قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

السياسات الإصلاحية والإصلاح الإجتماعي
*محمود الموسوي
إن التطورات التي بدأت بثورة المعلومات وتزايد سلطة الإعلام، والتي كانت تتخللها السياسات المهيمنة على العالم بشكل جديد ومغاير عن محاولات الإستحواذ القديمة، صنعت تحولات كبيرة في سائر المجتمعات، وهذا ما أنشأ عصراً جديداً سمي بعصر (العولمة).
وأمام التحولات التي تحتّمها العولمة، بدأت الدراسات حولها من جهات مختلفة، كالجانب الإقتصادي وأثره على السوق المحلية والإقليمية، والجانب السياسي وما يمكن ان يؤثر سلباً على سيادة الدولة الوطنية، وكخلق حالات المفارقة الواسعة بين فئتي الفقراء والإغنياء، كما كان للبعد الثقافي دراسات ومناقشات عديدة لكنها اقتصرت في أغلبها على التأثير في الجانب النظري على المنظومة الفكرية العامة من دون النظر للثقافة السائدة، وما نلاحظه أن تلك الإهتمامات لم تعط البعد الإجتماعي مقداراً كبيراً، ولم نر دراسات موسّعة تتناول بشكل أساس ومحوري تأثير العولمة وافرازاتها على المجتمع في ثقافته وسلوكه.
ولكن يبدو أن الجهات المختصة بدراسة التحولات المختلفة، التفتت مؤخراً إلى ضرورة وضع البعد الاجتماعي لدى أي سياسة أو مبادرة أو توصيات تصدرها جهة سياسية رسمية إلى أخرى، وهو ما نراه من التقرير الذي أصدرته إحدى جهات برامج الإمم المتحدة وقد سمّيت باللجنة العالمية حول البعد الاجتماعي للعولمة، وقد عكف ستة وعشرون متخصصاً أصدروا في نهاية الأمر تقريراً بعنوان (العولمة العادلة: إتاحة الفرص للجميع)، وقد وقع في (186) صفحة، كان ملخّصه الدعوة للسياسات العالمية بأن تعيد النظر في مرئياتها وسياساتها تجاه العالم، وعليها أن تأخذ في اعتباراتها الجوانب الاجتماعية وجعلها من المكوّنات الثابتة لأي مشروع، سواء كان مالياً أو سياسياً أو ثقافياً.
ولو تفحّصنا الأسباب التي دعت إلى تبني السياسات العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الإمريكية بالفعل لهذه النصائح هو ما شاهدته من توترات اجتماعية واسعة رافضة للسياسات الأمريكية، بل وتطوّر الوضع لتتكون مجموعات تجابه الوجود الأمريكي والغربي بشكل عام بالسلاح، وتدّعي أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مفرخاً للإرهاب، وللفكر الديني المتطرّف، الأمر الذي يؤثر سلباً في اتجاهات مختلفة على المصالح الأمريكية التي تحرص عليها في العالم، لذلك توجهت إلى تبني مقولة الإصلاح للوضع في هذه المنطقة بالذات، لكي تهتم تلك الدول بحقوق الإنسان وإطلاق الحريات.
ولا شك أن إطلاق العنان للحريات المختلفة والحفاظ على الحقوق الإنسانية واحترامها، جاءت بسبب الضغوط والمطالبات الاجتماعية المتصاعدة، إلا أن هذا الأمر لايضمن إصلاحاً إجتماعياً سليماً وجذرياً، لكوننا ننظر لمفهوم الإصلاح نظرة شمولية، أي ان تتوفر شروط موضوعية مثل أن يكون المجتمع رشيداً ومسهماً في عملية الاصلاح والتنمية وبشكل مسؤول، وأن يكون ذا صفات تكافلية وتعاونية وغيرها من المفاهيم الحضارية التي بشّر بها الاسلام والقرآن الكريم.
