قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الطموح نحو التكامل وآفاق التاريخ والطبيعة والانسانية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *يونس الموسوي
لكي يسمو الانسان المؤمن ويرتفع الى مستوى وعي القرآن الكريم وادراكه، وفهم الحياة التي ارادها ورسم خطوط هذا الكتاب المجيد، فلابد ان يعرف ان هناك آفاقا ثلاثة يتحرك من خلالها، وهي: أفق التاريخ وأفق الطبيعة وأفق الانسانية.
أولا: أفق التاريخ..
ويعني ان على الانسان ان يغوص في رحاب الزمن المنقضي، ويلمس بوجدانه واحاسيسه تجارب الماضين، وان يستفيد وينتفع منها، فلا يقتصر على تجاربه الذاتية، وعدم الاقتصار هذا من شأنه ان يزيد اعتباره من السابقين، وهذه الميزة هي من الفوارق الرئيسة التي تفصل الانسان وتميزه عن اي كائن آخر، فالحيوان كائن غير ناطق، ولايملك لغة التفاهم لكي يوصل ويوضح تجاربه لنسله، فلو افترضنا ان الحيوان يستطيع اكتساب التجارب فانها سوف تنتهي وتضمحل بانتهاء واضمحلال هذا الحيوان.
ولكن الامر عند الانسان يختلف تماما، فقد منّ الله تعالى عليه بالنطق، وقدرة الايضاح والبيان، ومن ثم فانه يتوارث التجارب المنتقلة الى الاجيال المتعاقبة عبر نافذة التاريخ.
وفي القرآن الكريم نلحظ ونلمس قيمة تلك التجارب والعبر التي ينقلها الى وجداننا هذا الكتاب السماوي الخالد، ولعل هذه التجارب والقصص والعبر احتلت ثلث هذا الكتاب الالهي، ففيه نقرأ ونعيش تجارب الماضين؛ قصص ابراهيم ونوح ومن قبلهما آدم ومن بعدهما موسى وعيسى عليهم السلام، والعشرات من الامم وانبيائها وتجاربهم وصراعهم المرير في هذه الحياة.
ففي القرآن الكريم كثير من الآيات المباركات التي تشير الى هذه الحقيقة، وتدور حول محورها، فتخاطبنا بأنواع الخطاب مرة بـ "يا بني آدم" واخرى بـ "يا ايها الناس" وثالثة بـ "يا ايها الذين آمنوا".
كل تلك الآيات وغيرها تتوارد في القرآن الكريم وملؤها توجيه وارشاد الانسان وافادته بالعبر من الامم الغابرة والعصور السالفة، لذا فان الامة التي تتغافل عن تاريخها، ولاتتفحص جذوره، ليست امة اصيلة، والانسان الذي يعيش منعزلا دون ان يأوي الى كهف التاريخ فانه سيتهاوى ويضمحل، أما الانسان المؤمن الذي يطمح لان يكون انسانا رساليا يواصل الصعود على سلم التكامل، ويروم تحقيق الانتصار، فانه سيرث هذه الارض، هو الذي يحيا ويعي آفاق التاريخ الشماء.
2- أفق الطبيعة..
اما آفاق الطبيعة فنعني بها ان نعيش هذه الطبيعة ونعايشها، فلابد للانسان من معايشة الارض وما فيها وما يدب عليها، فانت لست وحدك الذي تستفيد من شعاع الشمس وتستضيء به، ولست وحدك تتمتع بنور القمر، وتهتدي بالنجوم، وتنال مما تنبته الارض مأكلا ومشربا وملبسا، فحولك تعيش المخلوقات الاخرى ويجب عليك ان تتكيف معها كي تحيا حياة طيبة.
وربما يدخل في نفسك شيء من الاندهاش والعجب حين اقول ان لابد لك من ان تكن الحب لكل تلك المخلوقات من النملة الصغيرة وحتى اغرب مخلوق لايخطر على ذهنك، فلابـد من ان يعيـش الانسـان روح المحبـة والـود لكـل مظاهـر الطبيعـة، ذلـك لان اللـه - تعالى - هو الذي خلق وابدع ما في السماوات والارض، وجعل كل هذه الخلائق في خدمة الانسان الذي فضله الله عليها، فاضحت كلها مسخرة له.
ان الراسخ في اذهاننا ان الجماد لايفهم ولايشعر، فالصخور والجبال وربما حتى بعض الاحياء كالنبات، نعرف انها لاتفهم ولا تدرك شيئا من عالمها البسيط المحدود، ولكن الامر اعمق من ذلك بكثير، فكل هذه الجمادات تتمتع بنوع من الاحاسيس والادراك غير الذي نعرفه، ولها نوع من الشعور لايمكن ان ندرك كنهه لأن عوالم وعيها غير التي عندنا، ولايمكننا ان نفقه تلك العوالم بتجاربنا واحاسيسنا مهما تطورت وتقدمت؛ قال ربنا سبحانه: "تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن، وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفورا".
