الصيف اللاهب والفراغ القاتل يطارد الأَطفال.. من المسؤول؟
|
*شبكة النبأ المعلوماتية
مع إشتداد درجات الحرارة عند الظهيرة في صيف العراق الساخن يتوجه أحمد عبد الحسين،16 سنة، للسباحة في جدول قريب من مركز مدينة كربلاء متفرع من نهر الحسينية. وهناك فتية آخرون يقصدون الجدول من جهة منطقة باب بغداد للسباحة واللهو؛ ويصف أحمد السباحة في الجدول بأنها "اقصى حالات المتعة" فهو لا يجد ما يملأ به وقت فراغه في البيت اثناء النهار القائظ خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي.
ولم يكن الجدول الذي يقصده أحمد وأقرانه كل يوم تقريباً، طوال فصل الصيف في وسط وجنوب العراق، جارياً على الدوام. ففي بعض الأيام يتحول إلى ماء راكد، ويتغير لون الماء فيه بسبب إنخفاض مستوى المياه في نهر الفرات. وأحيانا بسبب قيام أصحاب البساتين بسقي بساتينهم واستهلاك كميات كبيرة من ماء الجدول الذي وإن قامت دائرة الري بتبطينه بالإسمنت للتقليل من هدر المياه فيه، إلا أن طبقة من الترسبات الطينية ونفايات المنازل القريبة تستقر في قعره.
يقول عدنان وليد -15 سنة- إن "الصغار الذين يسبحون في الجدول كثيرا ما يتعرضون الى جروح في أقدامهم بسبب بقايا الأواني الزجاجية المكسورة التي يلقيها سكان البيوت المجاورة للجدول".
ولا يمكن لهؤلاء الصغار، الذين أنسوا بصحبة الماء، بعد إشتداد قسوة الحياة من حولهم، أن يفكروا بمستقبل هذا الجدول، والعراق يعاني من نقص حاد في المياه، وربما لسان حالهم يقول: إنه المتنفس الأخير لهم في ظل غياب أبسط أسباب الترفيه، ولابد للأقدار أن تكون أكثر رحمة.
غير أن مفتاح الجدول اليوم لم يعد بيد الأقدار بل هو في عهدة أيادٍ أخرى أحكمت سيطرتها عليه من منبعه، وقد يكون الجفاف والعطش آخر ما يجب أن يجربه العراقيون فقراء وأغنياء.
يقول مهدي جبار، 13 سنة "لا يوجد مكان آخر أفضل من الماء نقضي فيه بعض الوقت". ولمهدي قصة أخرى من البؤس لا يقدر على إخفائها وإن غمر وجهه بالماء وتعالت ضحكاته المؤقتة، فهو يخرج منذ الصباح برفقة عربته الخشبية ليعمل في السوق عتالاً بحثاً عمن يشتري جهده مقابل بعض الدنانير يعيل بها أسرة من الصغار فقدت معيلها، فكان هو الصغير الكبير!
وحين ترتفع حرارة الطرقات وتشح الظلال ويختفي الزبائن يلجأ مهدي جبار إلى الجدول ليريح جسده الصغير المتعب، راكناً عربته على مقربة منه لتكون تحت نظره خشية أن يعبث بها العابثون، وما أكثرهم!
ولا تتوقف قصة الصغار في كربلاء وربما في كل المدن العراقية عند هذا الحد، بل إن الشعور بالفراغ واللاجدوى وفقدان الطموح والأمل كلها أصدقاء سوء تلازم الصغار أينما حلوا، لاسيما أولئك الذين فقدوا المعيل والمربي، أو أولئك الذين فقدوا الأمن المعيشي بسبب قلة الدخل وضآلته.
وفي ظل شحة المياه في كربلاء تخشى دائرة الصحة من أن تكون الجداول سببا للإصابة بأمراض خطيرة كالكوليرا والبلهارسيا. وقد سجلت دائرة الصحة في السنوات الماضية عدداً من الإصابات في هذين المرضين. ويحذر مدير شعبة الرعاية الصحية الأولية في دائرة صحة كربلاء الدكتور عاصم سلطان عيسى من مخاطر السباحة في الأنهار "التي باتت مكبا للنفايات والأشياء الزائدة عن الحاجة".
ولكن الوجه الآخر للمشكلة التي يعاني منها الأطفال في كربلاء هو افتقار المدينة لأمكنة يقضون فيها أوقات فراغهم، خصوصا وأن أوقات الفراغ تزداد طولاً مع بدء العطلة الصيفية التي تستمر قرابةَ أربعة أشهر، والمسبح الوحيد في كربلاء يقع في حي الحسين، وهو صغير لا يستوعب الا أعداداً محدودة من الشباب، وحديقة الألعاب التي شيدت قبل فترة مازالت أرضا جرداء نصبت عليها بعض الألعاب البلاستيكية.
والمثير حقاً ان هذه الارض الجرداء والالعاب البلاستيكية التي أهدتها وزارة البلديات لاطفال كربلاء لم تدم لهم سوى فترة قصيرة، اذ شملها وبشكل مفاجئ وصاعق، الاجراءات الامنية في المدينة في اعقاب الانفجار الغادر الذي وقع في منطقة المخيم، ونقلنا في (الهدى) في عدد سابق ما جرى للاطفال الذي ابتكروا طرق التخفي والهروب من أعين الشرطة التي تطاردهم وتمنعهم بالصراخ المزمجر من اللعب في هذه الارض الجرداء بقرار من السلطات الامنية! خوفا عليهم من العبوات الناسفة – كما قال احد افراد الشرطة هناك-.
وينتظر الاطفال حاليا انتهاء المقاول من عمله بانشاء السور المحيط بارض الحديقة ليعود الاطفال اليها وتعود البسمة الى شفاههم بعد ان أبت عليها الظروف القاسية وشحة الخدمات والامكانات والقرارات و... غيرها كثير.
|
|