قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
رغم وجود التأكيدات العلمية على فوائده..
نكاد نفقد فوائد صوم رمضان المبارك
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة عبد الكريم العامري*
هلّ علينا شهر رمضان بالخير والبركة. فالأيام التي مضت وتصرّمت بسرعة في الاشهر الماضية تتمهل قليلا في هذه الأيام، ويأخذنا الشهر الفضيل من لهاث الحياة اليومية إلى تجربة تجلو الروح وتصفو فيها النفس المتعبة.
وقد خلق الله نسيجاً خليطاً فيه غرائز تدعوه وتسحبه إلى الطبيعة الأرضية، وفيه نعمة من روح الله تسمو به إلى الأعالي، وفيه ذكاء وقّاد يصلح أن يشق به طريقه في الحياة، وفيه ميزان ركبه الله فيه يميز به بين الخير والشر والحق والباطل، ونعمة الإرادة التي يصنع بها قراره، قال تعالى: "ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها".
اذن الإنسان في معركة دائمة، فُضَّل فيها المجاهد على القاعد أجراً عظيما. وكبرى معارك الإنسان مع نفسه.. أيغلبها أم تغلبه؟ ومعركته مع شهواته.. لأنها قد تدعوه إلى الشر والضياع، وقد تغريه بحقوق الآخرين سواء كانت أموالا أو أعراضا أو مقدسات فان لم يتماسك أمام نفسه لم تنفعه العلوم والفنون والآداب.
وللصوم منافع وشرائط يقرّها الطب الحديث. ففيه يرتاح الجسم البشري راحة غذائية وبدنية شهرا كاملا في السنة، وعن النظام المدني الصحي الإعتيادي الذي يدعو إلى ضرورة تقليص العمل اليومي شهرا أو بعض الشهر في السنة،لدرء ما يعد له الاستمرار من الكلل والسآمة في النفس، فتستعيد بهذه الاستراحة نشاطها البدني والفكري الضروريين لاستئناف العمل فكانت على هذا التشبيه، العطل الصيفية في المدارس والأجازات السنوية لكل مستخدم أو موظف.
*صنعة الله
ان للأجسام العضوية الحية، كما للآلات المتحركة، طاقة عملية محدودة، وشروطا للحياة معينة، وعمرا طبيعيا مقدرا يبلغ حده الأعلى اذا روعيت هذه الشروط رعاية تامة وينقص بقدر مايقع في رعايتها من اهمال،او نقص او تعديل، فالقاطرة والسيارة والطائرة وغيرها من الآلآت المتحركة، لكل منها عمر محدد، وامكانية محددة على قطع المسافات، وهذه تعلن وتقدر من قبل صانعها شريطة ان تراعى جميع التعليمات والأنظمة، والشرائط المتعلقة بادارتها ومحافظتها ووقايتها. اما اذا اهمل شيء من هذ ه الشروط ولو بمقدار ذرة، فان صحة هذه الآلة تختل.
وهكذا هو الحال في الأجسام العضوية الحية، واكملها الإنسان.فان لكل منها عند بارئها عمرا اقصى مقدرا اشترط عليها لتبلغه ان تتقيد باحكام وفروض وواجبات وانظمة لم يكلف بها عبثاً، بل الزم بها لحكمة بالغة.
*تنقية الجسم
ادرك علماء الطب منذ القدم وحتى عصرنا الحاضر تنقية الجسم من حين الى آخر مما تراكم في اخلاطه من السموم الغذائية المحتبسة فيه،حفظا للصحة واتقاء ما ينجم عنها من الأمراض. فكان الأطباء الأقدمون يوصون الأصحاء بالمسهلات مرة في الشهر وبالحجامة او الفصد مرة في السنة. وفوائد هذا التدبير عظيمة. فهو يقي البدن من شرور كثيرة من الامراض كالربو والضغط الدموي والتسمم الداخلي وغيرها. وقد نقص هذا التدبر لا لعدم فائدته بل لسوء استعماله. اما الطب الحديث فقد ادرك ان اشد العوامل إضعافا للبنية وإخلالاً بالصحة، وتعريضها لفتك الأمراض، هو اضطراب تطور العناصر الغذائية الاساسية، الذي يتم به تمثل المواد الغذائية المختلفة، وتحولها لتكوين خلايا البدن وترميم ماتخرب منه، ثم طرح ما زاد على ذلك من الفضلات المختلفة الى الخارج. فتنشأ عن فساد هذا التطور امراض مزمنة مستعصية، تختلف حسب نوع المادة الغذائية غير المتمثلة في الجسم كالبدانة، والاملاح الرملية، والحصى والرئيات المزمنة والسكر وتسمم الدم الغذائي وتصلب الشرايين المؤدي الى تزايد الضغط الدموي.
