نعمة الإمامة.. والخروج من النفق
|
*طاهر القزويني
كل نعمة تزول، إذا لم يؤدّ حقها بشكر المنعم، والإمامة هي نعمة ربانية، تظهر آثارها الإيجابية بالشكر والامتثال والطاعة لمن نصبه الله إماماً للناس، وتظهر آثار فقدها السلبية على حال الأمة لما تعصي الله في أمرها، وقد أوضحت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء -سلام الله عليها- في خطبة لها الفائدة المرجوة من الأمامة إذ عدّتها بمنزلة نظام الأمة، ومعنى ذلك أنها الركن الأساس لإنتظام الأمة في نهج واحد ومسلك واحد في إطار عقيدة الإسلام الواحدة.
لقد اختصرت سيدة نساء العالمين ـ سلام الله عليها ـ وبعبارة موجزة السر الكامن في الإمامة، بل هي في الحقيقة أوجزت بهذه العبارة وقدمت تفسيراً رائعاً وشيقاً لكل التاريخ الإسلامي، كيف ذلك؟ إن الذي يقرأ التاريخ الإسلامي سيجد أن أول إنقسام حدث بين المسلمين بعد وفاة الرسول الأعظم - صلى الله عليه وآله وسلم- هو خلافهم بشأن الإمامة، في سقيفة بني ساعدة حيث أرادت كل مجموعة وكل فئة أن تكون الزعامة لها، بينما كان رسول الله قد عيّن خليفته وقد ألزمهم بالبيعة في واقعة غدير خم المعروفة.
هذا الإنقسام الكبير أوجد شرخاً عظيماً في الأمة حيث كان السبب الرئيس وراء إنقسام الأمة إلى هذه المذاهب التي نراها اليوم والتي لم ينزل الله بها من سلطان، ذلك أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً لتبليغ دين واحد ومذهب واحد، وأن الذين يحاولون تبرير خلاف المسلمين وإنقسامهم إلى مذاهب شتى، فان عملهم غير منطقي وغير مقبول دينياً، ولا أساس له من الصحة، وأن الحديث الذي يأتون به لتبرير ذلك حيث ينقلون عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: (اختلاف أمتي رحمة) فان الدسّ فيه واضح ومكشوف، ذلك أن العرب لاتستخدم كلمة الإختلاف بمعنى الخلاف، فالإختلاف يعني شيئاً والخلاف شيئاًَ آخر فلا يدل ذلك على هذا، ومن ناحية منطقية وعقلية فأن الخلاف في الثقافتين القرآنية والنبوية أمر مستبعد بالمرة.
وهكذا كان، وهذا ما حصل بالفعل في التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول الاكرم - صلى الله عليه وآله- وحتى يومنا هذا، فالخلاف الذي حدث في سقيفة بني ساعدة على الأمامة مهدّ الطريق لنشوء نوع من الدولة الإسلامية التي تقوم على الشورى وكسب صلاحية الحكم من الأمة عن طريق البيعة، هذا النوع من الحكم سمي بالشورى، وإذا كان هذا النظام يستند من الناحية النظرية على آراء الأمة والشرعية التي تعطيها للحكومة غير أنه لم يتم تطبيق هذه النظرية بالشكل الصحيح حتى في فترة الخلافة الأولى، إذ لم يتم إنتخاب أي واحد من الخلفاء الثلاثة بعد النبي الاكرم بإجماع الأمة، وإن الذي حدث هو إتفاق عدد من الصحابة على شخص بعينه يرشحونه للخلافة ويفرضون على الأمة فيها بعد تقديم البيعة له، فالخليفة الأول رُشح للخلافة بتأييد من عمربن الخطاب وعدد من الصحابة، والخليفة الثاني أصبح أميراً نتيجة لوصية الخليفة الأول، والخليفة الثالث أنتخب لهذا المنصب من قبل لجنة شكلها الخليفة الثاني بخصوص هذا الأمر.
