قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
(15) رمضان المبارك يزهو بمولد سبط النبوة
الحسن (ع).. إمتداد الرسالة ومثال القيادة الحكيمة
في ليلة النصف من شهر رمضان المبارك استقبل بيت الرسالة الوليد الحبيب من علي وفاطمة ـ سلام الله عليهما ـ وقد كانا يسنتظرانه طويلاً كما استقبلت الزهرة النضرة قطرة شفافة من الندى بعد العطش الطويل.
الوليد يشبه كثيراً جدّه المصطفى، ولكن جدّه لم يكن حاضراً لحظة مولده حتى تحمل إليه البشرى.. انه في رحلة يعود منها قريباً.. الاسرة تنتظره باشتياق، حتى اذا جاء سارع الى بيت فاطمة ـ عليها السلام ـ على عادته كل مرة عندما كان يدخل المدينة بعد رحلة، وعندما يبلغه نبأ الوليد يغمره الفرح، ويستدعيه حتى اذا تناوله اخذ يشمّه ويقبله يقيم له ويأذن ويأمر بخرقة بيضاء يلّف بها الوليد بعد ان يبعد عنه الثوب الاصفر...
يتطلع المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ الى السماء، فهل للوليد من بيت الرسالة شيء جديد، فينزل الوحي قائلاً: ان اسم ابن هارون ـ خليفة موسى عليه السلام ـ كان شبراً وعليّ منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّ حسناً، ذلك ان شبراً يرادف الحسن في العربية.
لقد استبشر المسلمون بمولد الحسن، وراحوا يزفون البشائر الى الرسول الاكرم، ذلك ان الحسن ـ عليه السلام ـ كان الولد البكر لبيت الرسالة، يتعلق به أمل الرسول والرسالة، فهو مجدد امر النبي في الامة وسوف يكون القدوة والاسوة للصالحين من بعده، ثم يأمر الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ بكبش ليعقّ عنه ويوزع اللحم على الفقراء والمساكين لتكون سنّة جارية من بعده، ويتذوق المسلمون لأول مرة من عطاء كريم أهل البيت ـ عليه السلام ـ
ويشبّ الحسن في كنف جدّه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتحت ظل الوصي المرتضى ـ عليه السلام ـ وفي رعاية الزهراء ـ عليها السلام ـ ليأخذ من نبع الرسالة كل معانيها ومن ظلال الولاية كل قيمها ومن رعاية العصمة كل فضائلها ومكارمها.
وليس هناك من شك بأن للوراثة أثرها الكبير في صياغة الفرد صياغة مكيفة بالبيئة التي انبعث منها وخلق فيها، وبين أبناء أبي طالب، كان خير البيوت لإنشاء الإنسان الكامل.. ذلك لأنه ولد من عبد المطلب مرتين، مرة من علي بن أبي طالب وأخرى من فاطمة بنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ صلى الله عليه وآله ـ. كما كان علي ـ عليه السلام ـ مولوداً عن هاشم مرتين ولا نريد أن نشرح مآثر بيت هاشم، وبالخصوص أسرة عبد المطلب فيهم فإنها ملأت السهل والجبل، بل أقول: ناهيك عن بيت بزغ منه الرسول الأكرم، محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ، والوصي العظيم علي عليه السلام، وحسب علم حساب الوراثة: إن التأثير قد يكون من جهة الأب فيستصحب كل سماته وصفاته. وقد يكون من جانب الأم، وقد تحقق في الحسن عليه السلام هذا الأخير، فقد برزت فيه سمات أمه الطاهرة لتعكس صفات والدها العظيم محمد النبي (ص) فكان أشبه ما يكون بالنبي منه بالإمام، وطالما كان يطلق النبي قوله الكريم: ((الحسن مني والحسين من علي)).
ويمكن أن نجد تفسيراً لهذه الكلمة في الأحداث التي جرت بعد الرسول، وطبيعة الظروف التي قضت عند الحسن (ع) أن يتخد منهج الرسول، أسوة له، دقيقة التطبيق، شاملة التوفيق، فيعطي الناس من عفوه وصفحه، ويعطي أعداءه من صلحه ورفقه، مثلما كان يعطيه الرسول تماماً.. كما إقتضت عند الحسين ـ عليه السلام ـ أن يبالغ في شدته في الدين وغيرته عليه ويبدي من منعه ورفعته في أموره، ما جعل تشابهاً كبيراً بينه وبين عهد علي ـ عليه السلام ـ.
