25 شوال ذكرى استشهاد الامام الصادق (ع)
المدرسة الجعفرية.. شوكة امام الطغيان وعلوماً للإنسان
|
عبد الرسول الفراتي
الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) هو سادس أئمة أهل البيت (ع) المولود يوم الجمعة 17 ربيع الأول تقارناً مع ذكرى ولادة جده المصطفى (ص) عام 80 او 83هـ، واما استشهاده ففي 25 شوال عام 148هـ مسموماً على يد المنصور العباسي وكان دفنه في البقيع بالمدينة المنورة بجوار ابيه الباقر وجده السجاد وعمه الحسن بن علي ـ عليهم السلام ـ.
لقد نشأ الامام (ع) في رعاية جده الامام زين العابدين ـ عليه السلام ـ في المدينة المنورة ورعاه ما يقارب 12 سنة ثم اعتنى به ابوه الامام الباقر (ع) 19 سنة وعاش بعد ابيه 34 سنة وهي مدة إمامته.
عاصر الامام (ع) سقوط دولة وقيام دولة اخرى، سقوط الامويين وقيام العباسيين، وكان لهذا الحدث اكبر الاثر في تكريس المذهب الشيعي في الامة وتشييد هيكلية المدرسة الفقهية لاهل البيت (ع) حيث ينسب الفقه الجعفري نسبة للامام (ع) احد الائمة الذين نقلوا الينا اصالة الاسلام وحقيقته منزهة من كل شائبة، وكان انهيار هاتين الدولتين وقيامهما الفرصة الذهبية المؤاتية للامام ليقوم بنشر تعاليم الاسلام، حيث اصبح حكام الدولتين في شغل عن العلم والعلماء، والمهم عندهم درء ما كان يحيق بهم من اخطار تقيض عروشهم.
وفي جانب هذه الاوضاع الاجتماعية والحروب الطاحنة والتيارات القائمة رفع التضييق عن الامام وشيعته مما فسح له المجال في نشر مذهب آل البيت، ولعل ما ادعاه العباسيون من انهم يحترمون ويعتقدون بمذهب ائمة اهل البيت كان الداعي في بسط نفوذ الامام الفقهي بين افواج الناس وبرغم هذا كان اسلوب الامام في نشر التوعية والعلوم والمعارف الدينية بين الناس يعتمد على السرية التامة، خشية من ان يعطي ذريعة لاعدائه بعد ان تقوى امورهم ويبسط نفوذهم، وكان مارآه الامام صائباً في هذا المجال، فبعد ان انتصر العباسيون على الامويين وترسخت قدرتهم كان موقفهم مع اهل البيت (ع) والامام بخاصة موقفاً سلبياً وغادراً.
فينقل ان المنصور حاول ثماني مرات اغتيال الامام الصادق (ع) بعد ان وصلته اخبار تفيد بانه (ع) اخذ ينتقد الحكم، وكانت سياسة الامام وكياسته الداعية للمرونة واللين تمتص نقمة الاعداء وتخرجهم عن قرارهم الجبان، وكان (ع) لا يتغافل عن دوره الجهادي والقيادي الرائد في الامة وكان جريئاً صلباً مع المنصور واعوانه، وكما تنقل الروايات ان المنصور ارسل على الامام يعاتبه على قطيعته له، حيث قال لِمَ لمْ تزرنا كما يزورنا الناس؟!، فاجابه الامام (ع): (ليس لنا من امر الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من امر الآخرة، ما نرجوه منك ولا انت في نعمة نهنئك بها ولا في نقمة فنعزيك)، فقال له المنصور: تصحبنا لتنصحنا، فرد الامام عليه: (ان من يريد الدنيا لا ينصحك ومن يريد الآخرة لا يصحبك..!) فهذه الجرأة في الرد هي عين الطرد لائمة كفر وضلال كهؤلاء.
ولقد كان بيت الامام الصادق جامعة تزخر بشتى انواع العلوم الطبيعية والانسانية وتموج بآلاف الحكماء وطالبي العلم وكما يقول الاستاذ محمد صادق نشأت: كان عليه السلام يلقي على طلابه مختلف العلوم وينميهم بفنون المعارف، ومضافاً لما يلقيه على طلابه في الفقه، والحديث والتفسير كان يخص من يجد فيه القابلية، بالعلوم الحديثة حيث وجد (ع) في تلميذه جابر بن حيان استعدادا ولياقة فاخذ يخصه بوقت يدرسه فيه الكيمياء وغيرها من العلوم، حتى كتب جابر من محاضرات الامام (ع) مئات الرسائل وقد طبعت 500 رسالة محفوظة اليوم في المانيا، منذ 300 سنة، وهي موجودة في مكتبة الدولة في برلين ومكتبة باريس، وبلغت مؤلفات جابر (3900) رسالة،
ويقول عالم كيمائي غربي: ان عصر الامام الصادق (ع) مساوٍ لعصر (بريستلي) و(لا فوازييه)، وان الامام الصادق (ع) اول مكتشف (لحامض النتريك والماء الملكي).
اما فانديك العالم الهولندي فيقول: ان جابراً اشتهر بـ(كيمياوي العرب) وانه تتلمذ على يد الامام جعفر الصادق (ع).
والامام (ع) كان يحيط علماً بانواع العلوم الكونية والطبيعية وله مشاركة واسعة في علوم القرآن والسنة والعقيدة حيث ناظر كبار اهل الفرق والاديان في ظرف اختلطت فيه المقاييس الفكرية والمعايير الدينية واختلطت المفاهيم على كثيرين وكان اكثر الناس يحتكون مع هذا الجو الخاص الذي يبرز الظاهرة التي اوجدها الامام الصادق بين الجمهور فكان كبار الفرق امثال ابن ابي العوجاء وابن المقفع وابن طالوت وغيرهم يتفقون على احراج الامام (ع) واعجازه بادق الاسئلة فكان لهم الامام بالمرصاد فيخرجون وعندهم الجواب الكافي والصائب.
ويذكر مرة ان ابن ابي العوجاء خرج خائباً من الامام قائلاً لاصحابه من الزنادقة: سألتكم ان تلتمسوا لي خمرة فالقيتموني في جمرة!.
وينقل الرواة الثقاة عن الامام الكثير الكثير، وقد بلغ
عدد من تلقوا عنده العلم في حلقة واحدة من حلقات التدريس في الكوفة وقد رويت من الاصول (400) اصل محفوظة في الكتب المعتبرة الاربعة عدا الرسائل والوصايا والمناظرات والحكم.
ومن اشهر حكمه الخاصة: (استنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا المال بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل، وقلة العيال احد اليسارين، وان الله تعالى ينزل الرزق على قدر المؤنة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرمه الله).
فهذه الاقوال المأثورة لها مدلولات اقتصادية رائعة توحي كل منها الى وظيفة خاصة تحاول صنع مجتمع فاضل حر كريم، يتمتع باسس اجتماعية واقتصادية سليمة وثابته وحري بنا ان نستخدمها في نظامنا الاقتصادي إذ لو التزمنا بها لسلكنا دروب الحياة السعيدة فنمتاز عن بقية المجتمعات التي لا تولي لقادتها ووصاياهم اي شأن.
|
|