قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

التضامن الاجتماعي في ظل قيم السماء
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *الشيخ مصطفى المرهون
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ! وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
كانت بين الأوس والخزرج القبيلتين الكبيرتين الكائنتين في المدينة، حروب طويلة ومنازعات شديدة ما يقرب من مائة عام، وكانت المعارك تنشب بين الحين والآخر مما كلّف الجانبين الخسائر الكثيرة في الأرواح والأموال، وكان مما وفق له رسول الإسلام أن نجح بعد هجرته إلى المدينة، أن يضع حداً لتلك المعارك والمجازر وإخماد الحروب وإقرار السلام وإقامة الإخاء والمحبة والإتحاد بين هاتين القبيلتين.
يقال: افتخر رجلان من الأوس والخزرج هما ثعلبة بن غنم وأسعد بن زرارة، وقال ثعلبة: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حميّ الدين، ومنا سعد بن معاذ الذي رضي الله بحكمه في بني قريضة، وقال أسعد: منا أربعة أحكموا القرآن، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما فغضبا وتفاخرا وناديا، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي فأتاهم فأنزل الله هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا، وبعد أن أوصت الآية المؤمنين بملازمة التقوى جاءت الآية الثانية تدعوهم إلى الإتحاد ومواجهة الفرقة، فقال تعالى:"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ".
بداية لابد من معرفة ان المنجز الاجتماعي الذي تحقق على يد الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ، كان قائماً على ارضية اجتماعية صالحة، ولولاها لما تحقق السلام فيما يتعلق بدواعي نزول الآية الكريم، بل لما كانت تسود كثير من المفاهيم والقيم الاجتماعية التي أتى بها الاسلام او أكدها في مجتمع الجزيرة العربية؛ يقول العالم الإنجليزي جان (ديون بورث): (لقد حوّل محمد العربي البسيط القبائل المتفرقة والجائعة الفقيرة في بلدةٍ إلى مجتمعٍ متماسكٍ منظم، امتازت فيما بعد بين جميع شعوب الأرض بصفات وأخلاق عظيمة وجديدة، واستطاع في أقل من ثلاثين عاما وبهذا الطريق أن يتغلب على الإمبراطورية الرومانية ويقضي على ملوك إيران، ويستولي على سوريا، وبلاد ما بين النهرين، وتمتد فتوحاته إلى المحيط الأطلسي وشواطئ بحر الخزر...) إلى آخر الكلام؛ ويقول (توماس كارليل): (لقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور، وأحيا به منها أمةً خاملة لا يُسمع لها صوت ولا يُحس فيها حركة، حتى صار الخمولُ شهرة والغموضُ نباهة والضعةُ رفعة والضعف قوة والشرارة حريقاً، وشمل نوره الأنحاء وعمَّ ضوؤه الأرجاء، وما هو إلا قرنٌ بعد إعلان هذا الدين، حتى أصبح له قدمٌ في الهند وأخرى في الأندلس، وعمّ نوره ونبله وهداه نصف المعمورة.
إذن يمكننا تحديد عوامل النجاح الاساسية التي قامت على اساسها دعوة السلم الاهلي والمصالحة بين ابناء المجتمع الواحد في ظل الاسلام:
العامل الأول: محورية الفضيلة المتضمنة مفاهيم جاء بها الاسلام لتكون منهجاً لتحقيق السلم الاجتماعي، فيشير القرآن الكريم الى الألفة والأخوة؛ وهما مفردتان لم يسمع بهما سكان الجزيرة العربية قبل الاسلامٍ، لذا عدّها نعمة لابد من اسداء الشكر لها؛ يقول تعالى في سورة آل عمران: "وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ".
العامل الثاني: محورية الدين، فقد ألّف الله ـ تعالى ـ بين القلوب بنعمة الإسلام، فجعلهم متراحمين متوحدين متضامنين، وهذه نعمةٌ تفوق كل النعم المادية، بل لو أننا بذلنا كل ثروات الأرض لما استطعنا أن نجمع الأمم على التآلف فيما بينهم، وبهذا ندرك أن هذه النعمة من لطف الله تعالى: "لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"
العامل الثالث: القابليات الذاتية فقد أشاد الله ـ تعالى ـ بالمؤمنين الذين أظهروا مودتهم وبذلوا أموالهم وآثروا على أنفسهم من أجل الوحدة وتوحيد الصف، قال تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"؛ هذه الاستعدادات والتضحيات التي أبداها الأنصار للمهاجرين، حصلت إثر التحابب والتوادد فيما بينهم تحت ظل الإسلام، الذي هو النبع الفياض لكل العواطف الإنسانية والدينية. حيث أن المسلم ليس من خُلقه الحالة العدائية كما يقول تعالى: "الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ".
