لنكن من الممهِّدين
|
*طاهر القزويني
قد يأتي أناس ويتلاعبون بهذه الكلمة ويفسرونها بحسب ما يشتهون، ويحمّلون الكلمة معاني لاتحتملها ولاتستوعبها وليس لهم غاية غير فرض آرائهم وأفكارهم على أصول الدين الثابتة، وتقديم منهجهم على أنه الحق والصواب، فكل واحد يستطيع القول ويعد نفسه من الممهدين لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، بينما منهجه وأهدافه لايتفقان مع مسلك أهل بيت النبوة سلام الله عليهم.. إذن لابد أن نعرف الممهدين حتى لانسمح لأحد أن يرتدي لباسهم ويتكلم بلسانهم وهو ليس منهم.
في البداية لابد أن نعرف قيمة الانتظار، لصلتها المباشرة بقضية الإمام المهدي وقضايا المسلمين بعامة، فهذه القيمة تحدد بدقة المسلك الذي يجب أن ينتهجه الإنسان المؤمن في آخر الزمان، وهنا يجب أن نلقي نظرة على الأحاديث والروايات الواردة في هذا الشأن حتى ننطلق من هناك إلى الساحة الكبرى للبحث، فقد قال نبي الإسلام الأعظم صلى الله عليه وآله (أفضل أعمال أمتي إنتظار فرج الله عزوجل)، وقال الإمام السجاد عليه السلام (إنتظار الفرج من أعظم الفرج)، وقال الإمام الصادق عليه السلام (المنتظر الثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذبّ عنه)، وقال عليه السلام أيضاً (من مات منتظراً لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه لابل كان بمنزلة الضارب بين يدي رسول الله بالسيف).
لكن ما المراد بالانتظار؟ ومن هو المسلم الذي يكون إنتظاره بمنزلة الضرب بالسيف بين يدي رسول الله(ص)؟
هنالك معنيان للانتظار: المعنى الأول وهو الجلوس في البيت وعدم تحريك أي ساكن في قضايا المسلمين، وترك الأمور تسوء حتى يكون ذلك تمهيداً لظهور المصلح الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وهناك معنى آخر للانتظار وهو ان يقوم على اساس التهيئة والاستعداد لاستقبال الموعود القادم، وأصحاب هذا المسلك يعتقدون بوجوب الحركة والنشاط وعدم الجلوس في البيت وذلك من أجل توفير الأرضية اللازمة لظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.
لو اردنا مقارنة التفسير الأول للإنتظار بالحديث الشريف الذي يعد المسلم المنتظر بمنزلة الضارب بسيفه بين يدي رسول الله(ص)، فهل من المعقول أن يجلس المرء ببيته والفساد يضرب أطنابه العالم ومن ثم يكون هذا الرجل بمنزلة المجاهدين مع رسول الله(ص)، وأي جزاء يستحق هذا الرجل؟ وهو على هذه الحالة جزء من المشكلة بل هو سبب في إنتشار الظلم والاضطهاد وذلك لسكوته وخنوعه.
لاشك أن معنى الانتظار ليس هو أن يجلس الرجل في بيته من دون أن يحرك ساكناً وينتظر أن يأتيه الفرج من الغيب، لأنه لو حدث مثل هذا الأمر وانتشر الفساد والظلم في العالم أجمع، فلمن سيظهر الامام والناس جميعهم ملوثون بالظلم ويستحقون لذلك العذاب؟
إن الله سبحانه وتعالى يبعث الإمام رحمة للعالمين، لينقذهم من العذاب والألم الذي يعانونه، فكيف سيبعثه عزوجل اليهم وهم غارقون في الفساد ولاينتظرون قدومه ولايتمنون لقاءه ولايحبون رؤيته، حسبما يعتقد أصحاب النظرة الأولى الذين يقولون بالجلوس في البيت والانتظار حتى تمتلئ الدنيا فساداً وظلماً ويتحقق الشرط الرئيس لظهور الامام!
من يستطيع تحديد زمن امتلاء الأرض بالفساد؟ فالناس يختلفون في هذا المعنى، فمنهم من يقول بأن الفساد وصل إلى حدوده القصوى ومنهم من لايقول ذلك.. إذن ماذا سنفعل؟ هل نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونترك أمور الناس بيد المنحرفين واصحاب الافكار الضالة، حتى يملأوا الأرض بالظلم والفساد من أجل أن تكون هناك فرصة جيدة لظهور الإمام؟
بخلاف هذه النظرة، يظهر الامام عجل الله تعالى فرجه الشريف مع التمهيد لهذا الظهور، ومع الشوق للقائه، والرغبة بنصرته، والإرادة بطاعته، وإذا أردنا تحليل غيبة للإمام سنجد إن من أهم أسباب تقدير الغيبة على الإمام وحرمان الأمة الاسلامية من نعمة حضوره ووجوده المبارك، هو اعراض الامة عن الأئمة عليهم صلوات الله وبيعتهم لزمرة من الفساق والمنافقين الذين لاحظ لهم من الدين وهم بنو أمية وبنو العباس.
