لنغتنم كل الفرص لإعادة حساباتنا
|
*يونس الموسوي
من أبرز معاني المسؤولية وأخطرها مسؤولية الإنسان أمام ربّ العالمين ـ سبحانه وتعالى ـ، وذلك حينما يواجهه مباشرةً ويحاسبه على أفعاله وأقواله، بل وحتى على نيّاته وبنات أفكاره..
في هذه المواجهة العتيدة ستكثر وتتعدد الشهادة عليه، حيث لكي لا تسيطر ستشهد عليه جوارحه، وستشهد عليه الأرض والسماء والملائكة والأنبياء وكل الذين تتابعوا في إنذاره، كل هؤلاء سيشهدون عليه، ولكن بين هذه الشهادات هناك شاهد سيشهد عليه، فيهزّه من الأعماق، وهذا الشاهد ليس سوى نفس الإنسان، وهذه الحقيقة أكدها لنا القرآن الكريم في سورة الاسراء: "اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً".
وحينما تصدر الشهادة ضد المرء من وجدانه وضميره، ثم تتكاثر ضدّه الشهادات، ولا سيّما شهادة ربّ العزّة – وكفى به شاهداً وشهيداً – آنذاك ستبدأ مرحلة جديدة، يجبر ابن آدم على خوضها، وهي مرحلة الميزان، إذ توزن أعماله من حسنات وسيئات، بميزان دقيق لا تفوته الذرةُ من المثقال من أعمال الخير وأعمال الشرّ.
ثم يساق الإنسان بعد المحاسبة الدقيقة إلى الصراط الممتد من موطئ قدمه على أرض ميدان الحساب إلى الجنّة مارّاً فوق لهيب نار جهنم.. وهو الصراط الذي قال عنه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، بما أخبره الروح الأمين: (أدق من الشعر، وأحد من السيف).
فإما أن ينتقل ابن آدم عبره إلى الجنّة المفتّحة أبوابها للمتقين، وإما أن يتهاوى منه إلى النار، ليكون في عداد الفاسقين، فيحترق فيها ثم يكون وقوداً لاستمرار اشتعالها، كما قضى الله ـ عزّ وجلّ ـ بذلك.
أوَ ليست هذه المسؤولية كافيةً لأن نفرض رقابةً صارمة على أعمالنا وأقوالنا وأفكارنا لئلاّ تكون عرضةً للأهواء والشهوات والضغوط المادية.
أن المنهج الرباني الذي فرض على الناس يلفت انتباههم إلى ضرورة مراجعة حساباتهم وطبيعة دورهم في الحياة الدنيا، لا سيّما وأنه قد أوضح لهم بأن الدنيا عبارة عن مرحلة زائلة، وأن ما فيها من نعم قد أُحيطت بالكدر والخوف والوجل والنقصان، وبالتالي فهي لا تستحق هذا التكالب المستميت وهذا الاقتتال العنيف عليها، وهي إذا كانت لم تبقَ لإنسانٍ بعينه، فكيف ستدوم لغيره، وبأي دليل؟!
لقد بينت نصوص القرآن وسنّة الرسول الأكرم والأئمة من أهل بيته الطاهرين ـ عليهم الصّلاة والسّلام ـ، وهي التي تمثل بمجموعها بنود النهج الإسلامي العظيم، بينت أن الدنيا لا تستحق أن يبيع الإنسان آخرته من أجلها، وأن الجنّة الخالدة ورضوان الله الأكبر هما الثمن الأغلى الذي لا ينبغي أن يدفع لسائر الأمور الأخرى. فهل من المعقول أن يتجرأ الإنسان على بيع الجنّة التي عرضها السماوات والأرض للحصول على بيت ـ مثلاً ـ محدود المساحة في هذه الدنيا، وقد شيد من المال المسروق أو المغصوب؟ أم هل يمكنه أن يبيع رضوان الله الذي يعجز الواصفون عن مجرد تخيّله، بشهوة عاجلة؟!
لقد خانت الدنيا ملوكاً وسلاطين وأثرياء ومغرورين، بعد ان وفوا لها مطلق الوفاء، وها هي الحضارات والدول القوية يعلوها تراب الأرض، تنتظر قيام الساعة لتبرز إلى ربّها، فكيف ستفي هذه الدنيا لمن قد يكتفي منها باللذّة البسيطة العاجلة.
