قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
الشعب العراقي في يومه الصعب يستذكر غيابه
أل كاشف الغطاء.. كشف الغطاء عن الفساد داخل الأمة وخارجها
يُعد المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، من أبرز علماء الدين الذين حملوا مشعل الرسالة المحمدية الى ابناء مجتمعه والى العالم، يصدح بالفكر الاصيل ويدافع عن حقيقة الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد واجه في هذا الطريق مختلف انواع الضغوطات والتحديات من الوسط الاسلامي ومن الدوائر الاستعمارية التي وقف لها بالمرصاد، ولم يدعها تعبث كما تشاء بمصائر الشعوب الاسلامية لاسيما بمصير الشعب العراقي.
*ولادته ونسبه*
ولد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في النجف الأشرف سنة 1294 هـ في عائلة علمية متدينة معروفة بالعلم والفضلية، و تنسب عائلة آل كاشف الغطاء إلى الصحابي الجليل مالك الاشتر النخعي -عليه الرحمة- ومن ثم إلى قبيلة بني مالك إحدى القبائل العربية المعروفة.
وكان أحد أجداد العائلة وهو الشيخ خضر بن يحيى بن مطر المالكي من فحول الإمامية، أمّا والده فهو المرحوم الشيخ علي بن محمد رضا ابن الشيخ جعفر الكبير، فقد كان مؤرخاً ومحققاً، وله كتاب (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة ).
*دراسته وأساتذته*
درس المقدمات في محل ولادته (النجف الأشرف) على يد علمائها المعروفين آنذاك، وأخذ يحضر دروس علم الأصول عند المرجع الكبير والعالم المعروف آية الله العظمى الآخوند الخراساني، وحضر عنده ست دورات في هذا العلم.
حضر دروس الفقه لآية الله رضا الهمداني وآية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي.
درس الأخبار والأحاديث عند المحدث الكبير الميرزا (حسين النوري )، وحصل منه على إجازة برواية الأحاديث.
درس الفلسفة وعلم الكلام عند نوابغ العصر الثلاثة: آية الله الشيخ أحمد الشيرازي، والميرزا محمد باقر الإصطهباني، والمرحوم محمد رضا النجف آبادي.
نظراً لذكائه وقدراته الذهنية العالية، فقد طوى مراحل شتى من العلوم بسرعة وهو في فتوّته، لذلك أصبح موضع اهتمام وثقة أستاذه آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي، الذي عيّن قبل وفاته أربعة وكلاء عنه في الإستفتاء، كان شيخنا كاشف الغطاء أحدهم.
*مرجعيته*
بعد وفاة آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي عام1337 هـ، أخذ الناس في العراق بتقليد آية الله الشيخ أحمد كاشف الغطاء، وهوشقيق الشيخ محمد حسين. وفي 1338 هـ أخذ كثير من أهالي العاصمة بغداد بالعدول في تقليدهم إلى اية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وشيئاً فشيئاً ذاع صيته بين أوساط المقلدين في العراق حتى تقلّد مسؤولية المرجعية الدينية العليا.
*صفاته وخصائصه*
كان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء من أتباع أهل البيت عليهم السلام الحقيقيـين، فقد جسّـد في سلوكه وتصرفاته ما أوصى به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرون عليهم السلام، ولهذا كان محمدياً حقيقياً في سلوكه وأخلاقه.
وكان شجاعاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى في جميع المجالات، العلمية والسياسة وغيرها، وكمثال على شجاعته السياسية ما كتبه في إحدى رسائله، من (أن أمريكا تُبقي شعوبنا رازحة تحت أشكال الفقر والجهل والتخلف في مجال الزراعة والصناعة لكي تجعلنا أذلاء خاضعين لها، وفي مقابل ذلك كله تسعى للسيطرة على ثرواتنا واستثمارها ونحن راضون...).
