قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
حضارة الأخلاق الفاضلة
كيف نحترم الآخرين؟
*علي ضميري
احترام الآخرين تُعد صفة أخلاقية رائعة، واحترام آرائهم، مهما كان التفاوت والاختلاف، نظراً لأن التفاوت والاختلاف بالمعنى الايجابي، شأن مميز من شؤون الحياة وطبيعتها.
ولاريب أن امتلاك هذه الصفة، بحاجة إلى توفر صفات وملكات أخلاقية فاضلة أخرى، مثل حب الناس، وحب الخير لهم، وسعة الصدر، والرغبة في هداية الآخرين إلى الحق، فضلاً عن نبذ الأنانية والتواضع، وغير ذلك من الصفات الطيبة التي تعكس وتعبّر عن قوة الشخصية، وسلامة الضمير، وصفاء القلب، وحب الإسهام في صناعة المجتمع المتطور؛ روحياً وثقافياً.
*عالم ملوّن*
ففي هذا العالم المتعدد الألوان والأشكال والأنواع، من ديانات ومذاهب وأعراقٍ ولغات، لانجد أمامنا - ونحن نقول بأحقية معتقداتنا- إلا أن نعزز إيماننا بما نعتقد، ونعكف على مزيد من التعلم والتحقيق والاستدلال، لأن التعدد المذكور يفرض علينا احترام آراء الآخرين، وخوض الحوار معهم على أسس علمية استدلالية.
ولاريب في أن هذه الدنيا السائرة في خضم التطورات والتغيرات اليومية، على الصعيدين السلبي والإيجابي، نجد لزاماً علينا العمل على تعريف العالم بمعتقداتنا وآرائنا- التي هي بالاساس قائمة على الدليل المنطقي والصحيح- بالتي هي أحسن، ثم الاستفادة من أفضل الأساليب والوسائل.
ولما كان مذهبنا هو مذهب اتّباع القرآن المجيد وأهل البيت سلام الله عليهم، فهو إذن، مذهب لايعوزه الدليل المنطقي، لأنه قائم أساساً على الدليل والمنطق، ولايخشى الحوار المفتوح والصريح مع الآخرين، فيكون الكفُّ عن فرض الآراء من جانبنا على الآخرين بلا دليل أو وجه حق، من أهم وسائل وأساليب التبليغ والدعوة إلى معتقداتنا المستقاة أولاً وأخيراً من ينبوع الإسلام، ونعني به: القرآن والعترة..
*الإسلام والسلام*
لعل أهمّ ما يمتاز به الدين الإسلامي الحنيف وقادته الأفذاذ، ونقصد بهم: الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وأهل بيته المعصومين عليهم السلام، أنه دين يعتمد بشكل تام، التزام الأخلاق الفاضلة، لدى نشره وانتشاره، ولايدعو إلى حرب، اللهم إلا دفاعاً عن النفس والعرض والممتلكات، الدين يدعو الى، فضلاً عن نبذ قاعدة ما يسمى (بالغاية التي تبرّر الوسيلة).
وآيات القرآن العظيم وروايات أهل البيت سلام الله عليهم، خالية من الدعوة إلى شن الحروب، باستثناء النصوص الواردة بشأن الإستعداد والتأهب دائماً لردع أعداء الحق؛ من الباحثين عن الفتن والفوضى وإراقة الدماء وإزهاق النفوس البريئة.
وهذه الحقيقة، كما هو واضح، تكشف عن طبيعة متانة ورصانة العقيدة الإسلامية، وعن مدى القوة التي يتمتع بها المبدأ الديني الأصيل، الذي لايحتاج لدى نشره إلى سلاح وإلى قتل وتهديد النفس المحترمة، إذ أكد الإسلام على قاعدة عدم الإكراه في الانضمام إليه واعتناقه..
فإذا اتضح ذلك، أصبح من الحرّي بنا أن نقول بالفم الملآن والصراحة التامة: إن الإسلام دين حقٍ، وليس دين اعتداء، وهذا يعني أن الاسلام يطرح نفسه بديلاً متكاملاً عن المبادئ الوضعية الباطلة على صعيد المبدأ وعلى صعيد اسلوب الانتشار معاً، خصوصاً وأنه قد فرض على أتباعه، أن يتسلحوا بالأخلاق الطيبة، فضلاً عن أمره إياهم بالتسلح بسلاح الدليل.