ولقد كان رسول الله (ص) يجسد هذا المعنى في اقواله، وافعاله الكريمة، فقد كان يعطي لكل حاجة من حاجاته اسما كفرسه، وبغلته، وثوبه، وعمامته، وهكذا الحال بالنسبة الى ائمتنا (ع) فالامام زين العابدين (ع) كانت له ناقة، حج واعتمر عليها طيلة عشرين عاما، فما افزعها يوما بصوت ولا ضربها.
وعلى هذا فلابد ان نتعامل ايجابيا مع الاشياء، ونتفاعل معها بمحبة وانسجام، فكل ما في هذه الطبيعة هو لخير ونفع ابن آدم، ففيها ما يبعث على معرفة الله - تعالى - ويعزز الايمان الذي فيه ذروة السعادة والاطمئنان.
وكثير من الاختراعات والابداعات يتوصل اليها من خلال دراسته لهذه الطبيعة، واستفادته من ظواهرها، فالطائرة- مثلا - اكتشف الانسان سرها من خلال الطير، وهكذا بالنسبة الى كثير من الاكتشافات، وبيت العنكبوت الذي ضرب القرآن به مثلا في قوله: "وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ" (3)، هذا البيت ابدعت فيه يد الخالق - تعالى -، فجعلته في احكم هندسة، ومن هذه الهندسة التي اوحاها الخالق - تعالى - لهذا المخلوق تعلم المهندسون والعلماء مد الاسلاك الكهربائية، واقامة ابراج الضغط العالي، فالانسان هوتلميذ الطبيعة وآفاقها.
3- أفق الانسانية
الذين يتحركون ويعملون ويتنفسون ويشعرون يبلغ عددهم اليوم على وجه الارض أكثر من ستة آلاف مليون، انهم يشتركون في صفة الانسانية، فلايمكن لاي واحد منهم ان يحصر اهتماماته في ذاته او عائلته او حتى في اطار مجتمعه، فهذا الامتداد يجب ان يمتد الى كل أفق يحيا في نطاقه انسان، خصوصا اولئك الذين يعيشون هموم الحياة، ويعانون آلامها ومصاعبها الجمة، واعني بذلك المظلومين والمضطهدين والجياع في كل ناحية من نواحي هذه الارض المترامية، ثم ان لهؤلاء ايضا عقولهم ومداركهم وتجاربهم فيمكنك الافادة منهم انطلاقا من كونهم أبناء جنسك.
وهكذا لابد ان تعرف ما حولك، وتتصل بشتى المجتمعات، وتتابع اخبارها، فليس من الصحيح ان نتذرع في هذا المجال بأن اهتمامنا يجب ان يقتصر على بلدنا ومجتمعنا، بل يجب ان نتفاعل قدر استطاعتنا مع المجتمعات والامم الاخرى فضلاً عن مجتمعنا وامتنا.
وفي هذا الصدد يقول أمير المؤمنين (ع): (العارف بزمانه لاتهجم عليه النوائب)، ويريد الامام بذلك انك تعيش ضمن حياة معينة، ولابد لك من ان تكتشفها، وان تعرف العصر الذي تعيش فيه، والانتفاع من تجاربه.
لقد شيدت الحضارة الاولى على اسس الوحي الالهي الهابط من السماء نقيا صافيا، ومع ذلك يحث الرسـول (ص) علـى المعرفـة والاخذ والاعتبار من الآخرين، يقول (ص): (اطلب العلم ولو في الصين).
والانسان المسلم يمر اليوم بمرحلة حساسة في هذه الفترة الزمنية، فربما نكون غافلين عن احداث ووقائع تحدث في بلد من البلدان القريبة او البعيدة، فالحدث الذي يقع في اي موضع من العالم قد ترى تأثيره المباشر والسريع في الجهة الاخرى من الكرة الارضية، وذلك بسبب ما يسمى بالقرية العالمية أو (العولمة).
من هنا من المهم جداً ادراك الحالة التي نعيشها ومعرفة مكانتنا في هذا العالم، ثم نعرض هذه الصورة على التاريخ في عملية مقارنة، كي نستفيد من ايحاءات هذا التاريخ، ومن القيم والقمم الشامخة التي تبرز بين ثناياه، تلك التي نـراها واضحة بينة عندما نتصفح كتاب الله المجيد، فنستوحي منها هدى وبصيرة نافذة، لنصحح عندئذ مسيرتنا، ونستثمر طاقاتنا في الطريق السوي.