وكان من صفاته العفو عمن أساء إليه والحلم والصبر عمن أخطأ بحقه، ولم يكن مستبداً برأيه يتقبل النقد برحابة صدر، وإذا تبيّن له بأن الرأي الذي كان يعتمده خطأ كان يتركه ويأخذ بالصحيح. وكان يعتمد على نفسه وفي الوقت نفسه لم يكن متكبراً أو معجباً بنفسه، وكان نقي السريرة لا يحقد على الناس، لذلك لم ينظر إلى أحد نظرة حسد أو حقد أو ما شابه ذلك، وكان متواضعاً للجميع، الصغير منهم والكبير، والقريب والبعيد، وكل مَنْ جاء لمقابلته أو زيارته من جميع أرجاء العالم، وقد تحدّث الجميع عن تواضعه واحترامه واهتمامه.
وكان الشيخ كاشف الغطاء مخلصاً لله لم يجعل الدين لنفسه، بل جعل نفسه في خدمة الدين والدفاع عن القيم الإسلامية، لهذا نجده عندما كان يقرأ كتاباً ويجد فيه إدعاءات باطلة على الإسلام أو المذهب يقوم بإمساك القلم فوراً ليردّ عليه بدون أي تحفظ، وهذا ما نلمسه واضحاً في كتبه ومؤلفاته.
ومن ابرز تلك الكتب (أصل الشيعة وأصولها)، ونقده لكتاب (تاريخ آداب اللغة العربية) لجرجي زيدان، الذي تعرض فيه للمذهب الشيعي. وللشيخ كاشف الغطاء وقفة تصدٍ كبيرة بوجه صاحب كتاب (فجر الاسلام) الذي أوغل في الطعن في مذهب أهل البيت عليهم السلام، وقد برز لمحاججته والرد عليه مما حدا بأحمد أمين صاحب الكتاب الى التراجع والاعتذار الى الشيخ رحمة الله عليه، فضلاً عما ذكرناه كان الشيخ كاشف الغطاء - رحمه الله- خطيباً بارعاً ساحر البيان فصيح اللسان، يستذوق الشعر له ابيات فى أسباب تخلف المسلمين، تدل على مدى براعته في نظم الشعر، يقول فيها:
كم نكبة تحطم الإسلام والعرب والانكليز أصلها فتّش تجدهم السبب
فكل ما في الأرض من ويلات حرب وحرب هم أشعلوا نيرانها وصيّروا الناس حطب
واستخـدمـوا ملـوكـنا لضربـنا ولا عـجـب فمـلـكهـم بفـرضهـم كـان، وإلاّ لانقـلب
هم نصبوا عرشاً لهم في كل شعب فانشعب واسـوأتا إن حـدّثَ التاريخ عـنهم وكـتب
*مواقفه السياسية*
لم يقتصر شيخنا كاشف الغطاء على دراسة وتدريس العلوم الدينية، بل كانت له خارج هذه الدائرة نشاطات مختلفة، في خدمة الإسلام والدفاع عن العقيدة وكان له في هذا الصدد رحلات إلى مختلف البلدان الإسلامية.
وفي عام 1350هـ المصادف لعام 1930 سافر إلى فلسطين وحضر المؤتمر الإسلامي الذي عُـقد فيها، وبعد أن أقيمت صلاة الجماعة في المسجد الاقصى قام بإلقاء محاضرة تاريخية على اسماع مائة وخمسين ممثلا من الاقطار الإسلامية المختلفة وبحضور عشرين ألف مشارك، تحدّث فيها عن أمورٍ تهمّ الإسلام والمسلمين وعلى رأسها: وحدة المسلمين واستقلالهم، ووجوب التصدي للمستعمرين والصهاينة المحتلين.
ونذكر هنا بعض اللقاءات التي قام بها، والتي تعبّر عن مدى ايمانه وشجاعته في طرح المشاكل التي تخصّ عامة المسلمين. فقد زاره السفير البريطاني بتاريخ 20 / جمادي الأولى / 1347 هـ المصادف لعام 1927، وفي هذا اللقاء هاجم المرجع كاشف الغطاء السياسة الاستعمارية التي اتخذتها بريطانيا في مناطق متعددة من العالم الإسلامي، على رأسها قضية فلسطين، فحمّل فيها بريطانيا مسؤولية الإعداد لاحتلال فلسطين من قبل الصهاينة، وتسببها في هجرة الآلاف من الشعب الفلسطيني المظلوم، ولجوئه إلى الدول المجاورة.
