قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

إضاءات إسلامية في طريق تربية الشباب
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة بمان إنّ مرحلة الشباب لها من الأهمية والحساسية في حياة الانسان، حيث تتخللها مرحلة المراهقة، فان أمر التربية وتقويم السلوك يتفرع من خلاله الى عدة جوانب، مما يؤكد ان الاهتمام بالتربية في مرحلة الشباب لابد وان تكون شمولية ومتكاملة ولاتكون بأي حال من الاحوال تجزيئية اوناقصة، ففي هذه الحالة سنكون امام نماذج وحالات يصعب التعامل معها او حتى اصلاحها، ولعل معظم ماتعانيه مجتمعاتنا لاسيما المجتمع العراقي على الصعيد التربوي نابع من اشكالية في النهج التربوي، لذا إرتأينا الحديث عن أهم جوانب التربية في مرحلة الشباب، ونترك الباب مفتوحاً لمزيد من المطالعة والبحث لمن يدرك أهمية تربية الشباب والاحداث في الوقت الحاضر.
1-التربية الدينية والقرآنية..
تتخذ العبادة أشكالاً عدّة، يؤدّيها كل مخلوق حسب قدرة استيعابه وإدراكه، كما يفهم ذلك من قوله تعالى في الآية الكريمة: "كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ".. فالأفضل للمرء أن يتّجه إلى ربّه في كل الأمور؛ يسيرها وعسيرها فيعوّد نفسه منذ صغر سنّه على الصلاة وإقامتها في أوقاتها في السرّ والعلانية، ليحصل على أكثر قدر ممكن من الثواب باكتساب فضيلتها.
وقد حبّب الله عزَّ وجلَّ للمصلّين أن يقيموها في أوقاتها الشرعية المخصّصة لها، وبيّن الباري لهم فضل ذلك وأجره، إذ قال عزّ من قائل: "وَأَقِمِ الصَّلوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ". وقال -صلّى الله عليه وآله-: (علّموا صبيانكم الصلاة، وخذوهم بها إذا بلغوا الحلم).
أمّا في مسألة تلاوة القرآن الكريم وحفظه، فقد ورد عن رسول الله -صلّى الله عليه وآله- أنّه قال: (من قرأ القرآن وهو شابّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عزَّ وجلَّ مع السفرة الكرام البررة).
وينبغي القول أن الآباء لو ربوا أبناءهم على ذكر الله عزَّ وجلّ، وأداء الصلاة في أوقاتها، والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم، فسيكون لهم عند الله جلّ وعلا أجراً عظيماً وثواباً كريماً.
وقد حثّ الرسول الأكرم -صلّى الله عليه وآله- الأبوين على تعليم أبنائهما المواظبة على تلاوة القرآن الكريم: (ومن علّمه القرآن دعي بالأبوين فيُكسيان حلّتين يضيء من نورهما وجوه أهل الجنّة).
2-التربية النفسية والسلوكية..
يولي الاسلام الناحية النفسية لدى الانسان أهمية بالغة وكبيرة، وهناك معالجات نفسية لكثير من المشاكل والقضايا المتعلقة بالشباب ليكونوا أعضاء صالحين نافعين في المجتمع الإسلامي، وهو بذلك يرمي إلى غرس روح الثقة والاطمئنان والأمان والهدوء والراحة النفسية عند الإنسان، خاصّة عندما يعده بالأجر والثواب والمغفرة وقبول التوبة والجنّة.
فعلى كل من الوالدين والأسرة والمعلّم والمجتمع والدولة والمتصدّين لعملية التربية، أن يجتهدوا في زرع الثقة والطمأنينة في نفوس الأبناء، وبذلك يتمكّنوا أن يحرّروهم من تأثيرات الخوف والاضطراب والقلق والشعور بالدناءة والضعة، وكل ما يؤدّي إلى سحق شخصيّاتهم وانهيارهم النفسي.
انّ ردّ الفعل المتكوّن عند الإنسان لكلّ منها إنّما يتحدّد بطبيعة ملكته النفسية، وقدرته على مجابهة ما يشعر بضرره له، فلا ينقاد إليه، وعلى هذا يتحدّد موقفه من هذا المؤثّر أو ذاك.
