قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
عبرة من تاريخنا
المرجع الرسالي درع الأمة
مرجعية الأمة مسؤولية عظمى ولايتحملها إلا من امتحن الله قلبه في المهمات الصعبة والإبتلاءات الكبيرة، فيتحمل من أجل هذه المسؤولية الضغوطات المادية والمعنوية، وتصل أحياناً الى الموت لانه يضع نفسه درعاً للأمة فيتقي ضربات الأعداء بجسده الطاهر ويجعل نفسه في مقدمة المدافعين عن روح الأمة وحياتها النابض
فبعد الغزو البريطاني للعراق واستتباب الأمر لهم قرر البريطانيون الإنتقام من أهالي النجف الأشرف لأنهم حاربوا جيش الإحتلال وقاوموا سيطرة المستعمرين على المدينة وعلى العراق بمجمله، وفي محاولة لفصل العلماء عن جماهيرهم جاء الحاكم البريطاني إلى آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي صاحب الكتاب المعروف (العروة الوثقى) وكان يومها المرجع الأعلى للشيعة وقال: أن الحكومة ترجو منك الخروج إلى الكوفة لأنها تريد تأديب أهالي النجف!
فأجابه السيد: هل أخرج أنا وحدي أم مع أهل بيتي؟
قال الحاكم: بل مع أهل بيتك.
فقال السيد اليزدي: أهالي النجف كلهم أهل بيتي، إنني لن أخرج أبداً، فما يصيبهم يصيبني..
وبهذا الموقف البطولي تمكن السيد اليزدي رحمه الله من دفع شر البريطانيين عن أهالي النجف الأشرف، وهو بهذا الموقف عرض نفسه وحياته للخطر، وكان باستطاعته أن يحزم متاعه ويأخذ أهل بيته المقربين ويخرج من المدينة ويستخرج آلاف الأعذار والتبريرات من الكتاب والسنة لتبرير فعلته تلك، لكنه لم يفعل، لماذا؟
لأنه لم يكن فرداً واحداً، بل كان أمة!
فالرجل عندما يصل إلى مرتبة المرجعية العليا للمسلمين فإنه لن يكون ملك نفسه، بل هو ملك الأمة، لذا فهو سينسى أغراضه وأهدافه الشخصية، ويتجاهل رغباته وشهواته الذاتية من أجل تحقيق الغايات العليا للأمة.
ذلك أن قضايا الأمة تضع القائد دوماً على المحك، وتعرض حياته للخطر، وما من يوم يمر إلا وحياة القائد هي في خطر، لأنه ما من قرار يتخذه القائد لصالح الأمة إلا ويكون في ضرر الإحتلال أوفئة من الناس أو مجموعة منحرفة وضالة، وهؤلاء بالطبع لن يدعوا القائد يعيش بأمان وسلام.
ومن واجب الأمة عند ذلك أن توفر الحماية الكافية لهذا القائد المتفاني والمضحي في سبيل دينه وأمته، وأن لاتسمح لأية قوة في الأرض أن تصل إلى العلماء والقادة، فهؤلاء هم عزتنا وكرامتنا وأن أية إهانة تتوجه إليهم معناه إهدار لكرامة وعزة الأمة، فليس من الجائز التهاون في مسألة المحافظة على حياة القائد والدفاع عن عزته وكرامته لأنهما من شرف الأمة.
إن ما يدفع العلماء والمراجع إلى التلكؤ في إتخاذ القرارات المصيرية في معظم الأحيان، هي الخشية على دماء المسلمين وعلى المشاكل الداخلية التي قد تحدث فيما لو نزلت الجماهير إلى الساحة، وإذا أردنا أن نحسب المسألة بحساب القيم والمبادئ سنجد أن القائد هو المسؤول عن تحقيق المبادئ السامية والدفاع عنها بالدرجة الأولى، ومن أجل هذا فهو يعرض نفسه وحياته للخطر، ومن أجل هذه المبادئ يجب أن تضحي الأمة بما تملك من غالٍ ونفيس، فحياة المبادئ هي حياتها، ولاخير في أمة تعيش الإذلال والاحتقار.. لأنها في الواقع ستكون أمة ميتة!