يوم دحو الأرض
انتشار الخير والبركة من الكعبة الى العالم
|
جاء في التقويم الاسلامي أن في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام حصل تطور عظيم على وجه الارض حيث فضّل الله تعالى مكان الكعبة المشرفة على كل أمكنة الارض، ومنها بدأت عملية انبساط الارض وتسويتها بالشكل الذي يراه ويعيش عليه الانسان منذ القدم وحتى يوم يبعثون، وهي من مشاهد الخَلْق العظيمة، وواقعة جليلة في بديع الخلق الإلهيّ، وهي مذكورة في الكتاب العزيز في آيتين: الاُولى: "والأرضَ بعدَ ذلك دَحاها..."(النازعات/30) والثانية: "... والأرضِ وما طَحاها"(الشمس/6).
وجاء في اللغة: دَحَوتُ الشيءَ دحْواً: بَسَطتُه، وقيل: دحاه بمعنى أزاله عن مقرّه، أو جرَفه، أو رمى به بقهر، أمّا طحا فبمعنى: بسط فوسع، والطحا: المنبسط من الأرض، والطاحي الممتدّ، وقيل أيضاً: الطَّحْو كالدَّحْو، وهو بسط الشيء والذَّهاب به.
قال الإمام الباقر عليه السلام: (لما أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجاً ثم زبداً واحداً، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلاً من زبد، ثم دحا الأرض من تحته، وهو قول الله سبحانه وتعالى: "إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً"، فأول بقعة خلقت من الأرض الكعبة، ثم مدّت الأرض منها...).
وسمّيت (بكّة) لازدحام الناس فيها، وقيل: هو اسم للحرم، وقيل: المسجد، وقيل: المطاف.
وجاء في الروايات أن رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام: أهو أول بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة. وأول من بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من عرب جرهم، ثم هدم فبنته العمالقة، ثم هدم فبنته قريش).
ولم يكن خليل الرحمن النبي إبراهيم عليه السلام يعلم أين يضع بيته عندما أمره الله أن يبني البيت، فبعث الله جبرائيل الأمين فحدد له مكان البيت، فابتدأ إبراهيم وإسماعيل ببناء البيت في هذا الموضع، وجعل له بابين: شرقياً وغربياً، وجعل عليه الشجر والأذخر. فقال إبراهيم بعدئذ كما جاء في الآية المباركة: "ربّ اجعل هذا البلد آمناً، وارزق أهله من الثمرات".
وفي خطبة للإمام عليّ عليه السلام قال فيها: (كبَسَ الأرضَ على مَوْر أمواجٍ مُستَفحِلة، ولُججِ بحارٍ زاخرة، تَلتطمُ أواذِيُّ أمواجِها، وتَصطفِقُ مُتَقاذِفاتُ أثباجِها، وتَرغو زبَداً كالفُحول عند هِياجها، فخَضعَ جِماحُ الماء المتلاطم لثِقَل حملها، وسكنَ هَيْجُ ارتمائه إذا وطِئتْه بكَلْكَلِها، وذلّ مُسْتخذِياً إذ تمعّكت عليه بكواهلِها، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه، ساجياً مقهوراً، وفي حَكَمة الذُّلّ منقاداً أسيراً، وسكنت الأرض مَدْحُوّةً في لُجّة تيارِه...)
وضمن بيانه لعلل الأحكام والشرائع وبعض أسرار الحجّ وفضائله، قال الإمام عليّ بن موسى الرضا صلوات الله عليه: وعلّة وضع البيت (أي الكعبة المشرّفة) وسطَ الأرض؛ أنّه الموضع الذي مِن تحته دُحيت الأرض... وهي أوّل بقعةٍ وُضعت في الأرض؛ لأنّها الوسط، ليكون الغرض لأهل الشرق والغرب في ذلك سواء.
وقد ورد في الروايات أعمال كثيرة ومستحبة في هذا اليوم منقولة الأئمة الاطهار، وهي ليلة شريفة تنزل فيها رحمة الله تعالى. وللقيام بالعبادة فيها أجر جزيل. روي عن الأمام الرضا عليه السلام قوله: ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة وُلد فيها إبراهيم عليه السلام، وولد فيها عيسى بن مريم عليه السلام، وفيها دُحيت الارض من تحت الكعبة. فمَن صام ذلك اليوم كان كمن صام ستّين شهراً.
وجاء ان هذا اليوم هو أحد الأيّام الأربعة التي خُصّت بالصيام بين أيّام السنة. وفي بعض الروايات يُذكر أنّ صيامه يعدل صيام سبعين سنة، إذ هو كفّارة لذنوب سبعين سنة، وفي بعض الأخبار: من صام هذا اليوم وقام ليلته فله عبادة مائة سنة، ويستغفر لمن صامه كلُّ شيء بين السماء والأرض. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ أوّل رحمة نزلت من السماء إلى الأرض في خمس وعشرين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة فله عبادة مائة سنة صام نهارها وقام ليلها. وأيّما جماعة اجتمعت في ذلك اليوم في ذِكر ربّهم عزّوجلّ لم يتفرّقوا حتّى يُعطَوا سُؤلهم، وينزل في ذلك اليوم ألف ألف رحمة، يوضع منها تسع وتسعون في حَلق الذاكرين والصائمين في ذلك اليوم والقائمين في تلك الليلة.
وعن فضل هذا اليوم جاء في (الكافي): خرج علينا الامام أبوالحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو في يوم خمس وعشرين من ذي القعدة، فقال: (صوموا، فإني أصبحت صائماً)، قلنا: جعلنا فداك، أي يوم هو؟ قال: (يوم نشرت فيه الرحمة، ودحيت فيه الأرض، ونصبت فيه الكعبة، وهبط فيه آدم عليه السلام.
ويُستحبّ الغُسل في يوم دحو الأرض، فضلاً عن الصيام والعبادة وذِكر الله تبارك وتعالى، وإلى ذلك هنالك عملان:
الأول: صلاة مرويّة، وهي ركعتان تُصلّى عند الضحى بـ (الحمد) مرّة و(الشمس) خمس مرّات، ويقول المصلّي بعد التسليم: لا حول و لا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
الثاني: دعاء يُستحبّ قراءته في هذا اليوم، ونقتصر على مطلع منه: (اللّهمّ داحي الكعبة وفالق الحبة وصارف اللزّبة وكاشف كل كربة، أسألك في هذا اليوم من أيامك التي أعظمت حقها وأقدمت سبقها وجعلتها عند المؤمنين وديعة واليك ذريعة وبرحمتك الوسيعة أن تصلي على محمد وآل محمد....) الى آخر الدعاء الوارد في كتاب مفاتيح الجنان، وبامكان القارئ مراجعته ضمن أعمال الشهور.
وذكرت بعض كتب أعمال الشهور في بيان يوم دحو الأرض وأعماله، أنّ زيارة الإمام الرضا عليه السلام في هذا اليوم من أفضل الأعمال المستحبّة، ومن أكثر الآداب المسنونة تأكيداً
|
|