لقد أولاه النبي والوصي والزهراء ـ عليهم السلام ـ من التربية الإسلامية الصالحة ما أهلته للقيادة الكبرى.
إن بيت الرسالة كان يربي الحسن وهو يعلم ما سوف يكون له من المنزلة في المجتمع الإسلامي، كما يوضح للمؤمنين منزلته وكرامته.
فكان ـ مثلاً ـ يرفعه على صدره.. ثم يقيمه، لكي يكون منتصباً ويأخذ بيديه يجره إلى طرف وجهه الكريم جراً خفيفاً.. يلاطفه ويداعبه.. ثم يروح يدعو اللهم إني أحبه فأحب من يحبه ويقصد أن يسمع الناس من أتباعه لكي تمضي سيرته فيه أسوة للمؤمنين، بكرامة الحسن ـ عليه السلام ـ واحترامه.
ودخل رسول الله دار فاطمة ـ عليها السلام ـ وسلم ثلاثاً على عادته في كل دار فلم يجبه أحد فانصرف إلى فناء، فقعد في جماعة من أصحابه ثم جاء الحسن ووثب في حبوة جدّه فالتزمه جدّه، ثم قبّله في فيه ثم راح يقول: الحسن مني والحسين من علي.
وكثيراً ما كان الناس يتعجبون من صنع الرسول هذا، كيف يعلنها لابنيه إعلاناً، فذات مرة شاهده أحد أصحابه وهو يقبّل الحسن ويشمه فقال: وقد كره هذا العمل إن لي إبناً ما قبّلته قط، فقال رسول الله ما مضمونه: أرأيت إن كان الله نزع الرحمة من قلبك ما أصنع بك؟ ثم لما رأى مناسبة سانحة أردف قائلاً: ((الحسن والحسين إبناي من أحبهما أحبني ومن أحبني أحبه الله ومن أحبه الله أدخل الجنة ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله ومن أبغضه الله أدخل النار)).
وكان للحسن عليه السلام من العمر زهاء ثمانية أعوام حينما لحق الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ بالرفيق الأعلى، في السنة الحادية عشرة من الهجرة، فأثر في قلبه ألم الفاجعة.. وأضرم فيه نيران الكآبة والحزن.
ولإنصراف دفة الحكم عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ، الذي كان له الحق الشرعي فيها، أحس بمزيد من الحزن والغيظ لا لأن والده حرم من حق هو له، أو منصب هو أهله، أو زوي عنه من الدنيا ما كانت لهم، كلا، بل لأنه كان يرى: أن انحراف المسلمين عن الجادة، يعني انحدارهم إلى هوة الضلال بعد انتشالهم عنها، ورجوعهم إلى مفاسد الجاهلية، بعد تخلصهم منها، لذلك حزن واشتد حزنه.
ونلتقي بالحسن ـ عليه السلام ـ بعد هذا الحادث بثلاث وعشرين سنة حينما اندلعت الثورة الجامحة من المسلمين تطالب الخليفة الثالث بخلع نفسه عن الخلافة، الثورة كانت تضطرم شيئاً فشيئاً، وينضم إليها المسلمون أفواجاً وأفواجاً.. وقد إشتد بهم الحنق على سياسة الخليفة وسلوك تابعيه، وكانت تنقاد بأمر العظماء من أصحاب الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ وزعماء المسلمين أمثال عمار بن ياسر، مالك بن حارث (الأشتر)، محمد ابن أبي بكر، غير أنه انضوى تحت ألويتهم عدة غير قليلة من سواد الشعب من العراق، ومصر وطائفة من الأعراب، ولم يكن هؤلاء ـ طبعاً ـ ذوي سداد في الرأي، وحنكة في التجربة بل أولى نخوة ومصالح وأشتد أمر الثورة.. حتى حاصروا دار عثمان يطالبونه، إما أن يخلع نفسه أو يلبي دعوته، وأبى عثمان إلا الاعتماد على جيش معاوية. الذي استنجده، ذلك الجيش الذي أمره معاوية بالوقوف خارج المدينة حتى يأذن لهم.
وذات يوم أراد الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أن يخبر عثمان بعزمه على الدفاع عنه، والمشورة له والنصح للعالم الإسلامي، إن أراد ذلك.
