بما كسبت أيديهم.. انهيار بيئي يفوق بإضعاف خسائر الازمة المالية في العالم
يفسدون في الأرض استهتاراً وجشعاً.. والفقراء يدفعون الثّمن دائماً !
|
محمد الموسوي ـ كربلاء المقدسة:
عندما يجري الحديث عن الفساد الاداري والمالي، على سبيل المثال، فإن المواطن العراقي بات يفهم ويدرك جيدا، ربما اكثر من غيره في هذا العالم، مايعنيه ذلك، ومايتركه من آثار غاية في السوء، لاتأتي بالطبع الاّ لتقع كالمقامع على رأس هذا المواطن البسيط، فقرا، وظلماً، ومصادرة لحقوقه، وتردياً في الخدمات الاساسية، وتخلفاً في الادارة والعمران والبناء، وتقهقرا اقتصاديا، وجوا سياسيا موبوءاً ووو...، وبالمحصلة خلق محيط اجتماعي قابل للاهتزاز والتشظي، يعاني في مشهد منه، المرض، والعوز، وسوء الظن، وفقدان الثقة بالنظم والادارات والقانون، والاحساس بفقدان العدالة والنزاهة، وغير ذلك من الصور السلبية، من جانب، وفي جانب آخر، مشهد يصنع الطبقية والاثراء المستهتر، بالفساد والاستحواذ والتعالي وسحق القيم والقانون معاً و.. و..، وربما ترى أن ذلك يتم بشعارات وصيغ وطرق (قانونية في الظاهر)، وتحت دعاوى خدمة المواطن وبناء الوطن !. وهذا ان كان الحديث يجري عنه اليوم علنا صباح مساء، فأنه في الحقيقة ليس وليد الصدفة واللحظة الراهنة فقط، بل هو حلقة مفرغة تدور على هذا الشعب منذ عقود، ان لم نقل قرون. هذا في الفساد المالي والاداري.
وهكذا ايضا، بات العراقي يدرك( ولو بدرجة اقل)، معنى، ومدى، مايتركه الفساد، او بالأحرى (الإفساد) البيئي، من آثار سلبية عميقة تؤثر على حياته في الصميم، فحرق وتجريف الاراضي الزراعية، وموت ملايين النخيل والاشجار، وتجفيف الاهوار، وحرق وتفجير حقول النفط، واستخدام الاسلحة الكيمياوية والجرثومية، وغيرها من جرائم الافساد وقتل الحياة، التي ارتكبها الصداميون، وما ارتكبه معهم الامريكيون ايضا، من استخدام الاسلحة المحرمة دوليا في العراق وابرزها قذائف اليورانيم المنضب، خلال حربين خاضوها مع طاغية صنعوه ودعموه ثم تخلصوا منه، فضلا عن مخلفات المواقع النووية والبيلوجية والكيمياوية التي قُصفت.. كل ذلك يعد تلوثا وفسادا بيئيا خطيرا لاتزال آثاره الكارثية، (وستستمر)، تنعكس على حياة العراقيين وصحتهم. وهنا لانريد بالطبع ان نمضي اكثر في تناول هذا الملف( عراقيا)، ونكتفي بهذه الاسطر لنلج منه الى باب اوسع، الى ملف (الانتكاسة البيئية) الأعم في العالم، التي يرى العلماء والخبراء اليوم انها بالفعل باتت تشكل تهديدا جديا لمصير هذا العالم، بفعل الممارسات (الفاسدة المفسدة) للدول الغنية، وجشع واستهتار شركاتها الاحتكارية العابرة للقارات، الامر الذي يكلف البشرية خسائر (ستكون مستمرة) تقدر بآلاف المليارات من الدولارات، بما لايمكن مقارنته بخسائر الازمة المالية الحالية في العالم، هذا عدا عن اثارها الصحية والغذائية السيئة على شعوب الارض، والتي غالبا مايدفع الفقراء منها الثمن على الدوام.