إن من طبيعة خلقة هذا الوجود أن ابن آدم إذا مات أصبحت الدنيا لديه كأن لم تكن، إذ ستطوى طيّاً أمامه، وليست حاله آنذاك إلاّ كحال من استيقظ بعد نوم ثقيل. فهل يصلح أن يبيع الإنسان آخرته بدنياه؟!
سيقف الإنسان يوم القيامة أمام ربّ العزّة والجبروت، فيُسأل عن الذين أُرسلوا إليه، كما يسأل عن أنفاسه وماله وشبابه، وعن مختلف المسؤوليات التي أُلقيت على عاتقه..
ولكن لمّا كان الله أرحم الراحمين، قد جعل للإنسان مناسبات ومنحه الفرص الثمينة لأن يحاسب نفسه فيضبطها ويكبح جماح شهواتها قبل أن يستدعيه في يوم القيامة، ولعل من أبرز تلكم المناسبات والفرص ليلة الجمعة من كل أسبوع، حيث يبعث الله تبارك اسمه ملكاً من السماء الدنيا فينادي عبادَ الله عن لسان ربّ العالمين ويدعوهم إلى التوبة والاستغفار والعودة إلى خالقهم. فقد روي عن الإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق -عليهما السّلام-، أنهما قالا: (إذا كانت ليلة الجمعة، أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ ملكاً فنادى من أوّل الليل إلى آخره، وينادي في كل ليلة غير ليلة الجمعة من ثلث الليل الآخر: هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له. يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشرّ أقصر).
والإنسان في مقابل كل هذه الرحمة الإلهيّة وهذا الإقبال العظيم من جانب الله ـ سبحانه وتعالى ـ مسؤول عن ألاّ يغفل أو يتساهل أو يسوّف ويتربّص، فيمنّي نفسه بالتوبة في الغد أو بعد غد.. كما أنه مسؤول في الوقت نفسه عن الاعتقاد وتفعيل هذا الاعتقاد بأن الأيام تطوى والعمر يتناقص والأجل يسارع إليه، وأنه إذا جاء أجله فلن يستأخر لحظةً أو يستقدم..
كما أن من مستحبات ليلة الجمعة ونهارها تلاوة سورتي الجمعة والمنافقون الكريمتين، وذلك لتتكرس عقيدة الإنسان ولتتمركز نظرته الإيمانية إلى حقيقة الحياة وطبيعة المسؤولية. فنقرأ في سورة المنافقون قوله تبارك وتعالى: "وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَن يَأتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِنَ الصَّالِحِينَ"، ثم قوله سبحانه: "وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".. فضلاً عن توضيح هذه الآية حقيقة مفاجأة الموت للإنسان، فإنها تؤكد له بأن أوّل أنواع العقاب الذي قد يتعرّض له لدى البدء بعملية الحساب الدقيقة، هو إبقاء الحسرة في قلبه، حيث يصدع بأمر الله القائل بأنْ لا مجال للإمهال أو تأخير لحظة الموت.
فالقرآن المجيد هو كتاب مسؤولية وكتاب وعي وكتاب عقل وحكمة يضيء الدرب أمام الإنسان ليفتح عقله حيال الحقائق الكبرى لكي لا تسيطر عليه الغفلة والضلال والعمى..
إذن؛ فتعالوا نتدبّر في آيات كتاب ربّنا، لنستشفي بها من الغفلة والكبوة.. فالقرآن يؤكد لنا عبر آياته أننا إذا لم نتحمل مسؤولياتنا ونرتكب أعمال الشر، كالكذب والغيبة وأكل مال اليتيم وظلم الآخرين.. سنكون من غير المنضبطين بضوابط الدين أو المتقيدين بحدود الشريعة والفطرة الإنسانية النـزيهة. فهل نعلم عاقبة كل ذلك؟
إن العاقبة ستكون من جنس العمل، إذ الأغلال ستكون في أعناق الغافلين عن الحقيقة، المنهزمين أمام المسؤولية، حيث ستلحق بهم الذلّة وسيتبرأ منهم أقرب المقرّبين إليهم، ثم يقال لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله.. ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فبئس مثوى المتكبّرين.
|
|