ولكن من يبلغ هذه الرسالة إلى عثمان، وحول بيته عشرات الألوف يهزون الرماح ويسلّون السيوف؟! فقام الحسن ـ عليه السلام ـ قائلاً: أنا لذلك. فأخذ يخترق الجميع في عزيمة الشجاع العظيم حتى أتى دار عثمان فدخلها بكلّ طمأنينة وبلغ رسالة والده، وجلس ينصحه ويشير عليه بالخير غير مبال بما يثيره الثوار خارج البيت من صلصلة سيوف، ودمدمة سروج، ودغدغة رماح، إنهم في حالة صرعية، لا يأمن أن يخترقوا الدار، فيقتلوا من فيها وفيها الحسن، غير أنه جلس رابط الجأش ثابت العزيمة، شجاع الفؤاد، لأنه علم أنه إن أصيب بشيء ففي سبيل النصح في سبيل الله ودفع غائلة الفتنة عن المسلمين.
وتمت المؤامرة الكائدة باغتيال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في 19 شهر رمضان.. سنة 40 للهجرة والعالم الإسلامي في أشد ما يكون من الاضطراب والتوتر، ها هنا الخوارج ظل بقايا منهم هنا: وهناك، يدعون الناس إلى حكم الله الذي لا يتعلق بأي من القيادتين الشامية والكوفية ـ في زعمهم ـ بل يعيش بغير قيادة!! وانضوى تحت لوائهم كثيرون من القشريين والمفسدين، ممن لم يكن يعجبه الحق المتمثل في معسكر الإمام علي ولا نوع الباطل في معسكر الشام، وكان هؤلاء يستسهلون في سبيل إبادة الحكم، كل صعب، ويبّررون كل فساد.
ولنلق نظرة إلى بيت الإمام علي ـ عليه السلام ـ، لنرى كيف يخبت فيه نور الإمام وسناؤه، ليدفن مع جثمانه الطاهر في ظهر الغري في خفاء وعلى أشد الحذر من الخوارج، أن يعرفوا مرقده فيفكروا في الانتقام لصاحبهم (ابن ملجم) الذي أحرق جثمانه، أيضاً خوفهم من غيرهم كجواسيس بني أمية، الذين لا يفترون عن نقل الأخبار إلى الحزب الأموي.. ثم يرجع المشيعون من أبناء علي ـ عليه السلام ـ وأقربائه.. ولا يزالون يقيمون العزاء إذ يدخل عليهم عبيد الله بن عباس، الذي كان والياً على البصرة من قبل علي ـ عليه السلام ـ.. فيخرج إلى المسجد والمسلمون ينتظرون مقدمه على أحرّ انتظار.. ذلك لأنه قبل أن يدخل على الإمام، وقف في الرأس خطيباً، وقال: إن أمير المؤمنين توفي وقد ترك لكم خلفاً فإن أجبتم خرج إليكم وإن كرهتم فلا لأحد على أحد.
فضج الناس بالبكاء والعويل.. كأن قول ابن عباس فجر ينابيع الكآبة والحزن في القلوب ثم نادوا بأعلى أصواتهم: بل يخرج إلينا، فخرج إليهم الإمام الحسن ـ عليه السلام ـ وحمد الله وأثنى عليه ثم أبّن فقيد العالم الإسلامي، ومما جاء في كلامه ـ عليه السلام ـ: (لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، ولم يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فيوقيه بنفسه.. ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى ابن مريم، وقبض فيها يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم، فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله...)
فاختنقته العبرة، فبعث بأنفاسه، زفرات تهز الصخر لوعة وأسى، وارتفع عن الناس حسرات تبعتها آهات وآهات، ثم شرع الإمام الحسن ـ عليه السلام ـ يعرف نفسه، وآخر ما جاء في كلامه الآية المباركة: "قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ"، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت).
وهكذا انهالت الجماهير إلى بيعة الإمام الحسن ـ عليه السلام ـ عن رضا وطيب نفس، لأنهم رأوا فيه المثال الفاضل لمؤهلات الخليفة الحق، أو ليس يجب أن يكون إمام المسلمين مختاراً من قبل الله تعالى منصوصاً عن لسان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قمة في المكرمات والفضائل، أكفأ الناس وأروعهم وأعلمهم؟.