ومن هنا فإنه "إذا ما استمر استنزافنا للارض على هذه الوتيرة، فإننا سنحتاج إلى ما يعادل كوكبين بحجم كوكبنا، لمواصلة العيش بالطريقة التي نعيش عليها الآن". فــ: " الأحداث الأخيرة( الازمة الاقتصادية في العالم) أظهرت مدى الحمق الذي نقع فيه عندما نعيش على أكثر من إمكانياتنا، لكن وعلى الرغم من الأثر الكارثي للأزمة المالية الحالية، فإنها لا تعادل شيئا بالمقارنة مع الانتكاسة البيئية التي تنتظرنا". هذا مايقوله على التوالي كل من المدير العام لصندوق الطبيعة العالمي، جيمس ليب، والرئيس الدولي للصندوق، أميكا أنياوكو. حيث جاء في تقرير صدر مؤخرا عن ثلاث منظمات عالمية تعنى بالحفاظ على البيئة، أن كوكب الأرض مهدد بانهيار بيئي شبيه بأزمة القروض المنعدمة التي يشهدها العالم.. ويقول التقرير إن أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم "مدينون بيئيون"، وأنهم يقترضون ويتجاوزون الرصيد المسموح به، فيما يتعلق بالأراضي الصالحة للزراعة والغابات والبحار وموارد بلدان أخرى. ويخلص التقرير إلى أن الاستهلاك المستهتر "للرأسمال الطبيعي"، يهدد مصير العالم ورخاءه، بما يجر ذلك من آثار اقتصادية من بينها ارتفاع أسعار المواد الغذائية والماء والطاقة.
وتتربع امريكا والصين على رأس البلدان الأكثر استنزافا لموارد الأرض إذ تقدر نسبة أستنزافهما البيئية بــ40 في المائة. ويظهر التقرير أن امريكا والإمارات العربية المتحدة توجدان على رأس قائمة الدول الأكثر تلويثا من حيث الأشخاص، بينما تقع كل من مالاوي وأفغانستان أسفل القائمة. وتحتل بريطانيا المرتبة الخامسة عشرة من بين البلدان الأكثر تأثيرا بالسلب على البيئة في العالم، وتعادل 33 بلدا إفريقيا مجتمعة. هذا وكانت دراسة حديثة اخرى، موَّلها الاتحاد الأوروبي، نشرت الشهر الماضي، كشفت أن الاقتصاد العالمي يخسر أموالا من جراء انقراض الغابات أكثر بكثير مما ستجره عليه الأزمة الراهنة التي يرزح تحت وطأتها النظام المصرفي والمالي في العالم. وقدَّرت الدراسة تلك الخسائر ما بين 2 و5 تريليون دولار أمريكي. وأوضحت أن هذه الأرقام تتأتى من حاصل جمع قيمة الخدمات المختلفة التي تقدمها الغابات، مثل تزويد كوكبنا بالمياه النظيفة وامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون. وهذه الكلفة(الخسائر) تعادل حوالي 7 بالمائة من الناتج الإجمالي العالمي. والمفتاح الرئيس في فهم النتائج التي أفضت إليها الدراسة التي قام بها فريق من الخبراء بإشراف الخبير الاقتصادي بافان سوكديف، هو أنه كلما تراجعت مساحة الغابات وانحسرت، كلما توقفت الطبيعة عن تقديم الخدمات التي دأبت على تقديمها أساسا وبالمجان. ومن ابرزها التخلص من الزائد من غاز ثاني أكسيد الكربون، وتوفير الغذاء بين أيدي البشر بشكل طبيعي. وتشير الإحصائيات التي أفرزتها الدراسة، إلى أن الكلفة تقع في نهاية المطاف على كاهل الفقراء، وعلى نحو غير متكافئ، حسب ما يؤكد الخبير سوكديف.
ان التلوث وفساد ودمار البيئة ينتج اساساً عن تدخل الانسان في قوانين البيئة التي سنها الخالق عز وجل، وإخلاله بتوازن عناصرها ومكوناتها. والخطر والاثر السيىء للافساد والفساد، كما في الاخلاق والسلوك، في البيئة ايضا، لا يتوقف عند حدود من يرتكبه، ولو كان الأمر هكذا لربما جاز السكوت عنه، وإنما يتعدى هذا السوء والخطر ليصيب غيره، ومَن حوله ومعه من بني البشر، واجناس الخلق الاخرى ايضا، فيمتد ليحدث في الأرض أنواعا من الفساد في الهواء والمياه والزرع والثمار والتربة. يقول الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). وقد تناول الاسلام قضية الفساد بمنظور عام شامل، وحذر منه ونهى عنه، عقيدة وفكرا وسلوكا واخلاقا، وبيئة ايضا، وفي الحرب والسلم.. ووردت في ذلك ايات وروايات كثيرة، سوف نتناولها بإذن الله في مقال بهذاالخصوص في عدد لاحق..
|
|