وكان الشيخ كاشف الغطاء يرى المرجعية الدينية من وجهة نظره مسؤولية إلهية كبيرة، توضحها الآية الشريفة الآتية: "يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى...".
واستناداً إلى هذه الروية السياسية التي كان يعتقد بها ويدافع عنها، كان يدعم كل شكل من أشكال العمل المناهض للسياسة الاستعمارية، ويدعو إلى التحرر والاستقلال، ومن ذلك اشتراكه في ثورة العشرين المجيدة ضد الاحتلال البريطاني للعراق.
*كلمة التوحيد ووحدة الكلمة*
أمّا عن مواقفه من الوحدة بين المسلمين والسُبل الكفيلة بوحدتهم، فقد عبّر عنها بقوله: بني الاسلام على دعامتين كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، وأضاف الشيخ المرجع الكبير الى هذه المقولة الشهيرة عدة نقاط :
1 ـ ان الأمور الواجبة هو إيجاد التعاون والتنـسيق بين المسلمين وعقد العهود والمواثيق بين الدول العربية والإسلامية، بشرط أن لا تتدخل الدول الإستعمارية قيد شعرة بهذه العهود.
2 ـ إذا تم الإتحاد بين صفوف المسلمين، فسيكونوا قوة عظيمة مقابل الدول الأخرى، وستخضع تلك الدول إلى سيطرة الإسلام، كما سيطر عليها في القرون الماضية.
3 ـ لقد مرّت خمسون سنة وأنا أدعو المسلمين بهذا الشعار (الوحدة) وأدعوهم إلى الاتحاد والتضامن.
*مؤلفاته*
للشيخ كاشف الغطاء آثار علمية قيّمة بعضها مطبوع والبعض لا يزال مخطوطاً، وقد بلغ عدد المطبوع ثلاثة وعشرين كتباباً أبرزها: (أصل الشيعة وأصولها) وهو كتاب قيّم تحدث فيه عن الشيعة ومعتقداتها، ترجم إلى اللغة الفارسية والإنكليزية والهندية، وكتاب (نقض فتاوى الوهابية)، و(الأرض والتربة الحسينية) وقد ترجم الى الإنكليزية والفارسية والهندية، وكتاب (الدين والإسلام)، وكتاب (حاشية على العروة الوثقى)، وكتاب (نبذة من السياسة الحسينية).
*أقوال العلماء*
قال فيه المرحوم العلامة المحقق الشيخ أغا بزرك الطهراني: (هو من كبار رجال الإسلام المعاصرين، ومن أشهر مشاهير علماء الشيعة .... والحقيقة، أنّه من مجتهدي الشيعة الذين غاصوا بحار علوم أهل البيت عليهم السلام، فاستخرجوا من تلك المكامن والمعادن، جواهر المعاني ودراري الكلم فنشروها بين الجمهور...).
وقال فيه صاحب كتاب أحسن الوديعة: (كان آية الله العظمى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء علاّمةً كبيراً، ومصلحاً شهيراً، وعالماً مقتدراً، له بيان ساحر وكتابات جذابة، كانت مؤلفاته مكتوبة بلغة سلسة تناسب لغة العصر، منسجمة مع التطور... ).
*وفاته*
مرض شيخنا الجليل محمد حسين كاشف الغطاء في أواخر حياته، فأدخل على أثر ذلك إلى مستشفى الكرخ في بغداد، ولكن صحته لم تتحسن، فقرروا نقله إلى مدينة (كِرند) في غرب محافظة كرمانشاه الايرانية، لغرض النقاهة، أملاً في شفائه، وبعد وصوله بثلاثة أيام جاءه الأجل المحتوم فلبّى نداء ربه وذلك بتاريخ 18 ذي القعدة 1373 هـ المصادف لعام 1952.
وقد نقل جثمانه الطاهر إلى العاصمة بغداد، ثم إلى مدينة النجف الأشرف، وبعد تشييعه دفن في مقبرة وادي السلام إلى جوار مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الأشرف، وأقيمت على روحه الطاهرة مجالس الفاتحة في العراق وايران.