قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

مكافحة الفقر والحرمان مهمة جماعية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة * مرتضى محمد
من يقرأ أحاديث الرسول وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام بشأن التجارة والعمل من أجل الدنيا لايصدّق أنهم كانوا قمة أهل زمانهم في الزهد، ذلك أنهم حثوا المسلمين على العمل والنشاط وعدم الكسل في طلب الرزق، وقد وصف أحد الأئمة الذهاب إلى السوق وممارسة العمل، بمنزلة المثابرة لطلب العزة والكرامة، فقد رأى أحد أصحابه وقد تأخر عن السوق فقال له عليه السلام: (أغد إلى عزك)، فهو عليه السلام لايكتفي بالتشجيع على العمل بل يدعو أصحابه أن يتوجهوا إلى العمل في أول أوقاته، وأن لايتكاسلوا عن ذلك لأن المبادرة للعمل تتضمن نتيجة مهمة هي تحقيق العزة والكرامة، وهذا جواب لمن يبرر كسله وعجزه بحجج واهية مثل: أن طلب الرزق وجه من وجوه حب الدنيا، أو من يقول بأن: الرزق مقسوم ولا حاجة للعمل لأن هذا المقسوم سيصل بأي شكل من الأشكال.
صحيح الرزق مقسوم وأنه يصل إلى من هو قسمته غير أن هناك فرقاً بين من يعمل ويكون رزقه في عمله ويحفظ عزته وكرامته، وبين من لايعمل فيصل رزقه عن طريق عطاء الناس وصدقاتهم، وإذا كان الرزق هو لقمة العيش التي يأكلها فهذه مضمونة لكن الرزق ليس هو الطعام فحسب بل هو يشمل نواحي مختلفة من الحياة، وعلى الانسان أن يبذل ما في وسعه من أجل الحصول على أرقى مستوى من الحياة السعيدة، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا والآخرة في خدمة الإنسان بل هي مسخرة لخدمته، فقد سخر عزوجل الشمس والقمر والكواكب والأشجار والجبال والبحار والحيوان كلها سخرها لخدمة هذا الإنسان حتى يعيش بأفضل ما يمكن.
ومع وجود سنة الإبتلاء، إلا إن القاعدة في الوجود هي أن الله سبحانه وتعالى خلق البشر للرحمة ولم يخلقهم للعذاب والنقمة، فسخّر لهم كل شيء حتى يتنعموا به وإذا حدث نوع من الظلم في هذه الحياة فهو ليس نتيجة لتدخل رباني وإنما هو حصيلة ما اكتسبت يد الإنسان من الجريمة والظلم الذي يرتكبه بحق أخيه الإنسان، لقد منح الله سبحانه وتعالى الإنسان كل شيء من طعام وشراب وجمال وطبيعة، ولم يطلب منه مقابل ذلك اي شيء، هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عظمة رحمة الله وعطائه الكبير.
لماذا إذن علينا أن نعيش الفقر والحرمان؟ لماذا تنتشر طوايير الفقراء والمساكين؟ لماذا يزداد الفقراء يوماً بعد يوم فقراً ومسكنة؟
ففي لبنان تمكن السيد موسى الصدر - الذي سمّوه اللبنانيون بالإمام- ان يقدم أنموذجاً ناجحاً وساطعاً لمكافحة ظاهرة الفقر والحرمان وانقاذ المجتمع منه، فقد وضع نصب عينيه قضية الفقراء في أوج تألقه وهيمنته على الساحة السياسية والاجتماعية في لبنان في سني الستينات والسبعينات، فقد سبق مشروعه الاجتماعي، المشروع والهمّ السياسي، فنجح هذا العالم والقائد الكبير أن ينتشل طبقة مسحوقة في مدينة صور اللبنانية ويزيل ظاهرة التسول من هذه المدينة ويثبت رواتب شهرية لكل هؤلاء المتسولين بشرط الاقلاع عن تلك العادة.
وكان يعتقد بان الأساس الاجتماعي هو الذي تقوم عليه المشاريع السياسية والثقافية وغيرها، صحيح أن البداية هي لبناء الإنسان، لكن الإنسان الفقير والجائع هو أقرب إلى الإنحراف من غيره، كما أكد هذه الحقيقة الإمام علي عليه السلام، مع ذلك فاللازم إتصاف المسيرة بالشمولية والتكاملية في المنهج، فلا يكفي إشباع البطن دون إشباع الفكر وملء القلب.
