قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الفنان ابراهيم النقاش في ضيافة الهدى
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة حاوره: محمد طاهر محمد
يعب فنه معطيات الطبيعة وصورها، فهي معكوسة في عدسة ذاته الانسانية، يخصبها باجوائه واتجاهاته، وهو حريص في انتقاء ما يلامئه منها للتعبير الجميل، فحينما تنبري فكرة انشاء عمل ابداعي في فكره فانه ينتزع من واقعه الاجتماعي طينة ليمزجها بخميرة عبقريته فيجسد بها موهبته الكبيرة في هذا الفن، فمادته الجمالية تتجسم داخل اطاره الاجتماعي الذي اكتنفه وتآلف معه وتماهى فيه فانطق به الخشب بلغة الابداع وتسامى به الى التجسيد الرائع عن حركة الذات الانسانية في مواقفها من الطبيعة والمجتمع بوسائل يدوية تقليدية..
الفنان إبراهيم النقاش المولود في مدينة الكاظمية المقدسة عام 1952 والذي نقش اسمه بجدارة في سجل الفن العراقي الاصيل واستلهم بابداعه من التراث العريق لهذا البلد والذي شارك في العديد من المعارض داخل العراق خارجه كان آخرها مشاركته في معرض ربيع الشهادة العالمي الرابع في كربلاء المقدسة، وكان في ضيافة الهدى..
س1/ نجد في لوحاتك مخزوناً تراثياً متجذراً في أعماقك استقيته من التراث الفلكلوري والشعبي لمدينة الكاظمية المقدسة حتى ان المطالع للوحاتك يستشف مدى انصهارك في تجسيد القبتين الطاهرتين والمرقد المقدس للامامين الكاظمين (ع) وكذلك تفاعلك مع البيئة في أعمالك التي جسدت ملامح الوجوه برؤية مباشرة كانها الحياة تختلج امامنا فكيف يمكن ان تفسر لنا سر هذا التفاعل؟
ج1/ هناك منابع تلهمني هذا الحب، لقد ولدت في الكاظمية؛ هذه المدينة التي تفوح منها الرائحة الزكية للامامين الطاهرين (ع)، ولي فيها ذكريات كثيرة طبعت في ذاكرتي فحفرتها على الخشب ولا زال المنزل الذي ولدت فيه وترعرعت في اجوائه شاخصاً في ذاكرتي فقد كان مزيناً بكثير من الطرازات التراثية الاصيلة كالشناشيل والاقواس والمقرنصات التي لا تزال شخواصها ماثلة وقد جسدتها في لوحة من لوحاتي وكذلك الازقة القديمة لمدينة الكاظمية واهلها الاصلاء الذي عرفوا بالطيبة والعفوية، فتركت اثراً كبيراً في نفسي وحملتني ذكريات طفولتي فجسدتها في كثير من لوحاتي، لكن يبقى المنبع الاهم لالهامي هو ذلك الطراز المعماري الرائع الذي شيدت به العتبة الكاظمية المقدسة، وهندسة بنائها المذهلة وبقيت تلك القبتان المقدستان تنميان في داخلي احساساً بان اجسد تراث المدينة وابرز قدسيتها فحصل لي الشرف في تجسيد القبتين في لوحة اعتز بها كل الاعتزاز.
س2/ المطالع للوحاتك يتمثل له القول الشهير (الفن انتقاء) كون الفن هو تصوير الطبيعة والسمو بها الى مثلها الاعلى، وهذا ما يلمسه المشاهد لأعمالك، بل ان الغاية تكتنف الفنان من خلال انتقائه الموضوع الجميل والتعبير عنه بالجمل وبذلك يلخص الفن رسالة على ارفع شكل من اشكاله، فهل انحصرت رسالتك على فئة معينة تعيش بينها ممثلاً ومجسداً واقعها الاجتماعي ام هي رسالة تعبر عن ماهية حياة لجملة ذوات اجتماعية من المجتمع العراقي بفئاته المتعددة وخلاياه المتنوعة؟
ج2/ الفن يستند في مصدره ومادته الى معطيات المجتمع، والفنان مرتبط حتماً باجواء مجتمعه، وهو بجوهره وحدوده وابعاده وامكانياته انسان اختزن تجارب ذاتية كونت شخصيته بين بيئته ومجتمعه وهو لا ينفك عنها وهو اكثر التصاقاً بها من غيره، اما بالنسبة لاعمالي فقد جسدت كلها حبي للعراق كله مدنه وريفه واهواره وجباله ونخيله؛ لقد عشقت العراق بجميع اطيافه وفئاته الاجتماعية وتجد ذلك مجسداً في اعمالي فقد وثقت اعمالي بيوت الموصل ونواعير حديثة وكنائس بغداد القديمة واديرة العبادة فضلاً عن المراقد المقدسة للائمة الاطهار (ع) وازقة الكاظمية وكلها تمتد على مساحة وطن احاط به قلبي وتبقى لمدينتي الكاظمية خصوصية بحكم نشأتي بها ولقدسيتها في نفسي ونفوس المسلمين، فقد بلغ شغفي بها الى الحد الذي أُطلق على معرضي في باريس اسم (الكاظمية في باريس) وذلك لتجسيدي التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية في الكاظمية في لوحاتي فكانت لوحاتي بمنزلة سفير ناطق بجميع اللغات يتحدث عن هذه المدينة المقدسة، واصبح مشغلي المتواضع مقصداً للسياح وهم يتأملون اصالة الزقاق الكاظمي والمعالم العراقي الاخرى، وقد حدثني احد العراقيين المغتربين ان لوحة من لوحاتي تفوق تاثير مئات الخطب والمقالات على النفوس في الشعور بالحنين للاهل والوطن.