نعم؛ إن الإسلام يناهض الأفكار الباطلة قبل أن يتخذ من الأشخاص أعداءً، لاسيما وأنه ينطق بأفكار قائمة على أساس العدل والخير والرحمة، ومنها: حرية الإنسان في اعتناق أيّة فكرة كانت، ثم تحميله مسؤولية ما يعتنق من الأفكار، مسؤولية لها دورها في تحديد واقعه الدنيوي ومستقبله الأخروي، ولطالما أوصى الله تعالى عباده المؤمنين الذين يتبعون القرآن وأهل البيت عليهم السلام أن يتخذوا من الحوار المنطقي مع الباحثين عن الحق، أسلوباً حضارياً أسماه من قبل: "بالتي هي أحسن..." وليس أحسن من إبداء الإحترام للآخرين، وحقّهم في اعتناق الرأي الذي يريدون.
ومن الملفت للنظر حقاً، أن القرآن المجيد حينما ينقل الخطاب السماوي، ويطرح فكرة مهمة ما، لمناقشتها مع المشركين، ثم يردّ عليهم أدلّـتهم، مع علمه المسبق ببطلانها، فإنه يقول لهم في نهاية المطاف: "أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ"، وهذا يُعد أعظم درس تربوي وأخلاقي للمؤمنين، للاكتفاء بطرح الأفكار الصحيحة، ولا يكون همّهم من ضلّ إذا اهتدوا.. فضلاً عن أن في هذا الدرس تأثيراً نفسياً وروحياً في ذات كل منحرف ومجادل، يتكرس من خلاله انطباع شديد عن سماحة الإسلام ورفيع ذوقه.
*لا إستبداد في الرأي*
ونحن نعمل بواجبنا في نشر عقائد السماء والحرص عليها، ينبغي ألا تكون هناك ديكتاتورية في الإسلام، إن على سبيل النظرية أو التطبيق، حيث نصّ القرآن الكريم ومفاهيم أهل البيت عليهم السلام، بان لها من يتكفل بحفظها وصونها من الضياع، وهو الله الحافظ المتعال.
كما علينا أن نعلم بأن الإسلام، وقبل أن ندعو له أو نتحدث باسمه، قد كفل لكل إنسان الحقّ فيما يعتنق، بشرط ألا يكون لاعتناقه هذا انعكاسات وتأثيرات سلبية على الواقع الاجتماعي، وبذلك يبقى كائناً محترماً، ولابد أن تُرعى حرمته، وتراعى كافة حقوقه الفكرية والإنسانية.
ومن يتصفّح السيرة النبوية الشريفة، وحياة المعصومين من آله الطاهرين، يلمس بعقله حقيقة أنهم ما جذبوا القلوب والعقول الحرة إليهم إلا لعظيم احترامهم لأصحابها وعدم فرض آرائهم عليهم، لعلمهم المسبق باستحالة تقبل العقول وميل القلوب إلى فكرة ما عن طريق الجبر والإكراه، وإنه من المهم جداً إفساح المجال أمام شتى الناس ليقولوا كلمتهم، وهم – المعصومون عليهم السلام- لا يخشون على مفاهيم الدين وقيمه شيئاً، ويعلمون أن لا غبار على الحق، لاسيما إذا كان الداعي إليه متزوداً بزاد الأخلاق والعلم.
ونحن نعلم أن هناك كثيراً ممن كانوا يُعدون من عتاة الكفر والنفاق والعناد، لكن لانت سجاياهم، بعد أن اكتشفوا أخلاق الإسلام ورأيه الساطع والواضح في كرامة الإنسان، ولمسوا احترام النبي والأئمة لهم في ميادين الحوار والمناظرة.
وعلى الضفة الأخرى، نجد التاريخ خير شاهد على أن أهم أسباب تخلف المسلمين ونشوب النزاعات فيما بينهم، هو اصرار الحكام ووعاظ السلاطين على تكفير غيرهم ممن لايقولون بآرائهم ولا يوالون أباطيلهم، حيث يحسبون أنهم ينطقون عن الله تعالى! وهو تصور نابع من تهالكهم على السلطة، وغلبة النظرة المصلحية والسطحية والضيقة على سلوكياتهم، حتى أن تطور وسائل الاعلام وانبثاق ثورة المعلومات لم تؤثر في نمط تصرفاتهم، بل إنهم راحوا يستغلون التقدم التقني أبشع استغلال لتوجيه سهام الغيظ والحقد على من يخالفهم الرأي غير مهتمين بنشر الفضائل واحترام حرية الرأي وكرامة الإنسان.
بيد أننا نجد الأمر مناقضاً في تعاليم ومفاهيم مدرسة القرآن والعترة، إذ المنطق والاستدلال الوجيه للفكرة والعقيدة واحترام الرأي الآخر، بما في ذلك احترام الآراء الواضحة البطلان، على أمل استحالة قلوب أصحابها وعقولهم.