والشريعة الإسلامية ترى بأنّ من أهم الأمور المؤدّية إلى طمأنينة النفس وارتقاء مستوى وعي الإنسان، وبالتالي إلى توازنه النفسي والمعيشة في ظل الحياة الطيبة هو ذكر الله، وذلك لأنّ الذكر كما ورد عن الإمام علي -عليه السلام-: (الذكر نور العقل، وحياة النفوس، وجلاء الصدور).
ولهذا ورد في الدعاء الذي علّمه الإمام علي -عليه السلام- لكميل بن زياد: (اللهمّ اجعل لساني بذكرك لهجاً، وقلبي بحبّك متيّما).
وذلك ليبقى الإنسان المؤمن في ظل ذكره لله عزَّ وجلَّ متمتّعاً بالصيانة التي تردعه عن ارتكاب ما يخلّ في توازنه النفسي.
3- التربية الذهنية والعلمية..
قال رسول الله -صلّى الله عليه وآله-: (إنّ العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوّة الأبدان من الضعف)، وذكر الإمام علي -عليه السلام- في إحدى مراسلاته: (إنّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته، إنّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا ).
فالإنسان مخلوق عاقل مفكّر، يستطيع أن يدرك الأشياء ويتعلّمها بوعي، ويمكنه الاكتساب وتعلّم المعارف والعلوم بواسطة إدراكه لعالم الطبيعة عن طريق تأمّله في الكون وفيما خلق الله عزّ وجلّ.
وبالعلم والمعرفة تتحدّد شخصيّة الإنسان، وتقوّم قيمته، وقد تصدّرت الأمم والمجتمعات مواقعها في التاريخ، وسادت البشرية وتزعّمت قيادتها عن طريق العلم والمعرفة اللذين جلبا لها القوّة واسباب التقدم الحضاري.
وقد أراد الله عزَّ وجلَّ بالعقل الذي وهبه للإنسان أن يصل به إلى العلم والمعرفة والكمال، لينتفع به وينفع غيره، وأن يكون رحمة للناس كافّة، وقد مدح تعالى أهل العلم في قرآنه الكريم فقال مبيّناً فضلهم: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ"، كما حثّ رسول الله -صلّى الله عليه وآله- المسلمين على طلب العلم والمعرفة، فجعلها فريضة وواجباً على كلّ مسلم ومسلمة إذ قال في حديثه الشهير: (اطلبوا العلم ولو في الصين) و(طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة).
من هنا نرى أنّ واجب الوالدين ضمن النشاط الأسري لهما ووظيفة المعلّم خلال أدائه لواجبه الشريف، هو تعريف الأولاد بحياة العلماء وأصحاب المعرفة السابقين، الذين أرسوا قواعد العلم والمعرفة والفضيلة ووسائل الحضارة البشرية، ونشروا العلم بمختلف صنوفه أينما حلّوا في هذه الدنيا، وأن يتحدّثوا لهم عن تجاربهم وعلومهم وفضائلهم، بأسلوب قصصي شيّق جميل يستميل رغبة الأولاد ويثير فيهم حب الاطّلاع على المجهول، ويرسّخ في أذهانهم ونفوسهم حبّ العلم والمعرفة والاستطلاع والاستكشاف لنشر العلم والمعرفة بين الناس، وتوضيح أثر وأهمّية العلم والعلماء للأولاد، وأن يشجّعونهم على زيارة المتاحف، للتعرّف على ما كان عليه أجدادنا، وكذلك زيارة المعارض الحديثة للاطّلاع على معروضاتها الصناعية والعلمية، وأن يغرسوا في أنفسهم حبّ المطالعة من كتب وصحف ومجلاّت إسلامية، فيكون ذلك سبباً في توسيع مداركهم وتنمية عقولهم.
ونرى أنّ الواجب الذي يفرضه عصرنا الذي نعيش فيه، والتقدّم الهائل والسريع الذي حدث فيه، أن يتم تعليم الأولاد على استخدام احدث الوسائل والأجهزة الحديثة لاسيما مايتعلق بالاتصالات والنشر وغيرها للتعلّم واكتساب المعرفة، وفي مقدمتها شبكة الإنترنت.
4- التربية الجنسية..
لقد أولى إسلامنا العظيم مسألة الجنس والممارسات الجنسية أهمّية كبرى، واعتبرها من المسائل الأساسية في حياة الإنسان، لما لها من أهمّية بالغة على سلامة الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه من النواحي الصحّية والسلوكية والأدبية والأخلاقية، لذلك فقد وضعت الشريعة الإسلامية القوانين والمعايير اللازمة لإشباع غريزة الإنسان الجنسية، وتهذيبها وتنظيم أسلوب ممارستها.