لذا لايمكننا انتظار السياسات العالمية بأن تنتهج نهجاً، يريد إشاعة الاصلاح الإجتماعي بالمفهوم الإسلامي الصحيح لأنها إنما تقوم بخطوات دفع الضرر عن كياناتها ولبلوغ أكبر قدر ممكن من السيادة العالمية، فالمخاطب في هذه الحال هو المشاريع الإصلاحية الداخلية، فهي المسؤولة بمعية التسهيلات الحكومية على الوضع الإجتماعي المتردّي في المنطقة.
فلا أعتقد أن هنالك صوتاً في القرن الواحد والعشرين يقول بعدم ضرورة إصلاح المجتمع، فقد بات من الواضح ان ابتلاء المجتمع العربي والإسلامي بمشكلات معقدة لم تكن بسبب الثقافة التي يحملها، وقد نقول: إن الوضع الاجتماعي الشبابي على الخصوص يحتاج إلى معالجة بعض مشكلاته الطبيعية التي يتعرّض لها عادة كل من يمر بهذه المرحلة العمرية، إلا أننا أصبحنا أمام مشكلات مركّبة أفرزتها مشكلات مستوردة، منها على سبيل المثال لا الحصر الادمان على المخدرات والسرقة بطرق واشكال مختلفة والسلوك الجنسي المنحرف، وهو اخطر ما يوجه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر، لانها تهدد كيان الاسرة ونسيج المجتمع؛ هذه المشكلات وغيرها التي لم يعهدها الوضع الإسلامي في العهود الماضية، لم تكن للثقافة السائدة علاقة بها من حيث النشوء او الانتشار رغم ما يشاع قسرا بان بعض التقاليد الاجتماعية المتعلقة بالمرأة هي التي تدفع بنات حواء للبحث عن نوافذ اخرى لايجاد بديل لمشكلاتهن وازماتهن، علماً ان الاوساط الثقافية والسياسية المسؤولة لم تحسم امرها بعد في أساس مشكلة المرأة بحيث يدفعها للتمرد على القيم والمجتمع.
لكن اذا نظرنا الى (العولمة) كفكرة وتطبيق على الارض نجد معظم مشكلاتنا تنعكس فيها، لاسيما وان معظم المشاكل تصدر من نزعة التحول والتجديد والانتقال لعصر العولمة الذي فتح على مجتمعاتنا أبواباً بألوان زاهية، لاتعبّر عنها بقدر ما تعبر صراحة عن مجتمعات أخرى وهي محمّلة بمشكلات معقّدة ليس لنا قبل بها بل ان تلك المجتمعات لاتعدها من السلبيات، وهذا من جملة الامور التي تفاجأت بها مجتمعاتنا.
وعوداً على بدء؛ فإن المشاريع الإصلاحية الداخلية، مطالبة بالرجوع الى جذور المشكلة من جهة، وهي المطالبة بالحريات العامة وحقوق الإنسان، وعليها أن توجّه قدراً كبيراً من جهدها لعملية وضع الخطط الإصلاحية لهذه المشكلات، عبر إصلاح الثقافة التي تقوّمها، وعبر معالجة الأعراض.
ولعلّ الخلل والعجز الذي يلمّ بالمشاريع الاصلاحية الداخلية يعود الى عدم الإهتمام بالدراسات الجادة التي تفكك المشكلات المجتمعية للنظر في أسبابها الحقيقية من جهة، ولكي تضع خططاً عملية لمواجهتها وإصلاحها من جهة أخرى، إذن فالأساس مفقود في هذا الإتجاه، وهو يمكن أن يتمثّل في مراكز دراسات ولجان بحثية مختصّة لمختلف الجهات، سواء الحكومية منها، وهي التي تتحمل الثقل الكبر والمسؤولية الأعظم بصفتها مالكة لزمام الأمور، أو سائر الفعاليات الثقافية والاجتماعية، هنا تتأكّد أهمية إطلاق الحريات للمراكز البحثية لكي تسد هذه الثغرة، كما لا يمكن أن يقتصر الإعتماد على مراكز للدراسات والأبحاث الخاصة والمستقلّة تماماً عن الجهات الفاعلة في المجتمع نظراً الى أن التكتلات التي يجمعها طيف فكري ما ستكون أقدر على تشخيص الدور الذي يتوجّب عليها القيام به، وبالأسلوب الذي ترتئيه.