إذا أردنا الامام، فيجب أن نطلبه وندعو الله ليلاً ونهاراً أن يرحمنا ويكرمنا بظهوره، ولايكون هذا الطلب لسانياً لايصل تأثيره إلى القلب والاعتقاد، بل هو متصل بالعمل الجاد والدؤوب في هذا المضمار حتى يرى الله سبحانه وتعالى صدقنا ويثيبنا على ذلك بأن يبعث رحمته وإمامنا لينشر رسالته من جديد.
لابد أن نثبت من خلال أعمالنا أننا نستحق الولاية ونستحق هذه النعمة العظيمة، وأننا نختلف عن أولئك الذين أعرضوا عن الأئمة، وتخلوا عنهم في أوقات الشدّة، والذين تركوهم لسيوف الأعداء، وسمحوا للجبابرة والسلاطين أن يسجنوهم ويعذبوهم ويسقوهم السم. فهل إذا ظهر الامام عجل الله فرجه الشريف سيكون موقفنا تجاهه مختلفاً عن موقف تلك الأمة الناكرة للجميل؟ يجب أن نمهد للظهور، وذلك يكون عبر الخطوات التالية:
1-الاستعداد الذاتي؛ فيجب أن يسعى كل شيعي لأن ينقي نفسه ويربيها وأن يجعل طموحه بأن يصبح واحداً من أولئك الأصحاب الذين سيكونون في ركب الامام، بلاشك إن الذين سيصلون لمرتبة أولئك هم قليلون، لكن هذه المساعي والمحاولات سترفع من مستوى إيماننا وتجعلنا اكثر إستعداداً لاستقبال الامام.
2-استعداد الأمة؛ ويكون عن طريق إلتزامها بقيم ومبادئ أهل بيت النبوة سلام الله عليهم، بمعنى أن تمثل الأمة بكل صدق، حقيقة الأمة الإسلامية التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ونجد صفاتها وسماتها في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فمثل هذه الأمة التي لايترك فيها الفقير ولايُهمل فيها اليتيم، ولا يُهان فيها الضعيف، هي التي تستحق الرحمة الإلهية وهي التي تستحق أن يظهر في فترتها الامام المهدي عجل الله فرجه... فالخصائص التي تتمتع بها هذه الأمة هي التي ستؤهلها لنيل هذا الشرف العظيم، وإلا لكان الظهور يحدث في زمن سابق أو زمن متأخر، وسبب ظهور الامام سيكون إستحقاق هذه الامة للقاء الإمام، لأنها هيأت نفسها واستعدت بكامل قدرتها وطاقتها لاستقبال موعودها، وهو ما لم تفعله الأمم السابقة.
3-الدعوة لفكر أهل البيت عليهم السلام؛ فمن جملة الأمور التي تٌعد تميهداً لظهور الإمام الغائب، هي الدعوة لفكر الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام قولاً وفعلاً، والقول هو نشر ثقافتهم وعلومهم وكلماتهم، والفعل هو تجسيد تلك الكلمات عن طريق الأفعال، والمهم في الأمر هو أن يظهر الامام في بيئة تعرفه وتعرف أجداده الكرام وتعرف كلماته وكلمات آبائه.. لأنه من غير المعقول أن يظهر الإمام في بيئة تعادي فكره ومشروعه الحضاري.
4-التعريف بشخص الامام وقضيته؛ ويكون ذلك عبر مختلف وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وقد تعارف المسلمون منذ قديم الأيام بالاحتفال في يوم الخامس عشر من شعبان في مدينة كربلاء المقدسة، ويجتمع ملايين المسلمين لأداء الزيارة الخاصة بالامام الحسين عليه السلام في ليلة الخامس عشر من شعبان المعظم؛ لذا يجب أن نستفيد من كل المناسبات الدينية للتعريف بشخص الامام وقضيته لا على مستوى المسلمين فحسب بل على مستوى البشرية جمعاء، لأن اطروحة الامام لإنقاذ البشرية هي غير مقتصرة على الشيعة بل هي رحمة لكل العالمين، وعليه يجب الاستفادة ما أمكن من وسائل الاعلام المختلفة، ومن القوالب الاعلامية المختلفة في هذا الطريق، بمعنى أن نعرض قضية الإمام عبر الفضائيات وعن طريق الفيلم والتمثيلية والمسرحية والنشيد وبمختلف الوسائل الفنية الممكنة.
لابد من أن نشارك في هذا المشروع الكبير، ولابد أن يكون لدى كل شيعي إسهام في هذا الموضوع، فلا يكفي أن نقول باللسان: (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً) لأننا نستطيع في هذا الوقت بالذات أن نكون معهم وأن نسجل إسمنا في سفينة الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، من خلال الإسهام في نشر قضيته، وتهيئة الأرض لاستقبال وجوده المبارك.
|
|