*نظام الغذاء
الطريقة المثلى لاتقاء شرور تلك الامراض التي يمكن السير عليها هي تنظيم التغذية من حيث الكمية والكيفية والنوعية. فهناك الحِمية اللبنية والحِمية النباتية والحمية الخاصة والحمية المطلقة وهي المنع عن تناول الأ طعمة مدة معينة. وكل ذالك إبتغاء أمرين احدهما: منع ادخال مواد غذائية في الجسم هو غير قادر على تمثيلها، فتتحول فيه سما، الثاني: إراحة الجسم من الغذاء مدة معينة من الزمن يتمكن فيها من طرح ما تراكم في اخلاطه من الفضلات. وهذا يصار اليه بالصيام، فالصيام إذن حِمِية طبية خاصة وعامة جزئية او كلية يلجأ اليها في حالة المرض الغذائي لمعالجته. وتسمى بلغة الطب (الحِمية). وبلغة الدين (الصيام).
*حكمة الصوم
الصيام والحالة هذه، تدبير صحي للجسم الصحيح والوقاية أفضل من المعالجة والصحة افضل من المرض.. و( درهم وقاية خير من قنطار علاج). والخالق الأعظم وهو اللطيف بعباده فلم يشأ ان يترك هذا الجسم البشري السوي الذي خلقه في أحسن تقويم عرضة لعبث شهواته واهوائه دون ان يهديه سواء السبيل لحفظ صحته. ففرض عليه الصيام أياماً معدودات في السنة، وجعله ركنا من الدين بل جعله أشدها لزاما.
فقد اسقط وجوب إعادة الصلاة على المرأة الحائض، وأسقط الحج عمن لم يستطع إليه سبيلا، والجهاد عن المريض، والزكاة من غير المال الموفور أما الصوم فلم يسقط إعادته على المريض، ولا عن المسافر ولا عن الحائض بل اوجب عليهم إعادته دلالة منه تعالى على عظم فوائده ومنافعه للبشر. ولا غرو فان فيه حفظا للصحة، والصحة قوام الحياة، والحياة أسمى ما في هذه الكون. تلك حكمة الصيام الصحية كما يقررها الطب الحديث.
*ليكون الصوم مفيدا
ان الصوم يخرج الجسم من حميته هذه نقيا نشطا يستقبل مشاق الحياة، بعزيمة وراحة وقوة جديدة. كما ان لكل حمية طبية مهما كان نوعها شروطا لتاتي بالفائدة المتوخاة منها. كذالك الصوم، ليكن مفيدا للصائم فهو يتطلب شروطا غذائية واجتماعية من الواجب التقيد بها وإلا ضاعت فائدته، او انقلب نفعه ضررا، وخيره ألما كبيرا. وأهم هذه الشروط: عدم الاسراف في الطعام والشراب والسكون الى الراحة، والهدوء والطمأنينة، واجتناب مشاق الاعمال الفكرية والبدنية بسبب المحافظة على التوازن بين الصادر والوارد في البدن. فالعمل العقلي والفكري المجهد يستوجب صرف كثير من المواد السكرية الواردة الى العضلات مباشرة من الاغذية، أو المتحولة من الشحوم المدخرة في البدن، ومن المواد الازوتية الموجودة في العضلة نفسها.
وإذا استمر الصائم على الافراط في العمل، مع الاقلال من الغذاء فان فعله هذا يؤدي حتما الى الهزال والتعب والاعياء بعامل نفاذ العناصر المدخرة الضرورية للعمل، واحتباس الفضلات السامة الناشئة عن الاجهاد وتراكمها في الفضلات، هو يسبب نقص المقاومة البدنية، واشتداد الاضطراب النفسي والعصبي فيسوء خلق الصائم، ويستولي عليه الضجر والتململ، وسرعة الغضب، ويتعرض بدنه لظهور كثيرا من الامراض التي كثيرا ما تكون جراثيمها كامنة فيه تنتظر سنوح مثل هذه الفرص لتفتك به.
*خطأ الصائمين
من المؤسف، ان المسلمين أهملوا هذا الشرط وجهلوا حكمته، ولم يدركوا مضار إهماله فجعلوا من شهر الصيام الذي هو شهر عبادة، شهر كد وجد لمضاعفة الكسب المادي وشهر سهر وسمر، لا ابتغاء مرضاة الله، بل بما يرضي الاهواء والعادات والشهوات.. ولكي لا تصاب الابدان بالافلاس الغذائي والعجز العضلي لكثرة الاستهلاك وقلة الموارد بسبب الصيام، لجأوا الى الاسراف في الاكل والشرب فاكثروا من ألوان الاطعمة والاشربة، وحولوا ليلهم نهارا يقضونه في المقاهي والمطاعم وجلسات السهر، حيث يتناولون الطعام والشراب مرات عديدة فيدخلون الطعام على الطعام فتعتريهم أنواع الآفات الهضمية، والامراض الغذائية، والاضطرابات العصبية التي صاموا ليقوا ابدانهم من شرورها، فاوقعهم صيامهم المزيف. فاتهموا الصوم بالضرر ونسبوا اليه ما وقعوا فيه من سوء الخلق ولو انهم عقلوا لعرفوا ان وعد الله الناس حقٌ بخير الصيام.. ولأدركوا ما اشار اليه الله في قوله: "فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر".
*شبكة النبأ المعلوماتية