قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نافذة على مفردات القرآن
الظنّ
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طالب خان
هل الظن خيال وتصور؟ أم هل هو نسبة ضعيفة من اليقين؟ أم هل انه اتباع الهوى؟ أم انه هل مرادف للخرص والسفه، أم ماذا؟
من خلال التدبر في سياق الآيات التي جاءت هذه الكلمة (الظن) ضمنها، نعرف أن الظن ليس مجرد نسبة ضعيفة من اليقين كما اصطلح عليه أصحاب الفلسفة والكلام، ومضى عليه بعض علماء الأصول والتفسير، كما أنه ليس اتباعاً للهوى أو مرادفاً للسفه والخرص، إنما الظن تصور الشيء وتخيله؛ فقد يكون تصوراً نابعاً من الهوى والوسوسة والسفه، فهو ظن الجهل. وقد يكون تصوراً نابعاً من العلم واليقين والعقل، فهو ظن علم.
وهكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام، في تفسير قول الله سبحانه: "الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"( البقرة/46)، انه قال: يعني أنهم يوقنون أنهم يبعثون ويحشرون ويحاسبون ويجزون بالثواب والعقاب. والظن ها هنا: اليقين.
ويرى بعض أهل اللغة؛ ان لفظ الظن يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك. فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظناً أي أيقنت. قال الله تعالى: "الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ" أراد: – والله أعلم- يوقنون، والعرب تقول ذلك وتعرفه. قال شاعرهم:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم الله في الفارسي المسرد
وأراد: ايقنوا، وهو في القرآن كثير. ومن هذا الباب مظنة الشيء، وهو معلمه ومكانه. قال النابغة: فان مظنة الجهل الشباب.
*بين الظن واتباع الهوى*
حين تقتضي مصلحة الانسان عملاً، أو يدعوه الغضب إلى موقف، فان الشيطان والنفس الأمارة يسولان له ذلك ويزينانه، فإذا به يظنه صالحاً فيتبعه. ونستلهم ذلك من قول الله تعالى: "إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى" (النجم/23).
فالآلهة المزيفة أسماء لاحقيقة لها، وإنما اعتبارها وشرعيتها نابعة من انهم سموها. بينما الشرعية الوحيدة هي التي ينزّل الله بها سلطاناً مبيناً. أما الظن والتخيل فهو لايغني من الحق شيئاً.
ومن مفردات الظن؛ التصورات الناشئة عند البشر حال الخوف. ومثله واقع المسلمين في يوم الاحزاب، إذ طفقوا يظنون بالله الظنونا. قال الله تعالى: "إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا" (الأحزاب/10).
ومن مفردات الظن؛ التخيّل الناشئ من الغرور، كالذي نجده عند اليهود المحيطين بالمدينة المنورة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث زعموا أن قلاعهم المنيعة تمنعهم من الله سبحانه، وكان واضحاً أن ذلك الظن كان جهلاً منهم بقدرة الله وارادته العليا. قال الله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ" (الحشر/2).
ولعل الغرور كان – أيضاً- وراء ظن صاحب الجنّة الذي زعم أنها لن تبيد أبداً. قال الله تعالى: "وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا" (الكهف/35-36)، ومعلوم أن هذا الظن مجرد خيال جاهل. فأي جنة بقيت حتى تبقى هذه الجنة، وأي انسان خلد حتى يخلد هو، وكيف كانت الثروة في الدنيا معياراً لرحمة الله في الآخرة؟! إن هي إلا تصورات باطلة، منشؤها الغرور وحب الذات.
ومن مفردات الظن الناشئ من الغرور بشخص آخر، ظن الجن أن لا أحد يكذب على الله سبحانه، تعظيماً لله سبحانه، وظناً حسناً بالآخرة. قال الله تعالى -عن لسان الجن-: "وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا" (الجن/5).
ومن مفردات الظن، ذلك التصور الذي ينشأ من العقد النفسية، ومن الحقد والعصبية أو من الكراهية والتشاؤم، وهذا ما نستوحيه من قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً" (الحجرات/12).
ومن هنا فان على الإنسان أن يمارس ظن الخير، ويرجح جانب الحب والحسن على جانب القبح. هكذا أمر الله المسلمين في التعامل مع الشائعات المغرضة، حيث أمر بأن يظن المؤمنون بأنفسهم وباخوانهم خيراً، ولا يصدقوا – بسرعة- كل شائعة في حق بعضهم. قال الله تعالى: "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ" (النــور/12)، وفي ذلك قال أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً).
*ظن اليقين*
أما ظن اليقين، فيبدو أنه يتحقق بتصور الحقائق المعلومة عند الإنسان علماً يقيناً، لتزداد أثراً في النفس، وعمقاً في الشعور؛ مثلاً تصور الآخرة. قال الله تعالى: "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (البقرة/45-46).
وهكذا تصور الحساب يوجب المزيد من التقوى. يقول الله تعالى: "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ* إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ" (الحاقة/ 19-21).
وهكذا ترى الذين يظنون الحساب ولقاء الله، هم الخاشعون الذين يؤتون كتابهم بيمينهم، ولعل من ذلك، ان الله تعالى يرغبنا في تصور لقائه، حيث يقول: "أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ" (المطففين/4-5)، فتصور الحساب في ذلك اليوم العظيم، يدعو الإنسان إلى انصاف الناس، وعدم التطفيف في المكيال والميزان.
ولعل من ظن اليقين، اعتقاد النبي داود عليه السلام أنه قد فُتن بالذين دخلوا عليه فسألوه عن قصة النعاج. قال الله تعالى: "وظَنّ داود أنّما فتنّاه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب" (ص/ 24).
والإنسان حين ينزل به الموت، يظن أنه الفراق. إنه تصور الحقيقة المشهودة التي كان يعرفها، ولكن لم يتصورها، واليوم يشاهدها مشاهدة ملموسة. قال الله تعالى: "كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ* وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ* وظن أنه الفراق" (القيامة / 26-28)، وكذلك حين يشاهد الكفار أهوال القيامة، فيتصورون نزولها بهم. قال الله تعالى: "وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ* تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ" (القيامة/24-25)، ففي ذلك اليوم يتصورون مدى مسكنتهم، حيث لا أحد يجيرهم، ولا منجى لهم، قال الله تعالى: "وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ" (فصلت/48).
وأعظم الأهوال عند مشاهدة المجرمين النار، حيث يظنون أنهم خالدون فيها. قال الله تعالى: "وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا" (الكهف/53).