ففي الشرعية الإسلامية احكام عديدة تناولت الجنس والحقوق الجنسية، وأحكام الزواج الدائم والمؤقّت، وحقوق كلّ من الزوجين، وأحكام الطلاق وغيرها، ممّا ينظم مسائل الحياة الجنسية والزوجية، لتعالج الظروف والمشاكل التي يعيشها الفرد وكيفية ممارسته هذا الحق الإنساني الذي منحه الله تبارك وتعالى، لاستمرار الحياة البشرية، من جهة، ومن جهة أخرى لحفظ النوع والنسل والذرّية، وليبقى الإنسان في مأمن من الانحراف والانزلاق في هوّة المعاصي والذنوب، والتلوّث والعدوى من مختلف الأمراض الجنسية والتناسلية وفي مقدمتها الايدز الذي تعاني منه البلاد الغربية وايضا بلدان كثيرة في العالم.
من هنا على الوالدين إفهام أولادهما -بنات وبنين- كل ما يتعلّق بمسألة الجنس والأمور الجنسية شيئاً فشيئاً، كلّ حسب جنسه وما يواجهه مستقبلاً من حالات ترتبط بالأمور الجنسية، وذلك كي يكونوا مستعدّين لها، مثل ظاهرة الطمث (الحيض) عند البنات، وما يصحبها من ظواهر البلوغ التي تبدو على أجسادهنّ، وكذلك تعليمهنّ كيفية الاغتسال الواجب عن هذه الظاهرة الأنثوية، أمّا بالنسبة للأولاد (البنين) فمسألة الاحتلام والجنابة وكيفية الاغتسال منها، على أن يتمّ ذلك بأسلوب مهذّب وسليم، وبحدود الاحتشام والفضيلة.
وبهذا تتكوّن لدى أولادنا المعلومات الجنسية الكافية للاستعداد لمواجهتها حين ظهورها لتهذيب سلوكهم الجنسي، ويتحدّد بحدود الطهارة من الدنس، والالتزام والتقيّد بما يحفظهم من مختلف الأمراض الجنسية والخُلقية، وبما يجلب لهم العفّة والشرف والكرامة والنزاهة والسلامة.
ونقرأ ما ورد في القرآن الكريم عن أحكام الجنس وتلبية الغريزة الجنسية بالزواج الشرعي الحلال المباح الذي حلّله الله عزَّ وجلَّ وأباحه لكلا الجنسين قوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"
وقال الإمام علي -عليه السلام- ناصحاً الشباب: (يا معشر الشباب من استطاع منكم ألباه فليتزوّج، ومن لم يستطع فليدمن الصوم، فإنّ له رجاء)، فأمر الشباب بالنكاح مع الطول له، فإنْ لم يجدوا إليه طولاً فليستعففوا عن الفجور بالصيام، فإنّه يضعف الشهوة، ويمنع الدواعي إلى النكاح، وقال أيضاً عن فلسفة الغريزة الجنسية، وما بني عليها من علامات التحام جنسي بين الزوجين، تتحدّد على ضوئها نظرة كل منهما إلى الآخر: (اعلم أنّ الله جعل الزوجة سكناً ومستراحاً وأنساً وواقية، كذلك كل واحد منكم يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها، وإن كان حقّك عليها أغلظ، وطاعتك لها ألزم فيما أحبّت وكرهت، ما لم تكن معصية، فإنّ لها حقّ الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها، قضاء للذّة التي لا بدّ من قضائها، وفي ذلك عظيم ولا قوّة إلاّ بالله).
وغير هذه الجوانب التي ذكرناها ثمة جوانب أخرى يهتم بها الاسلام مثل التربية البدنية والتربية الاجتماعية والسلوكية وحتى التربية الوطنية.. هذه النظرة الشمولية لتدلّ على ان الدين الاسلامي حريص على ان نكون تحت نور المعرفة وعلى الصراط المستقيم بما يغنينا عن مصادر المعرفة الواردة عبر شاشة التلفاز او المطبوعات التي تصلنا من بلاد الغرب، التي قد لاتكون كلها مفيدة ونافعة لنا ولشبابنا.