أما في العراق فان الشعب فيه عاش فترة رخاء وازدهار، ولكن إلى أين تلك الحقبة والعصر الذهبي؟ والأهم؛ الى اين آلت الأمور بابناء مجتمعنا بعد مرور السنوات الطوال؟ لقد تسللت أنواع الخمور الى بعض البيوت، وخرجت الرذيلة إلى الشوارع، وساد ظلم الانسان لاخيه الانسان، حتى بات أمراً طبيعياً، "كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" (العلق/6-7). فالثروة والغنى من دون العقيدة والإيمان يقودان الإنسان إلى الطغيان، وهي حقيقة حضارية وتاريخية وليس مجرد تحليل او استنتاج، والقرآن الكريم يصدح بنماذج كبيرة من أقوام وحضارات جرها طغيانها وكفرها بأنعم الله الى حتفها.
والحياة تدور والأجيال تتبدل والناس يموتون ويأتي غيرهم، والآن نحن مقبلون على تغيير كبير في العراق، ويمكن أن يحمل هذا التغيير معه تحولاً اقتصادياً على مستوى الفرد والجماعة، لكن بشكل عام يجب أن لاننسى تاريخنا ولا نتجاهل تجارب آبائنا، ولا ننسى الله عندما ينزل علينا مائدته السماوية، لأننا رأينا ما الذي حدث بأولئك الذين طغوا واستكبروا وعاندوا الله وجاهروا بالإثم والرذيلة، وعرفنا ماذا حلّ بهم وبمصيرهم في الدنيا والآخرة.
يجب أن نكون واعين، والإنسان العاقل هو الذي يتعظ بتجارب الذين سبقوه، ويعمل وفق الملاحظات التي اكتسبها من الحياة، والإنسان إما ان يكون عبرة للآخرين أو معتبراً، فإذا كان عبرة للآخرين فقد فاتته الفرصة،وإن كان معتبراً فهو الذي يستفيد من تجارب الآخرين لحياته الدنيوية والأخروية.
والآن كل إنسان يملك فرصة لإعادة بناء حياته وتطويرها مادياً ومعنوياً، مثلما امتلكها الأسبقون منا، لأننا يجب أن لانكرر أخطاءهم ولانعيد سيرتهم لأننا أيضاً سنبتلى بمثل المصائب التي ابتلوا بها وأسوأ من ذلك.
وقد يظن الناس أن السياسة هي التي تلعب بمصائرهم وتدخلهم في الحروب والمشاكل والحصار وما إلى ذلك، وأن السياسيين هم المسؤولون عن ذلك، وقد يكون بعض ذلك صحيحاً، لكن انحراف مصير مجتمع ما أو انسان ما لن يضر إلا الانسان والمجتمع نفسه دون الاخرين، كأن تكون حكومة او حزباً أو مؤسسة ما، لذا فان الإنسان دائماً هو المسؤول عن مصيره، وكل أمة هي التي تصنع حاضرها ومستقبلها، ثم إن السياسة قبل أن تصيغها عقول السياسيين في القصور، هي حصيلة أفعال وتصرفات الإنسان في الشارع.
إذن... أنت مسؤول عما يجري في الأروقة السياسية، ومسؤول عما يجري في البلد، ومسؤول أيضاً عما يحل بك، فمن المعيب أن يلقي الإنسان المسؤولية على الآخرين ويصفهم بكل سوء ولا يتحمل هو مقداراً قليلاً من مسؤولية ذلك.
لانقول هذا الكلام حتى نحاسب الماضي، بل نقول ذلك حتى نبدأ من جديد حياة جديدة ملؤها الأخلاق والإلتزام بالإيمان، فبهذه الأشياء تعمر الأوطان وتبنى الأمجاد وبخلاف ذلك تهوي الشعوب وتنحط إلى اسفل السافلين.
نحن مسؤولون عن حياتنا وعن مصير أبنائنا، ومن حقهم أن يعرفوا كل شيء، يعرفوا الماضي ويعرفوا الحاضر لكي يعملوا من أجل المستقبل، ولذا فأن الحقيقة هي أمانة في أعناقنا ويجب أن نوصلها إلى الأجيال القادمة حتى وإن كانت تلك الحقيقة مرّة ولايستسيغها أحد.
يجب أن نعترف بحقيقة تخلفنا وفقرنا وعجزنا وضعفنا، والكثير الكثير من غير ذلك، ليس من أجل جلد الذات بل من أجل أن نبدأ من جديد. وحتى نخطو الخطوة الصحيحة على الدرب، لأننا من دون ذلك الاعتراف سنبقى أبد الدهر في قعر الهاوية، فلنتصور مجموعة متورطة باعمال قتل وجرائم جنح ضد الناس، هل ينفعهم مظاهر التطور العلمي والتقني؟ وهل من شأن ذلك ان يغير من مسيرة حياتهم؟ الجواب لن يكون سوى النفي، لان شريحة كهذه بحاجة للعودة الى الذات، لإصلاح ما فسد أول مرة، ثم الاستفادة من كل الامكانات المادية والعلمية المتاحة، ثم الانطلاق في مسيرة التطور والتغيير.