س3/ بما ان الفن هو صناعة للجمال وهذه الصناعة ليست مشاعة بين الجميع بل هي مقصورة على عمل النخبة، فكان للغاية المادية تاثير كبير عليها ولعلها كانت من الدوافع التي حفزت الفنان على ممارسة فنه، فهل كان لهذه الغاية تاثير على فنك؟ وهل يمكن ان تمارس اعمالاً ذات نوعية جمالية تجارية واخرى تحمل صفات الفن المعنوي؟
ج3/ الفن امكانية خلق تتفجر بها شخصية ما ضمن ظروف تهيئ لهذه الامكانية دروب الفعل وتستلزمه، والفنان بحاجة الى تهيئة هذه الامكانية وهو بحاجة الى اسناد ودعم قويين من المعنيين فهو يمثل الواجهة الحضارية للبلد فكثير من اعمالي التي استغرقت مني جهداً كبيراً لم أحظ بتكريم مادي عليها، ولا حتى معنويً، بما يعيني على متطللبات العيش وهناك اعمال اخرى لم تخرج من عتبة البيت واعرف كثيرين ممن عزفوا عن تطوير قدراتهم الابداعية لانشغالهم بطلب المعيشة وهذا ما يرغمني في كثير من الاحيان على نحت اعمال تجارية لحاجتي الى المال وهذا ما يعوق عملي الابداعي، في حين لابد ان يكرم في حياته مادياً ومعنوياً ويجب ان تاخذ اعماله ما تستحقه من الاهتمام والعناية ويجب ان تنشرو تعرض، فهي اعلام للوطن وبيان لقدرة الفنان العراقي وابداعه.
س4/ الفن ـ اي فن ـ هو تعبير جميل واصيل عن جوهرية الفنان وما يحمل من بواكير طفولته فمتى اكتشفت احساسك وقدرتك على ممارسة هذا الفن؟ وما هي الاجواء التي ساعدت على ذلك؟ وعلى يد من تتلمذت؟
ج4/ لقد شغفت من صغري بهذا الفن عندما كنت اراقب بتمعن استاذي المرحوم السيد محمود فخري الذي كان فنان زمانه في هذا المجال فكنت احفظ حركات يديه وهما تنقران على الخشب فانتهز فرصة غيابه لاقوم بتقليده وذات مرة نقشت بعض الزخارف على الخشب فهاله ما راى وما كانت كلماته في تلك اللحظة تخطر على بالي حينما قال: (عملك هذا بداية العبقرية في هذا المجال وسيكون لك شان كبير) ومن يومها حملت لقب اصغر نقاش في العراق وكان ذلك عام 1964 وتعددت اعمالي وفي عام 1975 بدات اشارك في معارض محلية في النقش على انواع الخشب البلوط والصاج والجاوي والزاي.
س5/ بوصفتك ابن هذه المدينة المقدسة التي تزخر بالمبدعين وانت من المميزين بينهم، ما هو دورك في خدمة العتبة الكاظمية؟ وهل تم تشرفك ف اجراء بعض الاعمال فيها؟
ج5/ هذه هي الامنية التي حملتها سنين طويلة وقد تحققت والحمد لله فقد أُتيحت لي الفرصة بان اخدم هذه البقعة الطاهرة عندما جيء بالضريح الجديد وعندما تشكلت لجنة خاصة في العتبة، وقع الاختيار علي لصيانة الصندوقين القديمين اللذين تجاوز عمهما الخمسة قرون، ولا استطيع وصف سعادتي في تلك اللحظة فهذا الشرف لا ياتي لكل احد فاستعنت بصديقي الفنان البارع سمير محمد الخزرجي وقمنا بعملية الصيانة وضعنا الزخارف والحروف المتآكلة وعالجنا الشقوق التي حدثت جراء الاهمال والقدم كما قمنا باعادة كثير من القطع المتساقطة بجوار الصندوقين الى مكانها، وهناك اعمال كثيرة اخرى قمنا بها منها إزالة الطلاء غير الملائم والذي كان يخفي الآيات القرآنية التي برزت دون ان تتاثر بعملية ازالة الطلاء فضلاً عن اعمال اخرى تحتاج الى تفاصيل كثيرة وقد استغرق العمل في الضريح المقدس قرابة الشهر وقد نال هذا الانجاز استحسان واعجاب المعنيين وتناقله كثير من وسائل الاعلام اذ اعيد من خلاله الضريح في صورته الابهى كونه يضم نورين من انوار الامامة.
