الرؤية و.. التواضع السياسي
|
ربما يلاحظ المتابع لأوضاعنا على أكثر من صعيد ان قدرة الأزمات على الاستمرار تبدوا في اكثر الاحيان أكبر من قدرة المعالجات والحلول الموضوعة على صعيد الواقع، وهي حالة تدعو للتأمل ومراجعة الحسابات بواقعية من جهة ومن جهة أخرى العمل على الخروج من هذه الحالة المعقدة من خلال سياسات جادة وشفافة بدلاً من الانشغال بسياسات الهروب إلى الأمام التي تفاقم الأمور سوءاً وهي لا تحل الأزمات والمشكلات التي يعاني منها البلد إلا في ذهن أصحابها فقط.
ومع أنه قد يمكن ـ كما يرى البعض ـ اعتبار لجوء الحكومة عموما، او هذا الوزير والمسؤول او ذاك المحافظ والمدير.. إلى عملية تعزيز الثقة بنفسها، و انفسهم، من خلال تصريحات ووعود متكررة ومستهلكة و(مشاهد إعلامية مستمرة)، قضية اعتيادية في العمل السياسي، إلا أن ذلك لا يبرر بطبيعة الحال العمل على تلميع الصورة في كل قضية إلى درجة القفز على حقائق الواقع وكأن الناس يعيشون في الدولة المحسودة لحال الرفاه واليسر ورغد العيش والحياة الحرة الكريمة، وما يُخشى أن نصل إلى وضع يصدق البعض ما يتحدث عنه، لأن ذلك طامة كبرى مع ما تتحدث عنه أزمات البلد بشكل فاضح و"فاقع" في اغلب الاحيان.
إن من الحكمة والواقعية السياسية أن نتعلم من الآخرين ممن سبقونا في مجالات عدة وكيف أن دولاً قطعت أشواطاً متقدمة في مجالات التنمية الشاملة والإنتاج والتطوير على أكثر من صعيد ومع ذلك فإن هذه الدول لا تزال تنظر إلى نفسها على أنها مجرد دول نامية فحسب وأنها لا تزال في بداية الطريق وهو ما يمثل حالة من التواضع السياسي نحن بحاجة إلى أن يقتدي بها المتصدون للشأن السياسي سواء على الصعيد الرسمي أو الحزبي والشعبي، مع أن التواضع حالة أخلاقية راقية يحتاجها كل فرد في المجتمع إذا ما أردنا أن نرتقي بمستوى العلاقات الاجتماعية والتعامل الإنساني في كل المجالات.
إن معالجة «الازمات» و«العُـقد» و«الأخطاء» و«النقص» و«القصور»، لا يمكن أن يتحقق من خلال «ادعاءات» أو «تفاخر» أو «مزايدات» ليس لها من حظوظ أو رصيد على أرض الواقع، فبينما ـ وعلى سبيل المثال لا الحصر ـ يعاني عدد كبير جدا من المواطنين من عدم قدرتهم على شراء أرض في وطنهم أو الحصول على مسكن أو حتى ربما القدرة على إصلاح أو «ترميم» بيوتهم، يتحدث البعض في الحكومة ودوائرها ـ وعلى سبيل المثال ايضا ـ عن انجازات واسعة في القضاء على الفقر، وبينما تعاني شريحة واسعة من الخريجين، ومن غيرهم من الشرائح، في البحث عن فرصة العمل اللائقة، ترى اولئك المسؤولين يتحدثون عن البطالة بطريقة استعراضية، وبينما يتذمر المواطن من انقطاع الكهرباء وشوائب(ان لم يكن ثلوث) الماء، و زحمة السير الخانقة في شوارع بائسة، ومن قلة او سوء باقي الخدمات.. ولن نتحدث عن أزمة والفساد المالي والاداري، او الضبابية في قضية حساسة وجوهرية كالأتفاقية مع الجانب الامريكي، ومحاولة «الاستعجال» بها و«التسويق» لها، وغيرها من الملفات و الأزمات..، لكن نقول بينما يحصل كل ذلك تطالعنا التصريحات والتأكيدات بأحاديث تنم عن طريقة «استغفالية» و«استخفافية» بعقول الناس من قبيل «حققنا» و«باشرنا » و«أنجزنا» وهكذا.
إن ما يعزز علاقة الفرد «المواطن» بالدولة، يرتكز بالدرجة الأولى على الثقة التي ينبغي أن تدعمها حقائق على أرض الواقع ولكي نعزز بناء الثقة فإننا بحاجة إلى صدقية ووضوح أكثر في التعامل مع أمور الناس من خلال حسن التعامل معهم، مصداقاً للحديث النبوي الشريف عن رسول الله (ص): «الدين المعاملة» ومن خلال النزاهة والإنصاف والتواضع السياسي في التعاطي مع الملفات التي ترتبط بحاجات الناس وشؤونهم، فلا معنى للحديث عن تنمية فضلاً عن القضاء على الفقر في بلد يعاني فيه مئات الألوف من المواطنين من مشكلة السكن وحلم الحصول على قطعة أرض يبنون عليها بيتاً يعيشون فيه.
إن الأخطاء والعثرات والسياسات الخاطئة قد توجد في بلد وقد تعاني منها أية حكومة وربما لا يتم التوصل إلى تحقيق انجازات أو نجاحات من دون التعلم من «العثرات» ونحن بحاجة إلى ذلك. إن مشكلتنا لا تكمن في وجود الأخطاء والعثرات فنحن لسنا بدعاً من الشعوب ولا الحكومات وربما لا تكمن في عدم الحديث عن الأخطاء والأزمات فهناك مساحات مفتوحة للحديث عن الكثير من هذه الأخطاء إعلامياً، وها نحن وغيرنا، وربما حتى الحكومة تقوم بذلك، ولكن المشكلة تكمن أساساً في الحاجة إلى قدر أكبر من التواضع بعيداً عن «التعنت» أو «التبجح» وهي عملية ليست سهلة حيث الحاجة إلى مقدار من الصبر والتجمل وتقديم التنازلات للناس باعتبارهم شركاء لهم حق أصيل وليسوا مجرد «أتباع» عليهم أن يقبلوا بما يملى عليهم أو يكونوا «متسولين» وعليهم أن يقنعوا بما يصل إليهم.
هل نحن على استعداد لكي نتعلم؟ ولكي نقوم بعمليات الاصلاح والتغيير والتحولات الكبرى. نعم نستطيع، و ليس ذلك على الله سبحانه بعزيز، ولكن بكل تأكيد لن يتم ذلك الاّ وفق المعادلة والقانون الالهي الرائع والعظيم والواضح جدا، الذي يقول :(ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم).
|
|