيقول: الفقه فيدله على اختصاصييه، او التفسير فيومئ الى صاحبه، او الحديث والسيرة او الرياضيات، او الطب، او الكيمياء، فيشير الى تلامذته الاختصاصيين فيذهب الرجل بملازمه له حتى يخرج رجلاً قديراً بارعاً في ذلك الفن.
ولم يكن الوافدون اليه من اهل قطر خاص، فلقد كانت طبيعة العالم الاسلامي في عصره تقضي على الامة بتوسيع الثقافة والعلم والمعرفة في كل بيت.. حيث ان الفتوحات المتلاحقة التي فتحت على المسلمين ابوابا جديدة من طرق العيش وعادات الخلق، وافكار الامم، كانت تسبب احتكاكا جديداً للافكار الاسلامية بالنظريات الاخرى ولسبيل الحياة عند المسلمين بعادات الفرس والروم وغيرهما من جارات الدولة الاسلامية، كما خلقت مجتمعا حديثا امتزج فيه المتاثر العميق بالوضع، والمنحرف الكامل عن الاسلام، مما سبب حدوث تناقضات في الحياة قد ترديه وتحدث لديه انعكاسات سيئة جداً لذلك الامتزاج الطبيعي المفاجئ.
لذلك هرعت الامة يومئذ الى العلم والثقافة والتصقت بابي عبد الله الصادق (ع) مؤملة الخصب الموفور، ووفدت عليه من اطراف العالم الاسلامي طوائف مختلفة، وساعدهم على المثول عنده مركزه الحساس، حيث اختار ـ في الاعم الاغلب ـ مدينة الرسول (ص) التي كانت تمثل العصب الحساس في العالم الاسلامي، ففي كل سنة كانت وفود المسلمين تتقاطر على الحرمين لتادية مناسك الحج المفروضة ولحل مسائلهم الفقهية والفكرية، فيلتقون بصادق اهل البيت (ع) وبمدرسته الكبرى حيث يجدون عنده كل ما يريدون.
|
|