س6/ ما هي المعارض التي شاركت بها خلال مسيرتك مع هذا الفن وما هي الجوائز التي حصلت عليها؟
ج6/ شاركت في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه فقد شاركت في عشرة معارض شخصية في الاردن وباريس وامستردام وكاراكاس وقد حصلت خلالها على شهادات تقديرية من عدة قاعات ومؤسسات وقد اشاد كثير باعمالي التي حملت روح العراق وجسدت تراثه العريق
س7/ كم يستغرق عمل اللوحة من الوقت وكم ساعة يكون معدل العمل يومياً؟ وما هي الادوات التي تستعملها في النقش؟ وهل هناك ادوات اخرى غير يدوية؟
ج7/ بطبيعة الحال فان كل لوحة تستغرق وقتاً حسب حجمها وشكلها ومضمونها وهناك لوحات يستغرق نقشها شهرين او ثلاثة ويكون العمل بمعدل عشر ساعات يومياً ويصل في بعض الاحيان الى عشرين ساعة فأصل الى مرحلة الاعياء لكنني لا استطيع وصف السعادة التي تغمرني لحظة انجازي عملاً من اعمالي اما الادوات التي استعملها فهي المطرقة والشفرات (الازاميل) وكلها ادوات يدوية بحتة.
س8/ هل تدين بالفضل لاحد في تطوير اعمالك واكتمال موهبتك؟
ج8/ لقد طورت نفسي ذاتياً وبذلت جهداً كبيراً خلال سنوات طويلة حتى وصولي الى هذه المرحلة وقد التقيت بالعديد من الفنانين الكبار منهم الفنان الكبير فتاح اسماعيل الترك والفنان الكبير محمد غني حكمت الذي لا يزال يتصل بي ويشيد باعمالي كثيراً
س9/ هل اكتشفت طاقات شبابية تمارس نشاطاتها في هذا الفن؟ وهل لمحت قدرات شابة يمكن ان تبرز ابراهيم النقاش الثاني؟
ج9/ انا متفائل بهذا الخصوص فهناك اكثر من مائة شاب تعلموا على يدي ومنهم من يمتلك الحذق والمهارة ومنهم من لم يستطع المواصلة كما دربت اكثر من عشرين شابة وانشاء الله لا يقتصر هذا الفن على ابراهيم الثاني بل الثالث والرابع و...
س10/ بما ان التراث يعكس واقع ابنائه ونظراتهم الى الحياة والاشياء فهل يمكن ان تحول هذه النظرة الى عملية التجديد في التراث فالوجود الانساني يرتقي من جيل الى جيل غير انه يستمد مقومات وعيه من التراث فما هو رأيك في عملية مزج التراث بالعصرنة او الحداثة وهل تكون هذه العملية مثمرة؟
ج10/ انا مع التجديد فالحداثة والمعاصرة يجب ان تتوافر في الاعمال الفنية فانها تضيف اليها حساً ابداعياً مستجداً.. نعم انا مع التجديد الواعي الهادف الذي لا يؤثر سلباً على التراث الاصيل بل يضيف اليه نكهة العصر.
س11/ ما ذا يتمنى ابراهيم النقاش في هذا المجال وهل يشعر انه قد استوفى حق هذا الفن وان تجربته قد اكتملت ام ان هناك اعمالاً ومشاريع اخرى واحلاماً لم تتحقق؟
ج11/ ان فترة انقطاع الفنان عن فنه كالفترة بين انتقال النحلة من زهرة الى اخرى فهو في عداد تجربة جديدة يشم منها رائحة ابداع جديد اما بالنسبة لي فاني اقولها للحقيقة وبدون مبالغة مازلت في بداية الطريق وهناك كثير وكثير من الاعمال والمشاريع التي تراودني لكن عشرات المعوقات تحول دون تنفيذها، اما بالنسبة للاماني فامنيتي تخصيص بيت تراثي يكون بمثابة متحف ومدرسة يستقطب المواهب الجادة والقدرات الواعدة، وفسح المجال لها وتهيئة مستلزمات متطورة تحاكي التطور السائد في كثير من دول العالم التي حافظت على صروحها ومعالمها لازمنة طويلة ولاتزال توليها عناية خاصة في حين فقد كثير من معالمنا التراثية سمتها التاريخية دون ان يدرك كثيرون ان هذه المعالم هي جزء من تاريخ هذا البلد العريق، اما بالنسبة لي فقد تحققت اعظم امنية في حياتي وهي حب الناس (كما ترى) فبمجرد ان يطلع الزائر الى لوحة من لوحاتي يسعى لالتقاط الصور معي وتهنئتي على اعمالي وهذا اعده اكبر كسب لي.
هل من كلمة اخرى؟
اشكر جريدة الهدى الغراء وجميع كادرها على اتاحة الفرصة لي للحديث واتمنى لها الموفقية ودوام التقدم والازدهار.