وبهذا ندرك أهمية القوى البشرية وتلاحم الطاقات الإنسانية والجهود الجماعية، كما يقول النبي: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك ما بين أصابعه، ويقول: (المؤمنون كالنفس الواحدة) ويقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى).
وبموازاة ذلك حارب الإسلام العصبية الجاهلية على شتى أشكالها وصورها ليجمع المسلمين في العالم من أي قبيلة وقومية تحت لواء واحد؛ لأنَّ الإسلام لا يوافق على القبليات والقوميات يعد هذه الأمور وهمية لا قيمة لها، ونقرأ في بعض الروايات ان النبي خطب يوماً في مكة فقال: (أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجلٌ برٌ تقي كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقي هينٌ على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب، وقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ").
ومن الغريب أن نجد البعض يتفاخر ويكابر بالدم والنسب واللسان، ويقدمها على الأخوة الإسلامية والوحدة الدينية، غير واعين لما يمكن ان تسبب العصبية من امراض نفسية واجتماعية، وما جرته العصبية الجاهلية على الأمة من الويلات والكوارث، وقد ورد أنه صلى الله عليه وآله قال: (إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلبٌ صالح تحنن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم).
وما أحسن أن يُبنى المجتمع على تقوى الله والإحساس بالمسؤولية والالتزام بالحق والصدق والطهارة والعدل، والقيم الأصيلة التي أهملتها المجتمعات المعاصرة واستبدلتها بالشهوات المحرمة والأكاذيب الباطلة. التي فرّقت الأمة وفتكت بها، يقول تعالى: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"؛ إنه طريق الله وطريق التوحيد والحق والعدل والطهر والتقوى، إنه الصراط الأمثل الذي أمرنا الخالق أن نسلكه ونتبعهُ ونتجنب السُبل المنحرفة، التي تدعو إلى التفرقة والاختلاف والتفرق والتمرد على الله تعالى.
بعد ان تعرفنا على هذا المعنى، وأن واجب الجميع هو معرفة الصراط المستقيم واتباعه والسير فيه، علينا أن نعي بأن هناك آثاراً وخيمة يفرزها التفرق عن طريق الله. ولذلك علينا أن نتنبه إلى عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: إن الله أمرنا بالتلاحم والتضامن ونهانا عن التفرقة بصريح الآية الكريمة "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". ومعنى الآية أن على المسلمين بدلاً من أن يتحدوا للانتقام من خصومهم السابقين الذين أسلموا بعد ذلك، أن يتحدوا في سبيل فعل الخير والتزام التقوى، وهذا هو مبدأ الإسلام الخالد الذي يدعو إلى التعاون في جميع المجالات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والحقوقية وغيرها.
الملاحظة الثانية: ذم كل من يسعى للتفرقة، قال تعالى "وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ". حيث تحدثت هذه الآية الكريمة وما بعدها من الآيات حول أولئك النفر من المنافقين الذين سعوا لبناء مسجد (ضرار) الذي بُني من أجل تحقيق أهدافٍ مشؤومة ومريبة؛ ليكون مقراً لأعداء الاسلام باسم الدين وتحت غطاء المسجد، وبعد ان عرف النبي أهدافهم لم يكتف بعدم الصلاة في هذا المسجد، بل أمر المسلمين بحرقه وهدمه وتحويله الى عبرة بالغة للاجيال والتاريخ.
الملاحظة الثالثة: التحذير من قبل الله تعالى لنا من مغبة سلوك الطريق المؤدي الى التمزق والشقاق، تقول الآية الكريمة "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" حيث أن هذه الآية الكريمة تحذر المسلمين من أن يتبعوا الأقوام السابقة مثل اليهود والنصارى الذين سلكوا سبيل الفرقة والاختلاف بعد أن جاءتهم البينات وتوحدت صفوفهم عليها فيكسبوا بذلك العذاب الأليم.
إن إصرار القرآن الكريم في هذه الآيات على اجتناب الفرقة والإختلاف إنما هو تلميحٌ إلى أن هذا أمر سيقع في المجتمع الإسلامي مستقبلاً؛ لأن القرآن لم يحذر من شيء أو يصر على شيء إلا وكان ذلك إشارة على وقوعه في المستقبل، ولقد تنبأ الرسول الأكرم بهذه الحقيقة قائلاً: (إن أمة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت أمة عيسى بعده على اثنتين وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق بعدي على ثلاثٍ وسبعين فرقة)، وهذا يدعونا لاعادة النظر من جديد في مسألة الاختلاف ذات الابعاد المختلفة والحذر بشدة من ان تتحول الى صاعق ينفجر داخل اوساطنا الاجتماعية والثقافية، لنتمكن من تحقيق الأخوة الاسلامية الحقيقية التي أنعمها الله تعالى علينا بالاسلام العظيم.