هذا النظام الذي هو حصيلة التفكير البشري لم يصمد طويلاً أمام خطوط الإنحراف التي امتدت في الأمة وقوي عودها، فجاءت الدولة الأموية لتطيح بأسس هذا النظام وتقوض دعائمه وتحيل أمر الخلافة من شورى إلى وراثية ملكية، غير أن السؤال المثير للإهتمام، هو: كيف تقبلت الأمة المسلك الجديد للخلافة؟ ولماذا سكتت الأمة على الإنحراف الكبير الذي احدثه بنو أمية في نظام الحكم والسلطة؟
الإنحراف على مستوى الحكم والسلطة لم يبدأ مع حكومة بني أمية، حتى نتساءل عن سبب سكوت الأمة، وانما بدأ مع رحيل النبي الاكرم - صلى الله عليه وآله- إلى الرفيق الأعلى حيث دبّ من هناك الخلاف حول الإمامة والتنازع بشأن السلطة وتغيير المفاهيم الأساسية في مجال الحكم وإدارة الدولة.. ولنا أن نتساءل هل أن نظام الشورى هو نظام إلهي أم وضعي؟
من الواضح أن الذين يعارضون مبدأ النصّ في الحكم للإمام علي بن أبيطالب -عليه السلام- يؤكدون أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ترك أمر الخلافة للأمة وما تختار، مما يعني ان نظام الشورى هو نظام وضعي من صنع البشر لأنه يقوم على خيار الأمة وما تختار لنفسها من أمير، فإذا كان الخيار للأمة فلها أن تختار ما تشاء من الأنظمة والحكام، ومن هذا يكون صحيحاً إختيارها لحاكم فاسق فاجر وظالم مثل يزيد، لأن الخيار للأمة وليس لله!!، ليس هذا فقط بل وحتى النظام الملكي الوارثي هو أيضاً سيكون نظاماً مقبولاً لأنه يستمد شرعيته من فرضية (الخيار للأمة).. في المقابل نجد القرآن الكريم يصرّح في الآية المباركة "وأمرهم شورى بينهم"، أي ان تسود المسلمين دائماً روح الشورى والتشاور وتقليب أوجه الرأي وعدم الاستبداد والديكتاتورية، لذا فإن حقائق التاريخ تؤكد ان النظام الأموي هو المولود غير الشرعي لسقيفة بني ساعدة التي جاءت في اجواء الديكتاتورية وليس الشورى التي دعا اليها الاسلام ونبينا الاكرم، فإذا كانت السقيفة على حق فأن الأمويين أيضاً محقون، لأن السقيفة هي التي أسست لخيار حكم الأمة لنفسها، وإذا كان الأمويون على باطل فأن السقيفة تكون كذلك، فالأمويون إستمدوا وجودهم وشرعيتهم من السقيفة.
هذا هو التحليل المنطقي للأمور، غير أن القضية لاتنتهي عند هذا الحد، ذلك أن الأمر المختلف عليه هو من الأمور الرئيسة والتي تقع في صلب الإسلام، لذا فأن تحريفه عن وجهته سيؤدي إلى عواقب وخيمة والأمر الذي نقصد به هنا هو (الإمامة)، فالإمامة كما ذكرنا هي نعمة إلهية يكون شأنها وحدة الأمة وإنسجام أفرادها، كما أن فقد هذه النعمة من شأنه أيضاً أن يؤدي إلى تفكك الأمة وتمزقها إلى أشلاء كما هو حادث الآن.
غير أن هناك عقاباً إلهياً آخر للأمة التي تتملص عن الإرادة الإلهية وترفض الولاء للإمامة، وهذا العقاب هو حجب الإمام الشرعي والمسنود بالإرادة الربانية عن أنظار الناس وتغييبه عن واقع الأمة، ولن يحس أو يشعر بحجم هذا العقاب ومدى تأثيره سوى المؤمنين الذين يبحثون عن بصيص النور للخروج من الأزمة التي تعيشها الأمة، ومن الإنحرافات والبدع والضلالة التي سقط فيها كثيرون من دون أن يجدوا من يهديهم إلى سواء السبيل.
الإمام هو الهادي إلى نور الصواب، وهو الذي يهدي إلى الرشاد، وهو الذي يخرج الناس من الضلالة، وهو الذي يكشف البدع، وهو الذي يفضح المبطلين، وتغييبه عن الناس يعني تغييب دوره في الأمة عقاباً لها لعصيانها وابتعادها عن طريق الله، والإمامة، فكان جزاء فعلتها هو السباحة في بحر الظلمات، حيث لانور للهداية ولامرشد لطريق الله، وترى الناس وعليهم علامات الإيمان والتقوى غير أن حقيقتهم خاوية من الإيمان والإنسانية، بل ان هذه الحقيقة تختفي على الاغلب خلف ظواهر دينية زائفة.
هؤلاء الذين يحملون السلاح ويقتلون الأبرياء هم ليسوا فقط ضالين عن طريق الإسلام، بل هم عديمو الإنسانية.. ولكي نعرف أهمية وجود الإمام المعصوم الذي يقود الأمة نحو الهدى والرشاد، نتساءل ونقول، لو كان لهؤلاء المجرمين إمامٌ للدين يأمرهم وينهاهم، هل كان أباح لهم قتل النساء والأطفال؟ هل أجاز لهم تدمير الكنائس والمساجد والحسينيات؟ هل سمح لهم بسفك الدم الحرام؟ هل أجاز لهم السلب والنهب والخطف؟
وبغياب الإمام المعصوم سيظهر كثيرون من أصحاب البدع الذين يرتدون لباس الدين بالمقلوب، ويحرمون ما أحل الله ويحللون ما حرم الله، وهو ما يحدث اليوم من أعمال الظلم والجور والتي تنسب إلى الإسلام، والاسلام منها براء.
|
|